القضية ليست إطلاق سراح الإرهابي أسدي

لم تکن العملية الإرهابية التي کان الدبلوماسي الإرهابي أسدي يقودها من أجل تفجير التجمع السنوي للمقاومة الإيرانية في باريس عام 2016، کأي من العمليات والنشاطات الإرهابية السابقة إطلاقا، إذ إلى جانب أن العملية استهدفت السيدة مريم رجوي تحديدا باعتبارها أکبر خصم للنظام الإيراني، فإنها استهدفت أيضا عددا کبيرا من الدول التي کان يشارك مواطنوها في هذا التجمع، وهذا يعني بالضرورة أن عملية الإرهابي أسدي قد تجاوزت حدود المقاومة الإيرانية وووسعت من نطاقها لتٶکد مرة أخرى أن إرهاب النظام الإيراني هو إرهاب ميکافيلي إن صح التعبير فهو يقوم باستخدام کل الطرق والسبل المشروعة وغير المشروعة من أجل تحقيق غاياته.

العمليات الإرهابية السابقة التي نفذها النظام الإيراني من خلال عملائه في بلدان الاتحاد الأوروبي ضد معارضيه وخصوصا ضد أعضاء المقاومة الإيرانية، والتي قد طفح کيل هذه البلدان منها وضاقت ذرعا بها حتى إنها قامت بما يمکن وصفه بإبرام صفقة سرية يمتنع بموجبها هذا النظام عن القيام بأية نشاطات إرهابية على أراضي هذه البلدان في مقابل غلق دعاوى قضائية ضده في ألمانيا والنمسا وإيطاليا وغيرها، ولکن يبدو واضحا أن هذا النمط من التعامل مع نظام يحترف الإرهاب قد حفزه وشجعه أکثر على المضي قدما في هذه النشاطات بل وحتى جعلته يتجرأ وحتى أن يزداد وقاحة بأن يقوم بالإعداد لأکبر مخطط إرهابي من نوعه بقيادة أحد عناصره الاستخباراتية المتخفية تحت غطاء دبلوماسي.

اليوم وبعد أن أخذ العدل مجراه وتم إصدار حکم قضائي على أسدي والزمرة الإرهابية التي کان يقودها، ولا سيما بعد أن صار معلوما بالاستناد إلى حيثيات وووثائق المحکمة البلجيکية، أن ما قام به أسدي وزمرته يمکن إدراجه ضمن نطاق إرهاب الدولة، فإن المساعي المحمومة التي يبذلها النظام الإيراني من أجل إتمام الصفقة المخزية التي قام بها مع الحکومة البلجيکية من أجل إعادة أسدي إلى إيران وإطلاق سراحه، إنما إضافة لکونه نشاطا مشبوها فإنه لا يعتبر نشاطا معاديا للمقاومة الإيرانية فقط بل وحتى لتلك الدول التي شارك مواطنوها في ذلك التجمع وکذلك ضد المجتمع الدولي لأن إرهاب النظام الإيراني من خلال هذه العملية قد تجاوز کل الحدود واکتسب منحى عالميا.

تزايد عدد الاحتجاجات المنددة بتلك الصفقة المشٶومة واتساع رقعتها، إنما يدل أساسا على ما کانت العملية الإرهابية لأسدي وزمرته تضمره من شر وعدوانية غير محدودة ضد الإنسانية عموما وليس ضد المقاومة الإيرانية فقط، والذي يجب الانتباه له وأخذه بعين الاعتبار والأهمية هو أن هناك قطاعا عريضا من المحتجين والمنددين بهذه الصفقة والمطالبين بإلغائها هم من خبراء حقوق الإنسان والقانون الدولي ومن ضمنهم خبراء بلجيکيون وبهذا الصدد فإنه يلفت النظر تلك الرسالة المفتوحة التي بعث بها 68 مسؤولا خبيرا، بما في ذلك قضاة حاليون وسابقون في الاتحاد الأوروبي، ومنظمات دولية لحقوق الإنسان. وتكرر التأكيد على أن إطلاق سراح أسدي وإعادته إلى إيران «لن يؤدي إلا إلى تغذية ثقافة الإفلات من العقاب الموجودة لدى المسؤولين الإيرانيين»،ولذلك فقد طالبوا رئيس الوزراء ألكسندر دي كرو اليوم بدعوة حكومة بلجيكا إلى عدم إطلاق سراح أسدي.

کما أن کتاب «الإرهاب الدبلوماسي»الذي صدر مٶخرا قد سلط الأضواء على هذه القضية الحساسة وبالغة الخطورة بل وإنه وبسبب من المعلومات الدقيقة التي تضمنها فإنه يعتبر الکتاب الأکثر توثيقا ودقة للإرهاب المنظم الدي يقوم به  النظام الإيراني، فإنه بمثابة وثيقة قانونية ضد الصفقة المشبوهة.

صفقة تبادل السجناء المزعومة ليست مجرد قضية إطلاق سراح الإرهابي أسدي فقط وإنما هي قضية جعل الإفلات من العقاب نهجا قائما وبمثابة أمر واقع وقضية تحد للقوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان ولذلك يجب التصدي لها وعدم السماح بها.