العمال السوريون في تركيا... بلا حقوق أو قوانين تحمي من الاعتداءات والكراهية

اتهامات لأصحاب العمل باستغلال اللاجئين
سوريون يعملون بظروف صعبة في تركيا

القامشلي: كان اللاجئون السوريون في تركيا على وجه الخصوص، العمّال منهم، على موعدٍ مع إضرابٍ عن العمل يستمر لمدّة أسبوعٍ على أن يبدأ في يوم الثاني عشر من شهر سبتمبر (أيلول) الجاري، ولغاية السابع عشر من الشهر نفسه، لكن ما الذي جرى حتى لم يُنفذ هذا الإضراب الذي يهدف إلى تحسين وضع العمالة السورية في الدولة التي يعيش فيها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ سوري هربوا من الحرب التي تشهدها بلادهم منذ عقدٍ ونيّف؟


بدأت فكرة الإضراب عن العمل مع رجل أعمالٍ سوري يقيم في تركيا وحاصل على جنسيتها، وذلك لاعتراضه على مقتل عددٍ من السوريين في هجماتٍ شنّها متطرّفون أتراك مؤخراً، وأيضاً للردّ على دعوة أحزابٍ يمينية تطالب بطرد اللاجئين السوريين من الأراضي التركية وسحب بطاقات الإقامة المؤقتة منهم، لكن سرعان ما تحركت السلطات الأمنية التركية وقامت باحتجاز رجل الأعمال عبد الله الحمصي مطلع الأسبوع الحالي، في مدينة إسطنبول.


وإلى جانب دعوته العمال السوريين للإضراب عن العمل من أجل حقوقهم، شنّ الحمصي هجوماً لاذعاً على زعيم حزب النصر، التركي اليميني المتطرّف أوميت أوزداغ الذي يدعو باستمرار لطرد اللاجئين السوريين من تركيا، معلقاً معظم مشاكلها الاقتصادية بالوجود السوري في بلاده.
وحتى الآن، لم تقم السلطات التركية بإطلاق سراح رجل الأعمال السوري المعارض لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بحسب معلوماتٍ حصلت عليها «المجلة» من مصادر تركيةـ سورية متطابقة رغم أن الحمصي لم يتهجّم على الحكومة التركية وإنما اكتفى بشنّ هجومٍ لاذع على زعيم حزب النصر اليميني.

احتجاجات في تركيا على اعتقال عبد الله الحمصي


تراجع عن تأييد الإضراب بعد الدعوة إليه
كان آلاف العمال السوريين يستعدون لتنفيذ إضرابٍ واسع عن العمل في المنشآت والمؤسسات والمصانع والمعامل التركية التي يعملون فيها، إلا أنّ دعواتٍ لمقاطعة هذا الإضراب ساهمت في عدم تطبيقه لا سيما مع دخول جماعة الإخوان السوريين على الخط وإصدارها بياناً يقف ضد إضرابهم المقرر عن العمل، علاوة على تراجع شخصياتٍ سورية معارضة بارزة بينها ممثلون معروفون مثل عبد الحكيم قطيفان عن تأييد فكرة إضراب العمال بعدما أعلن في وقت سابق عن دعمه وتأييده الكامل لهذه الخطوة.

أرباب العمل يستغلون اللاجئين
وفي هذا السياق، شدّد خبير اقتصادي تركي معروف على أن «تنفيذ عمالٍ سوريين للإضراب عن العمل أو عدم تنفيذه لا ينفي ولا يتعارض مع ضرورة حصولهم على كامل حقوقهم»، على حدّ تعبيره.


وقال الخبير الاقتصادي التركي خيري كوزان أوغلو لـ«المجلة» إن «الدعوات لهذا الإضراب جاءت كردِ فعلٍ على توجهاتٍ وطروحات زعيم حزب النصر اليميني المتطرّف الذي يدعو لترحيل السوريين، لكن ما حصل أن الإضراب لم يتمّ على خلفية تدخل جماعاتٍ مدعومة من تركيا على خط هذه الأزمة».


وأضاف: «مهما تكن أسباب تراجع العمال السوريين عن العمل، يجب أن يكون لهم ولجميع العمال المهاجرين الحق في العمل والإضراب، خاصة وأننا جميعاً نعلم أن السوريين يعملون بأجورٍ منخفضة وبدون أي ضمانٍ اجتماعي، وهذا ما يستغله أصحاب العمل خاصة في الأجزاء الجنوبية الشرقية من البلاد»، حيث يتواجد اللاجئون السوريون بكثافة.

القانون التركي لا يحمي العمالة السورية


وبحسب المحلل الاقتصادي، لا تقدم الجهات الحكومية أي تقارير دورية أو معلوماتٍ دقيقة عن واقع العمال السوريين في تركيا.

تباين في مواقف العمال السوريين
وتحدّثت «المجلة» إلى عشرات العمال السوريين الذين يعملون في منشآت تقع في مختلف المدن التركية، حيث عارض معظمهم مسألة الإضراب عن العمل. وقال شاب من هؤلاء لـ«المجلة» إن «موقفي الشخصي من الإضراب لا علاقة له بمواقفي السياسية، لكن توقفي عن العمل يعني أن أسرتي ستجوع».


وأضاف متسائلاً: «كيف سأوفر لعائلتي مستلزماتهم اليومية إن توقفت عن العمل؟ ومن سوف يعوّضني فيما لو طردني صاحب العمل من المصنع الذي أعمل فيه الآن».


ورغم أن هذا العامل يرفض فكرة الإضراب، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن «مواجهة خطاب الكراهية في تركيا خطوة ضرورية»، مؤكداً أنه «كان يمكنني أن أدخل في إضراب عن العمل الآن، لو كان لدي ما يؤمن قوت يومي».


وتابع: «أعمل يومياً لمدّة ثماني ساعات وفي بعض الأيام أعمل لعشر ساعاتٍ، كي أتمكن من تسديد إيجار البيت وتأمين بقية تكاليف معيشتي خاصة وأنها باتت مكلفة مع ارتفاع الأسعار».


ومن جهته، أكد لاجئ آخر يعمل في ورشة خياطة بمدينة إسطنبول أن «الإضراب كان قد يساهم في تغيير بعض ظروفنا إذا ما اتفق كل العمال على التوقف عن أعمالهم لمدّة أسبوع على الأقل»، مشيراً في حديث لـ«المجلة» إلى أن «معظم أصحاب المنشآت التركية يرغبون بتوظيف السوريين لأنهم يعملون بأجورٍ منخفضة وبدون ضماناتٍ اجتماعية من وزارة العمل».


كما طالب الجهات الدوليّة المعنيّة بحقوق العمال، بالتدخل لتحسين ظروفهم وضرورة منحهم تصاريح بالعمل تضمن لهم تعويض نهاية الخدمة والرعاية الصحية في حال تعرّضهم لإصاباتٍ خلال عملهم.

يعيش السوريون قلق الترحيل من تركيا

لا تعويضات رغم إصابات العمل
إلى ذلك كشف عامل سوري آخر أصيب خلال عمله أنه لم يتمكن من طلب تعويضات مالية رغم عدم تمكنه من العمل لاحقاً على خلفية الإصابة التي أرغمته على المشي بعكازين بعد حادث سير تعرض له أثناء ذهابه إلى العمل، موضحاً ما حصل معه بالقول: «باص المعمل الذي أعمل فيه اصطدم بحافلة أخرى ونتيجة ذلك تعرضت لإصابةٍ بليغة».


وأضاف لـ«المجلة»: «زملائي الأتراك حصلوا على تعويضاتهم، لكنني لم أتمكن من المطالبة بأي تعويض لدى المحاكم لأنني لا أحمل ترخيصا بالعمل، الأمر الذي لا يخولني لرفع دعوى أساساً».

القانون التركي يحدّد نسبة توظيف العمال السوريين
ويفرض القانون التركي، توظيف عاملٍ سوري واحد مقابل كل عشرة عمالٍ أتراك، إلا أن هذا البند لا يطبّق بحرفيته على أرض الواقع، وفق شهادات عمالٍ سوريين ونقابات تركية عديدة منها «اتحاد نقابات العمال التقدّمي» والمعروف اختصاراً في اللغة التركية بـ«DISK»، وهو أقدم اتحاد نقابي للعمال في تركيا.

90   في المائة من اللاجئين السوريين يعملون دون ترخيص
وفي هذا الصدد، أشار عامل سوري يعمل في إسطنبول إلى أن «هذا القانون لا يطبق حرفياً، فالعمال السوريون في المعامل والمصانع وورش الخياطة والتطريز هم الأغلبية مع بعض اللاجئين من جنسيات أخرى مقارنة بعدد العمال الأتراك».


وأضاف أن «أصحاب المهن يفضلون منذ سنوات توظيف السوريين لأن وجودنا في هذه المنشآت يخفف عنهم عبء الرواتب، فهي منخفضة مقارنة بأجرة العامل التركي، كما أنهم لا يدفعون الضرائب مقابل عملنا لأننا غير مسجلين في وزارة العمل».


ويعمل في تركيا، قرابة 900 ألف لاجئ سوري حصل فقط حوالي 70 ألفاً منهم على تصريح بالعمل، بحسب إحصائياتٍ أوردتها جهات حكومية تركية إلى جانب مؤسساتٍ دولية تُعنى بشؤون العمال واللاجئين. وهذه الإحصائية لا تشمل العمال القاصرين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً.
وبحسب منظمة العمل الدولية التي تتخذ من مدينة جنيف السويسرية مقرّاً رئيسياً لها، يعمل 90 في المائة من السوريين في تركيا دون تراخيص عمل، وهذه «مشكلة» وفق ما تصفها المنظمة التي تطالب تركيا بحلّها.

يعيش السوريون قلق الترحيل من تركيا

 

لا يستطيع اللاجئ السوري وضع أي شروط للعمل طبقاً لظروفه
وسرد عامل سوري آخر قصته لـ«المجلة» بعد أن كان ينوي اتخاذ تركيا كبلدٍ للعبور إلى أوروبا، لكن ما حصل كان عكس توقعاته، وقال إن «تركيا بالنسبة لي كانت مجرّد بلد عبور، فقد دخلت إليها قبل حوالي عامين وحينها كنت أخطط للذهاب إلى أوروبا، لكنني تعرضت لعملية احتيال بعدما تمكّن أحد المهرّبين من خداعي، وقد توارى عن الأنظار بعدما دفعت له مبلغ 5000 يورو كنت قد جلبتها معي من سوريا».


وتابع أن «وقوعي في فخ الاحتيال أرغمني على البقاء في تركيا، وبالتالي العمل فيها دون ضمانات أو شروطٍ قبلي»، مشيراً إلى أنه «لا يمكنني جمع المبلغ الذي خسرته في عملية الاحتيال لا سيما مع تراجع الليرة التركية، وهذا يعني أنني سأعمل لوقتٍ طويل أو ربما سيتمّ ترحيلي إلى سوريا لأنني لا أملك أيضاً تصريحا بالإقامة داخل الأراضي التركية».


وتنوي تركيا بالفعل ترحيل أكثر من مليون لاجئ سوري حتى منتصف عام 2023 المقبل، وفق خطةٍ كشف عنها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قبل حوالي ثلاثة أشهر، إلا أنه لم يقدم أي تفاصيل حول آلية تطبيقها أو المناطق السورية التي سيتم إعادة اللاجئين إليها.


ومنذ إعلان أنقرة عن رغبتها في ترحيل أكثر من مليون لاجئ سوري من أصل أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ، يحاول مئات اللاجئين السوريين يومياً عبور الحدود بين تركيا واليونان وتركيا وبلغاريا سعياً في الوصول إلى بلدٍ أوروبي يوفر لهم معيشةً أفضل.


ووفق مصدر في نقابة «Disk» التركية يحاول معظم العمال السوريين جمع المال كي يستطيعوا من خلاله الخروج من تركيا بطرقٍ غير شرعية إلى اليونان وبلغاريا، وهي رحلة شاقة جسدياً إضافة لتكاليفها المالية الباهظة، فهي تحتاج للسير على الأقدام عدّة أيام في الغابات وبين الجبال.


ولا تمنح تركيا «حق اللجوء» للسوريين، وهذا ما يمنع دخولهم إلى سوق العمل بشكلٍ قانوني رغم أنها صادقت على اتفاقية 1951 وبروتوكول 1967 المتعلقين بوضع اللاجئين، لكنها حصرت الموقع الجغرافي الذي يأتي منه اللاجئون بالدول الأوروبية فقط. ونتيجة ذلك، اكتفت السلطات التركية بمنح اللاجئين السوريين بطاقة الإقامة المؤقتة المعروفة في التركية بـ«كيملك» دون أن تقدم لهم وثائق سفر تخولهم الدخول والخروج إلى تركيا أو أن تسمح لهم بدخول سوق العمل قانونياً.