حتى ملوك أوروبا لا يرقدون بسلام في عالم تتحيز فيه الآراء

الحديث عن الراحلين
ريدوندا

كي لا يقال إني لا أبقي قرائي على اطلاع دائم بالأحداث العالمية، أخبركم أن خبرا لم يحظ بقدر كبير من الاهتمام هذا الأسبوع وهو وفاة أحد الملوك. إذا لم يسمع معظمكم بالخبر المحزن، فلا أجد ذلك يستحق اللوم. لم يسمع أحد تقريبا عن هذه الشخصية الملكية. لذلك أشعر أنه يتحتم عليّ أن أنشر الخبر محطما القلوب. على أي حال، وعلى الرغم من أنهم غير منتخبين، إلا أنهم (إذا جاز لي استخدام صيغة الجمع الملكية) كانوا محبوبين للغاية- إلى حد العبادة تقريبًا- بين عدد كبير من المعجبين المخلصين بشدة. في سلام وصداقة تامة، حكموا لعدة سنوات طويلة جزيرة نائية، قاحلة، غير ملحوظة وصغيرة جدًا، ومع ذلك، على الرغم من صغر حجمها كانت مأهولة بالسكان؛ المخبولين.


الآن، قبل أن يندفع بيرس مورغان لإدانتي بالتنظير لفكر الووك (الداعي إلى الانتباه إلى قضايا العنصرية والتمييز)  وقبل أن تقدم لي جامعة هارفارد درجة الأستاذية، اسمحوا لي أن أوضح أن اسم هذا الملك كان خافيير مارياس، الروائي الإسباني ذائع الصيت، الذي اشترك مع مصور فوتوغرافي مبدع، ومخرج أفلام فرنسي يساري أنيق وآخرين لم ينتبه لوفاتهم سوى قلة قليلة من الناس في اختيار الأسبوع الخطأ للموت.


أما بالنسبة للمخبولين، فلست وقحًا لأقصد بها أنصار الملكية الذين يتوافدون على شارع مول في كل مرة يخرج فيها أحد أفراد العائلة المالكة إلى الشرفة. لقد أشرت فقط إلى جمع الطائر البحري (الأخبل)، والذي تعشش أسرابه في مستعمرات على جزيرة في منطقة البحر الكاريبي والتي اكتشفها كولومبوس لأول مرة وأطلق عليها اسم سانتا ماريا لاريدوندا (تعني الدائرية). في الواقع، شكلها غير منتظم إلى حد ما وليس دائريًا، إلا إذا نظرت إليه من زاوية معينة. ومنذ ذلك الحين تم تبسيط اسمها إلى الدائرية، ولا يقضي الناس الكثير من الوقت عليها؛ حيث لا توجد مياه عذبة ولا توجد شجرة واحدة. أضف إلى ذلك حقيقة أن الطيور البحرية غير معروفة بنظافتها الشخصية وليس من المستغرب أن الملك الحاكم نادرًا ما تطأ قدمه تربتها (شديدة الاتساخ). وبالنظر إلى الحالة المروعة للمكان، ينتقل التاج من كاتب إلى آخر غيابيًا. قديما، توقف بعض المنقبين عن فضلات الطيور البحرية لفترة كافية لاستغلال الكميات الهائلة من الفضلات التي تخلفها الطيور. كانوا ينقبون عن الفوسفات لاستخدامه كسماد. وكانت الطيور، بالطبع، سعيدة لتقديم المساعدة.


بطريقة مماثلة تمامًا، تُلقى الآراء حول العالم بشكل روتيني عبر وسائل الإعلام، لإثراء أو قل "تخصيب" الحوار العام. ومع ذلك أعتقد أنه من العدل أن نقول إن الأسبوع الماضي شهد ارتفاعًا دراماتيكيًا، لا غير مسبوق، في إنتاج الفضلات.

 

واجهة متجر في سيفينوكس


لم يسبق في تاريخ نشر الأخبار على مدار 24 ساعة- ولا حتى عندما حاول أنصار الرئيس ترامب جعل أميركا عظيمة مرة أخرى من خلال تدمير رمز ديمقراطيتها- أن انتشر الإدلاء بالآراء على مثل هذا النطاق الهائل.


ربما ظن المرء أن من الأدب المتعارف عليه أن يحتفظ الناس بآرائهم طوال فترة الحداد. فعلى أي حال، كما كتب جون دون أبياته الشهيرة:
موت أيّ كائن ينتقص منّي،
فأنا معني بالبشريّة،
 ولذا لا تُراسلني أبداً لتسألني
 لمن تُقرع الأجراس
 إنها تدق لك.

من المزعج أن نرى بعض المعلقين الجمهوريين يُنَظِّرون على بعضهم البعض هذا الأسبوع، في عجلة من أمرهم لتشويه سمعة رأس دولة ما. في الماضي البعيد، لم يكن شخص ليجرؤ على عدم احترام الموتى. بدلاً من ذلك، كانوا يرفعون قبعاتهم مع مرور الكفن، حتى من دون معرفة الشخص الميت بالداخل. كما جاء في الشعار الجنائزي؛ بالعامية: «لا تقل سوى الخير عن الموتى».

زنبق الوادي


كما سنرى، في هذه الأيام، يتزاحم البعض ليكونوا أول من يسيء إلى المتوفى، لا سيما عندما يكون الشخص الراحل المعني في مرتبة تسمح له بحمل لقب ملكي. خلال زيارة إلى معرض تشيلسي للزهور في عام 2016، أوضح البستاني لصاحبة الجلالة أن زنبق الوادي كان يستخدم سابقًا كسم، فأجابت: «لقد تلقيت باقتين هذا الأسبوع. ربما يريدون أن أموت» (أمين سانر، الحارس، 9 سبتمبر/ أيلول).


نرى الآن كيف كانت على حق. كانت أكاليل الكلمات، كما يسميها أندرو راونسلي، تصل كثيفة وسريعة، لكن العديد منها عبر المحيط الأطلسي نسجها من زنبق الوادي. الشيء نفسه ينطبق على الشاعر الحائز على جائزة، رغم أنه على الأقل قصده حسنًا؛ كما نجد في قصيدته «إشادة الأزهار»:
زنبق الوادي، الذي يحمل اسمك، زهرة مفضلة
منسوجة مع باقاتك الشهيرة،
 ومع جلال وحماس مصابيحه ونورته الزهرية
يخفي الناقوس الصامت صوتًا فريدًا.


لقد كانت محاولة لطيفة، رغم أنها مفرطة في التفاصيل. يُعرف زنبق الوادي أيضًا باسم سلم الجنة ودموع ماري، لذا فإن الزهرة لها عدة مميزات، ولكن الحديث عنها قاسٍ، لا يمكنني سماع صوت الكاتب هناك، بلهجة هيدرسفيلد المميزة. ربما كان سيمون أرميتاج فريسة للوعي الذاتي الذي يعيق معظم الشعراء الحائزين على جائزة.
إن أبيات عادية لفيليب لاركن- الشاعر الذي كان ليفوز بجائزة لو أنه لم يتوقف عن كتابة الشعر عندما طُلب منه ذلك- هي التي تلخص في الواقع مشاعر الناس تجاهها:
عندما لا يعود الحال كما هو
بل يسوء ويزداد غرابة
كان هناك شيء واحد ثابت:
هي التي لم تتغير.


إذا كنت في شك، دع الموتى يرثون الموتى. عندما كتب لاركن هذه الأبيات، أشك في أنه كان يفكر «الآن سأقول شيئًا لا يُنسى»، لقد توفي قبل الملكة ببضع سنوات، مما جعل الأمور أسهل أيضًا.
لا يجب أن يمتد حظر الحديث بالسوء عن الموتى ليشمل كل من يموت. وربما يكون من الأفضل عدم إرسال شرطة الفكر بسبب هذا الأمر؛ حتى الملكة إليزابيث الأولى لم ترغب في «فتح نوافذ للاطلاع على دواخل البشر».


بعض الناس لا يزعجهم الأمر كثيرًا في كلتا الحالتين. كما أنها ليست قاعدة صارمة وسريعة بوجوب احترام الموتى. ربما لم يكن على دي فاليرا أن يرسل تعازيه إلى الشعب الألماني في وفاة أدولف هتلر، لمجرد أن جمهوريته كانت محايدة.
لكن بصراحة، في الموقف الراهن، هل كانت فترة عشرة أيام من الهدوء كثيرة على الناس حتى يأخذوا على عاتقهم المهمة العاجلة المتمثلة في شيطنة الجدة الكبرى المحبوبة التي توفيت عن 96 عامًا بعد أن كانت في خدمة بلادها على الدوام حتى قبل يومين من وفاتها؟ كيف يمكن أن يكون هؤلاء الليبراليون بلا قلب!


بعد ثلاث ساعات فقط من إعلان وفاة الملكة، قالت أستاذة التاريخ بجامعة هارفارد مايا جاسانوف، حيث تتخصص في تاريخ بريطانيا والإمبراطورية البريطانية: «إنه كان من الخطأ (إضفاء الطابع الرومانسي) على عهدها. لقد ساعدت الملكة في إخفاء التاريخ الدموي لإنهاء الاستعمار الذي لم يتم الاعتراف بحجمه والمسؤولية عنه بشكل كافٍ». وسلطت الضوء على القمع في مالايا وكينيا واليمن وقبرص وأيرلندا.
وتابعت قائلة: «قد لا نعرف أبدًا ما الذي فعلته الملكة أو ما لا تعرفه عن الجرائم المرتكبة باسمها. أولئك الذين بشروا بالعصر الإليزابيثي الثاني كانوا يأملون أن تحافظ إليزابيث الثانية على العظمة البريطانية؛ ولكن بدلا من ذلك، كان عصر انهيار الإمبراطورية». واختتمت جاسانوف بدعوة الملكية البريطانية إلى التخلص من «أساطير الإحسان الإمبراطوري» التي لا تزال تتخلل احتفالاتها وأنشطتها. قد نخطئ إذا اعتبرنا هذا طلبا لن يكون لطيفًا في المستقبل!


ليست الآراء هي ما اختلف معها هنا. فقد كتبت عن العلاقات بين العائلة المالكة والعبودية في مقالة مطولة بعنوان: «تاريخ يطارد الأمير ويليام» على سبيل المثال. ولكني أعترض على التوقيت.

الملكة تستقبل رئيسة وزرائها الخامسة عشر في بالمورال

وبالتأكيد لم يتوانَ آخرون عن الانضمام إليها في التعبير عن آرائهم، بمصطلحات غير محسوبة كتلك التي استخدمتها الأستاذة بجامعة هارفارد. هذا هو عصر التحيز في الرأي- ليس هناك وقت نضيعه عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن تحيزاتك في هذا الحدث الصاخب.
قال كاتب كبير مسؤول عن نشرة البريد الإخبارية لمجلة «نيويورك»، واسمه ترهاكا لوف، إنه يتطلع إلى الرقص على قبر الملكة، لأنه «لا يمكنك أن تكون ظالمًا حرفيًا ولا تتوقع من الناس الذين قمعتهم أن لا يبتهجوا بنبأ وفاتك». هذا التكرار «لا» يشير إلى هذا الاندفاع اللاهث للتعبير عن رأيه هنا. وقيل ما هو أسوأ بكثير، محملا بالعنف والتعبيرات اللاذعة التي لا يمكن أن تنقلها سوى وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لن أنقلها هنا مراعاة لأصول اللياقة.


من الواضح أن مثل هؤلاء الناس ما زالوا بحاجة إلينا، نحن البريطانيين، لنلعب دور الشخصيات الشريرة في أفلامهم. لقد كان من السهل تصويرنا كمستعمرين شرسين وإمبرياليين مستبدين. وهل ذكرت أننا أيضًا عنصريون بغيضون؟ لكن انتظر دقيقة، ألسنا كذلك، نحن البريطانيون الشائنون، أول من استعمر أميركا، الاستعمار المستمر الذي حل محل السكان الأصليين؟ هل يمكن للمرء أن يرصد قدراً من كراهية الذات في كل هذا، فيصبه على البلد الأم الأكثر جدارة بالكراهية؟ علاوة على ذلك، لقد طردونا منها منذ مئات السنين. من الصعب تفسير التعاطف المؤلم مع البلدان التي ظلت تحت طغياننا لفترة أطول.


نفس القصة المريحة عن لوم البريطانيين كانت تروى عبر شاشات التلفزيون. على شبكة «سي إن إن»، كان على كريستيان أمانبور أن تنتقد الإمبرياليين. كما أوضح السيد «إس» (ستيربايك أوف اسبيكتور)، طلبت أمانبور ما يلي:
«أن يخاطب الملك تشارلز الثالث حركة (حياة السود مهمة) وينظر في إمكانية دفع (التعويضات) عن الثروة الناتجة من المستعمرات السابقة. [ستيربايك يسأل] هل عليه دفن والدته أولاً على الأقل؟ هز ماكس فوستر، زميل أمانبور، رأسه مثل كلب يومئ برأسه عندما أعلنت أن (الأمير ويليام، ولي العهد والملك التالي، تحدث عن ذلك، بعد أن تعرض لانتقادات بسبب رحلة قام بها في منطقة الكاريبي- مرة أخرى، الإرث الاستعماري- يجب أن نجري هذه المناقشة، ويجب أن يكون الأمر متروكًا لتلك البلدان. ولكن يجب أيضًا أن تكون المناقشة في هذا البلد [بريطانيا] أيضًا».. شكرًا لك على النصيحة، كريستيان. ربما شعر السيد إس ببعض التعاطف مع أمانبور في حديثها عن شرور الإمبراطورية البريطانية لو لم تكن حرفياً  تحمل لقب قائدة في الإمبراطورية البريطانية- وهو شرف لم يكن لديها مشكلة في قبوله منذ 15 عامًا. هذا ما يعنيه أن تكون منافقًا ملكيًا.
في الوقت نفسه، على شبكة إم إس إن بي سي، دار نقاش حاد. ها هو ستيربايك مرة أخرى:
«يوم السبت، بدأ المذيع التلفزيوني علي فيلشي برنامجاً خاصاً حول إرث الملكة بإدانة العائلة المالكة. وادعى أنها (مثلت مؤسسة لها تاريخ طويل وقبيح من الاستعمار الوحشي والعنف والسرقة والعبودية)، على الرغم من أن بريطانيا، في عهد إليزابيث، أنهت استعمار إمبراطوريتها واحتضنت التعددية الثقافية. وبصفتها ملكة دستورية، لم يكن لهاذ أي دور يتعلق بمهام سياسية، على الرغم من أن احتضانها للكومنولث متعدد الأعراق، ونفورها من الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وخدمتها في الحرب ضد ألمانيا النازية يشير إلى تعاطفها الخاص.

وقت الشاي


ومع ذلك، فضل فيلشي تجاهل آراء وأفعال الملكة التي توفيت قبل يومين فقط. وقال لجمهوره: «لقرون عديدة، سلب البريطانيون ثروات دول أخرى، واستغلوا شعوبها. حتى في الوقت الذي كان فيه عهد الملكة إليزابيث يمثل إلى حد كبير بداية حقبة ما بعد الاستعمار، فإن الأهوال التي ألحقتها سلسلة أجدادها الطويلة بأجيال عديدة من الشعوب في جميع أنحاء العالم لا تزال مصدر الألم». لحسن الحظ، كان المؤرخ (والبريطاني  المعتز ببلده) أندرو روبرتس* موجودا لتصحيح ما يقال. على الرغم من مقاطعات فيلشي الساخطة المتكررة، سأل روبرتس ببرود: «إذا كنا قد تسببنا في الكثير من الألم للشعوب عبر التاريخ، فلماذا اختارت كل دولة من دول الكومنولث الأمير تشارلز- وأغلبها كانت ضمن الإمبراطورية سابقاً؟».
أما بالنسبة للرق، فقد أشار روبرتس إلى أن المملكة المتحدة ألغته قبل الولايات المتحدة بأكثر من 30 عامًا. وتساءل، هل سيجعل ذلك من جو بايدن رمزًا للعبودية أيضًا؟


عندما بدأ روبرتس رده، بدا أن فيلشي ازداد غضبًا، وقال له: «أندرو هذا ليس عرضًا دعائيًا.. وأندرو، أريدك أن تتوقف! أريدك أن تتوقف للحظة. هل أنت حقا معارض لأهوال الاستعمار؟».


فأجاب روبرتس: «إنني أعترض على ملاحظاتك حول العبودية، والتي ألغيناها قبلك بـ32 عامًا. لم يكن علينا قتل 600 ألف شخص في حرب أهلية بسبب ذلك».


على ما يبدو، مثلما يحرق البريطانيون تمثال جاي فوكس كل عام، يضطر بعض الأميركيين إلى حرق العاهل البريطاني من حين لآخر. من كان يعلم، منذ أن كانت إليزابيث على العرش لعقود من الزمن، أن الأميركيين كانوا، طوال ذلك الوقت، يكتمون سيلًا من الكراهية التي ستنفجر إلى العلن في سيل من الاتهامات بينما لم تدفن السيدة العجوز بعد؟ أخيرًا وجدوا بلدًا ونظامًا سياسيًا شريرًا لدرجة أنه كان أسوأ من نظامهم. لقد وجدوا ما يمكن أن يمطروه بانتقاداتهم بغزارة. ففاشية البريطانيين، مثل النازية في أوكرانيا، ستعمل على تبرير الهجوم. فقط إذا منحتهم الوقت، قد يضطرون إلى غزو كينت.


لقد اتضح أن هؤلاء الليبراليين الأميركيين الفقراء، بتاريخهم الوحشي وحاضرهم البربري، والمحتقر من قبل العالم الذي يسيطرون عليه، يحتاجون حقًا إلى أن نكون أشرس منهم. تكمن بعض الأشياء في أعماق نفسية الأمة، يحتاج الأمر إلى الموت والعجز الدستوري عن الإمساك بلسان المرء قبل أن يتمكن الألم النفسي من التعبير عن نفسه.

حس دعابة


لكن الملكة تسكن أيضًا الأحلام السعيدة التي راودت الأميركيين، وفقًا لمايكل ليفنسون في صحيفة «نيويورك تايمز». يتقرب أحد تفسيرات هذا الأمر من التحليل النفسي. يستشهد ليفنسون بأريان تشيرنوك، أستاذة التاريخ في جامعة بوسطن وهي باحثة في تاريخ بريطانيا الحديثة، والتي تتبعت هذا الانبهار الأميركي إلى بدايات الدولة عندما ميز بعض المؤسسين بين شكاواهم من البرلمان البريطاني والملك جورج الثالث، الذي اعتبروه شخصية محبة للخير.


«هناك أيضًا عنصر من الشغف هنا.. يرتبط بتاريخ الملك سواء كأب أو أم للأمة. في مرحلة ما، كان الأميركيون جزءًا من تلك العائلة، وعلى الرغم من أننا قطعنا تلك الرابطة السياسية، أعتقد أن العلاقة العاطفية لا تزال قائمة (نيويورك تايمز، 14 سبتمبر/ أيلول 2022).
فالعلاقات العاطفية، خاصة عندما تتمدد من الناحية الزمنية والجغرافية، تتداخل بطريقة ما.


في هذه الأثناء في بريطانيا، إلى جانب عبارات الرثاء، كانت في الغالب قصة مألوفة أن ترى أكواما من باقات الزهور الملفوفة بالبلاستيك، والتي نفدت من بائعي الزهور في وندسور. كانت هناك أيضًا لعبة الدب بادينغتون، لدرجة أن السلطات طلبت من الناس الكف عن إحضارها. وبالطبع شطائر مربى البرتقال. تحدث فرانك كوتريل بويس، الرجل الذي كتب مشهد تناول الملكة للشاي مع الدب بادينغتون، عن ذلك باعتباره حلمًا جماعيًا للأمة، وهو محق إلى حد ما: «لم أتناول الشاي معها بهذا الشكل، لكنني نسيت كم مرة قابلت الملكة في أحلامي». وأضاف كوتريل بويس أن المشهد مع بادينغتون كان «حفل وداع»، امرأة تلوح وداعًا لأحفاد أحفادها، في حين أن الدب هو «شخص تم إجلاؤه، لاجئًا، سجينًا لمرة واحدة، يعبر إلى حد كبير عن كل فئة مذكورة في إنجيل متى 25».


قد يكون من الأفضل أيضًا أن نُذَكِّر أنفسنا بالسياق، فقط لوضع الأمور في نصابها: في هذا الإصحاح بالذات، يشرح يسوع كيف يتم فرز الماعز من الخراف وفقًا لكيفية تعاملهم مع الدببة البيروفية. مع استثناء محتمل لتمائم الفوج، فإن الحفرة النارية هي المكان الذي تتجه إليه الماعز. لكن هذا عصر مستنير. حتى الفاتيكان توقف عن العزف على أوتار العذاب الأبدي. وكانت الملكة مؤمنة، لكنها لم تكن من نوع الذي  يعظ بالكبريت والنار.
يقول المؤرخ وكاتب السيرة الملكية روبرت لاسي: «كانت تتمتع بقدر عال من حس الدعابة الساخرة، وقد كان هذا جزءًا مهمًا جدًا في هويتها. أود أن أقول إن روح الدعابة لديها وإيمانها الديني كانا عنصرين من العناصر الشخصية التي أبقتها على المسار الصحيح».

يجب أن تتمتع بروح الدعابة

حس الدعابة هذا هو أحد جوانب شخصيتها التي برزت بوضوح خلال الأيام القليلة الماضية. لم يكن واضحًا قط للجمهور مثل حس دعابة دوق إدنبرة، الذي غالبًا ما كانت سخريته واضحة. ويقال إن الخطأ السياسي كان مقصودًا لزوجته، وهي نكتة مشتركة كانت بمثابة صمام أمان في الارتباطات العامة. وفي مفارقة، ساعد الأمر في الحفاظ على ما وصفته تينا براون: «وجه البوكر الدائم الذي تظهر به»، والذي استخدمته «كأداة استراتيجية ودستورية». ولكنها استطاعت أيضًا أن تظهر روح الدعابة الخاصة بها، وأحيانًا لنزع فتيل موقف صعب.
في أثناء إلقاء خطاب بعد أن واجهها متظاهرون مناهضون للملكية ورشقوها بالبيض في زيارة لنيوزيلندا في عام 1986، قالت: «أنا شخصياً أفضل بيض نيوزيلندا على الإفطار». بطريقة مماثلة، في عام 2007، عندما قال الرئيس جورج دبليو بوش إن الملكة ساعدت في الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية للولايات المتحدة في عام 1776- كان يقصد أن يقول عام 1976- بدأت حديثها بابتسامة وقالت: أتساءل عما إذا كان ينبغي أن أبدأ حديثي بالقول: عندما كنت هنا عام 1776.. وقوبل هذا بهدير من الضحك.


لكن ربما جاءت القصة الأكثر ملاءمة لعصرنا من ديفيد بلانكيت، وزير الداخلية السابق، وهو كفيف ولديه كلب يرشده. في عام 2003، كان رد فعل كلبه دفاعيًا تجاه بوتين، حيث نبح في اللحظة التي شاهد فيها الرئيس الروسي: «لقد اعتذرت للملكة التي من الواضح أن لديها ضيوفا. لا أعتقد أنني قصدت شيئاً عندما قلت: آسف لجلالتك على نباح الكلب. قالت: «الكلاب لديها حدس مثير للاهتمام، أليس كذلك؟».
أصبحت تيريزا ماي، التي نسيناها منذ فترة، ممثلة كوميدية على أعلى مستوى تحت تأثير الملكة. لقد روت ذات مرة في مجلس العموم عن حلم زوجها بأنه كان في سيارة تقودها الملكة، وزوجته تجلس في المقعد الأمامي، حتى أدرك أن ذلك يحدث بالفعل. هذا دليلا على كيف أن الملكة تسكن عالم الأحلام البريطاني.

الملكة تفاجئ لاعبات الهوكي الأستراليات أثناء التقاط صورة


كتبت مؤخرًا عن النعي الذي احتفظ به المحررون في الخزائن. بالنسبة للأشخاص الذين طُلب منهم كتابة هذه النعي، من الضروري التحدث بصيغة الماضي عن أولئك الذين لم يموتوا بعد. كانت هذه مهمة ثبت أنها مستحيلة بالنسبة لبوريس جونسون، الذي أخبر مجلس العموم أنه «اختنق» عندما طلب منه الأمر واضطر إلى التخلي عن مقابلة ما.


من الواضح أنه طوال سنوات عمله كصحافي، فشل جونسون في تنحية مشاعره لهذه المهمة، ولكن بصراحة، أي شخص يستطيع تنفيذ ذلك كان سيحرم نفسه من التعامل المنصف مع الموضوع. فالشخص الذي يفتقر إلى الشعور لا يمكن أن يقترب من وصف ما كانت تعنيه. لذلك، من الصعب تصديق أن أي شخص كان قادرًا على إعداد نعي، حتى على مستوى ذهني، وتقديمه جاهزًا للمناسبة باستخدام الفعل الماضي. وكما يقول لاروشفوكولد؛ لا يمكن النظر إلى الشمس أو الموت بعين ثابتة. ولكن في حالتها، كان الأمر أشبه بمحاولة النظر إلى كليهما في وقت واحد.
إنها مناسبة كنا جميعًا نخافها. كل من لم يشارك هذا الرهبة كان يجهل ما سيخسره العالم. قال رئيس أساقفة كانتربري إنها لا تخشى الموت. إذا كان هذا صحيحًا، فهذا يجعلها واحدة من القلائل الذين لم يخشوا هذا اليوم، والوحيدة، في هذه الحالة، الجاهلة جدًا.

عندما رأتها الأمة، أثناء الوباء، جالسة وحيدة في مقعد مرتدية الملابس السوداء، بدون رفيقها، كنا نشهد كل عظمة جيلها المقطرة في شخصية واحدة.
 كان حزنًا عميقًا لا يعبر عنه البكاء. لا يمكن لأحد أن يتحمل مثل هذا الحزن وحده. كم أحببناها كثيرًا حينها، برغبة من التوق اليائس للجلوس بجانبها. بدلاً من ذلك، كانت المقاعد المظلمة الصلبة فارغة على كلا الجانبين. كان هناك شيء شخصي بقسوة، ولكنه أساسي أيضًا، بشأن وحدتها.. لا أحد في أي مكان آخر.


في أي وقت، نحتل مكاننا بمفردنا، حتى نستسلم لذلك. كانت هناك حالات كثيرة من تلك الوحدة أثناء عمليات الإغلاق، عندما لا يمكن للأقارب أن يكونوا بجانب أسرة الموت. كان شكلها الهزيل، المعزول على هذا المقعد، بعيدًا عن متناول الراحة التي طالما حاولت أن تمنحها. لقد كان بعيد المنال بطرق من المستحيل تخيلها.


سنة كاملة. وحيدة تماما. ومع ذلك، تمكنت من تجسيد شيء يتجاوز نفسها، بالطريقة التي تم تجهيز الملوك بها فقط.
بصرف النظر عن الأحلام المتكررة، كانت تجربتي الخاصة معها محدودة. عندما كنت في كوينز كوليدج، على سبيل المثال، كانت هناك شائعة بأنها ستأتي للزيارة، لكنها لم تسفر عن شيء. على ما أذكر، جاء ابنها إدوارد بدلاً منها، ورأيته في الفناء في سانت كاترين. يمكنك أن تقول إنه كان ملكيًا، حيث سار ويداه ملتصقتان خلف ظهره.


كان أحد الحراس في كوينز رجلاً عسكريًا سابقًا. كان هذا هو الحال في كثير من الأحيان مع حراس البوابات. اشتهر بوطنيته وقضى ذلك اليوم بأكمله في حالة تأهب في حالة ظهور جلالة الملكة. في تصرفات صبيانية محضة، تسللنا خلفه بالقرب من البوابة الرئيسية وصرخنا: «الملكة!».. في كل مرة فعلنا ذلك، كان الحارس الوطني يقف منتبهاً، وهو يلقي التحية للفراغ أمام البوابة.

الملكة في حداد

بعد بضع سنوات، رأيت الملكة عن قرب، من على بعد بضع ياردات، عندما كنت أعمل حارساً- حسنًا، كان «حارس المطبخ» هو الاسم الوظيفي الكامل- في يورك. كانت تمشي عبر العشب في ضوء الشمس الساطع، تحيي سلسلة طويلة من المهنئين المتحمسين، لكن شجاعتي خذلتني وتراجعت. وبالتالي، لم أتمكن مطلقًا من مصافحتها. وبعد سنوات، اقتربت أكثر عندما كنت متجهًا نحو محطة حافلات فيكتوريا وتوقفت عند تقاطع مع طريق قصر باكنغهام. مرة أخرى، صادف أن كان يومًا مشمسًا، وكنت أغني أغنية بول مكارتني القصيرة المبهجة عنها، تلك الأغنية في نهاية شارع آبي والتي تقول:
صاحبة الجلالة فتاة لطيفة للغاية، لكن ليس لديها الكثير لتقوله
صاحبة الجلالة هي فتاة لطيفة للغاية، لكنها تتغير من يوم لآخر
أريد أن أخبرها أنني أحبها كثيرًا، لكن يجب أن يمتلئ بطني بالنبيذ
صاحبة الجلالة فتاة لطيفة جدا،
يومًا ما سأجعلها ملكي، أوه نعم،
يومًا ما سأجعلها ملكي

التغييرات من يوم لآخر؟ من الواضح أن السير بول فشل في الحصول على المذكرة من لاركن. على أي حال، في تلك اللحظة بالذات، بينما كنت أقف على الرصيف أغني لنفسي، مرت سيارتها ببطء على مرمى بصري. يمكنك معرفة أن السيارة لها من درعها الأسود اللامع والعلم الصغير المبهج الذي يرفرف على غطاء المحرك، وهو نسخة مصغرة من العلم الملكي:

لست متأكدًا منذ متى «أحببتها كثيرًا» لكنني كنت خائفًا جدًا من إخبارها. لا أتذكر اليوم الأول الذي وقعت فيه في الحب. وقد شهدنا صعودًا وهبوطًا على مر السنين. حضرت مرة اجتماعًا جمهورياً في حانة بلومزبري. على ما أذكر، كان هناك أقل من عشرة منا. لذا، نعم، لقد كنت اتنقل بشكل غير متسق بين حالتين مزاجيتين لفترة من الوقت. إنها سمة بريطانية للغاية.


بينما أكتب هذه السطور، فإن تغطية فعاليات الحداد كاملة ومرهقة على مدار الساعة. لقد ذرفت الكثير من الدموع، لكن نقطة التشبع (وليس فقط لمنديلي) قد ولت منذ فترة طويلة. يواصل أحد الأصدقاء إرسال رسائل نصية لطيفة حول «الملك تشاك» وصعوبة تعامله مع الأقلام، وقد ساعد ذلك في تخفيف ثقل أفكاري عن صاحبة الجلالة. ربما تؤثر في مشاعري الجنازة الفعلية في غضون أيام قليلة كما حدث عند وفاتها (وفي الواقع تأثرت كثيرا بالصور الأخيرة).

البوابة الرئيسية لكلية كوينز، كمبريدج


وبالتأكيد هناك من هم على عكسي، بعض الناس لم يحبوها قط. أستطيع أن أفهم ذلك نوعًا ما، بقدر ما يستطيع أي عابد. لقد كانوا محصنين تمامًا من سحر الحبق. هذا يذكرني بموقف عندما سئل توني كيرتس كيف كان شعور تقبيل مارلين مونرو؛ كان رده: «مثل تقبيل هتلر!». ومع ذلك، في رأي مليون مصفف شعر في جميع أنحاء العالم، ولا يمكن أن يكونوا جميعًا مخطئين: كانت مارلين مذهلة بشكل لا يعقل.
كان الأمر نفسه مع الملكة الراحلة. على مستوى التفاني البسيط، أعترف أن جزءًا مني هو حارس الكلية، الذي ما زال يسكن أرض الخيال التي وصفتها نسرين مالك:
«أصبحت الملكة ملاذا. مثالا للوقت الخيالي عندما كانت الأمور أبسط: في عصر شكسبير؛ إنيد بليتون؛ وروح غارة البليتز؛ والوقوف بمفردها ضد الفاشية؛ الطبقة العليا الخيرة؛ طبقة عاملة صفيقة؛ ودولة الرفاه؛ والستينات المتأرجحة؛ ووجوه ودودة سمراء وبنية اللون تنظف الأرضيات وتعمل في عنابر المصانع. طالما كانت الملكة موجودة، كذلك كان ذلك البلد».  (الغارديان، 11 سبتمبر 2022).
وهكذا، بروح تلك الطبقات العاملة «الوقحة»، أقول: «ليبارك الرب الملكة!».
من وجهة نظري، كان من الأفضل للشاعر الحائز على الجائزة التمسك بمحاولته الأولى، تلك التي انتهى بها الأمر في سلة القمامة، أو هكذا أظن. ربما كان هذا أفضل في لهجة هيدرسفيلد الواقعية وكان أكثر ملاءمة أن يقول:
أليس فظيعًا
أن تموت الملكة
كان البعض لطفاء؛
وآخرون حقراء

* ملحوظة عن أندرو روبرتس: جدير بالذكر أنه في «تاريخ الشعوب الناطقة بالإنجليزية منذ عام 1900»، ادعى روبرتس أن مؤرخة جامعة هارفارد (نعم، هارفارد مرة أخرى) كارولين إلكينز وجهت «اتهام الدم» في كتابها الحائز على جائزة بوليتزر «الحساب الإمبراطوري» فيما يتعلق بكينيا. وتمت تبرئة إلكينز في وقت لاحق عندما أظهرت الملفات التي نشرها الأرشيف الوطني أن الانتهاكات وصفت بأنها «تذكرنا بشكل مؤلم بالأوضاع في ألمانيا النازية أو روسيا الشيوعية» من قبل المدعي العام في ذلك الوقت. أعلن وزير الخارجية ويليام هيغ لاحقًا عن تعويض الجولة الأولى من الضحايا في تصريحات مفادها أن الحكومة البريطانية «تعترف بتعرض الكينيين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة».. و«تأسف بصدق لوقوع هذه الانتهاكات» أثناء حالة الطوارئ في كينيا.