الفراغ الرئاسي

لم يستطع اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية اللبنانية وفرض تعديلات على الدستور عدلت من صلاحيات رئاسة الجمهورية الواسعة لصالح مجلس الوزراء وتأمين استمرارية عمل المؤسسات بشكل طبيعي. واضطر المجلس النيابي لتعديل المادة 49 من الدستور من أجل التمديد للرئيس الهراوي لثلاث سنوات، وكذلك الأمر حصل مع الرئيس إميل لحود، ثم عاش لبنان بعد انتهاء ولاية الرئيس لحود سنتين تقريبا في فراغ رئاسي وتبين من خلال الممارسة أن مركز الرئاسة الأولى وإن فقدت الكثير من صلاحياتها تمتع بإمكانية التعطيل والعرقلة.

في تأليف الحكومة مثلا، لا شيء يلزم الرئيس بالتوقيع على تشكيلة لا يريدها ليبقى البلد من دون حكومة إلى أجل غير مسمى. في موضوع جلسات انتخاب رئيس الجمهورية لا شيء يمنع النواب من عدم حضور الجلسة وإفقادها النصاب القانوني وبالتالي منع عملية الانتخاب، وهذا ما حصل تحديدا مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أتت بعون رئيسا. حتى في الموضوع الحكومي فاستقالة مكون طائفي أساسي فيها ينزع عنها الشرعية ويكبلها كما حصل مع حكومة الرئيس السنيورة في العام 2006. حيث استقال منها المكون الشيعي واتهمت بعدم موثوقيتها. أما في السنين التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري حتى يومنا هذا عاش لبنان من دون حكومة شرعية مكتملة الأوصاف القانونية لسنوات ضاعت بين التكليف والتأليف.

التعطيل في بعض الأحيان من أجل الوصول إلى هدف معين قد يكون تكتيكا يمكن أن يتبعه فريق سياسي ما، أما أن يكون نهجا سياسيا عند كل استحقاق، فهذا أمر يشل البلد ويعود بالضرر على اقتصاده. المشكلة في النصوص التي لا تلزم صاحب القرار بمهل معينة، وهذا ما قصده المشرع للأسف ليعطي المجال أن يقوم الحكم السياسي في لبنان على مبدأ التوافق بحيث لا يكون، على ما كان يردد الرئيس الراحل صائب سلام: «لا غالب ولا مغلوب». هذا قد يكون مفهوما جميلا ولكنه ليس عمليا خاصة في إدارة الدولة ومؤسساتها.

لبنان قادم على انتخابات رئاسية، ويقول البعض إنها مصيرية ويعطيها أكثر مما تحتمل، فجل ما يستطيع رئيس الجمهورية فعله من موقعه هو تعطيل تشكيل الحكومة حتى تلبي مطالبه تماما، كما حصل مع أولى حكومات الرئيس الحريري في موضوع إعطاء باسيل وزارة الاتصالات حين قال عون جملته الشهيرة: «لعيون الصهر ما يكون في حكومة».

كل هذا الكباش بين القوى الطائفية أو بين مراكز الدولة من رئاسة وحكومة ومجلس نيابي يعقد عمل المؤسسات وانتخاب رئيس من عدمه، لن يحل التعقيدات العملية للعمل السياسي، وسيكون مجرد تغيير في الوجوه فقط في مراكز القرار. المطلوب بناء على الممارسة منذ العام 1991 تحديد مكامن التعطيل وتعديله بنصوص قانونية. أي شيء آخر مجرد مهرجان سياسي لن يقدم ولن يؤخر في أوضاع البلد.

مشكلة التوافق هي أنها تتعارض مع الديمقراطية، لسبب بسيط أنه في حال فقدانه- أي التوافق- ليس هناك من آلية لتجاوز الأزمة التي يخلفها. في ديمقراطيات العالم هناك رابح وخاسر نظرا لما تفرزه الانتخابات بشكل يمكّن الرابح من الحكم. أما في حالة فلسفة التوافق فالجميع رابح والجميع يحكم. مفهوم الخسارة ليس له علاقة بترجيح فكرة على أخرى إنما يتعلق بربح طائفة على أخرى وهذا في النظام اللبناني محظور طبعا لأنه لا يمكن في العلن أن يكون هناك «غالب ومغلوب».

حينها يصبح الحكم موضوعا معقدا جدا وتسيير المرافق العامة للدولة أيضا مسألة صعبة في حال غياب التوافق. فمثلا التعيينات القضائية التي لم تنجز من قبل السلطة حتى الساعة لأسباب تتعلق بالمحاصصة الطائفية لا تأخذ في الحسبان تعطيل العمل في القضاء وكذلك الأمر ينطبق على كل التعيينات في مراكز الدولة الشاغرة.

لذا نرى البلد مكبلا عند كل استحقاق وتدور مشاورات في عواصم القرار في المنطقة والعالم من أجل إيجاد حل لقضية يفترض لها أن تكون وطنية وداخلية وسهلة ولها خارطة طريق واضحة في الدستور.

مع هذا البعض، (البعض الكثير) على ما يبدو لا يريد أن يعترف بأن لبنان يعاني من أزمة نظام تعطل عمل المؤسسات ولا تؤمن استمراريتها. هناك من يرفض فكرة تعديل الدستور حتى يصبح عملانيا أو قابلا للتطبيق ويفتح المجالات أمام الإصلاحات. أمراء الطوائف وجمهورهم لن يتخلوا عن مواقعهم ومراكزهم وباب رزقهم وهذا للأسف يؤدي إلى الاستمرار في نفس النهج التعطيلي.

إذن الانتخابات الرئاسية ليست مصيرية أبدا، بما أن الشكل لن يؤثر على الجوهر الذي هو بحاجة إلى التغيير.

وما دام أكثرية اللبنانيين لن يعترفوا بضرورة التغيير سيظل لبنان ينتقل من أزمة إلى أخرى عند كل استحقاق.