واشنطن لبكين: لكم «عصا الحرب»... أو «جزرة الاقتصاد»

أولويات أميركا الدفاعية: الصين.. ثم الصين.. ثم الصين
بايدن قال إن الولايات المتحدة ملتزمة بذلك عندما سئل عما إذا كانت أميركا ستدافع عن تايوان (غيتي)

القاهرة: قبل عامين تقريبًا (8 أغسطس/ آب 2020)، فوجئ العالم- في قلب عاصفة جائحة كورونا- بتصريح استخدم الإعلام في نقله مفردات الاستغراب والدهشة عن حرب عالمية محتملة (فتيل حرب عالمية ثالثة يلوح.. تحذير غريب من قائد بريطاني، موقع العربية الإخباري)، ففي رده على سؤال عما إذا كان هناك تهديد حقيقي بنشوب حرب عالمية قال نيك كارتر رئيس أركان الدفاع البريطاني أن أي تصاعد للتوترات الإقليمية أو أخطاء في تقدير الأمور قد تؤدي في نهاية المطاف إلى صراع واسع النطاق، مؤكدًا أن هذا «من المخاطر وعلينا أن نكون واعين لهذه المخاطر... والخطر الحقيقي الذي نواجهه هو أن نشهد تصعيدًا يؤدي إلى سوء تقدير». وأضاف: «إذا نسيتم أهوال الحروب فإن الخطر الكبير من وجهة نظري هو أن البعض قد يعتقد أن الذهاب للحرب قرار عقلاني».


ما كان قبل عامين كلامًا يبعث على الدهشة والاستغراب أصبح اليوم «متوالية» تصعيد تمتد من واشنطن إلى بكين مستعيدة ذكريات مواجهات الحرب الباردة وتدافعات سياسة «الاحتواء». وبعد غزو أوكرانيا قال أحدهم في ملتقى دولي: «الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل.. وتتخذ أشكالًا هجينة.. ونحن بالفعل في هذه الحرب العالمية بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية»!

استعادة إرث كينان وبول براكين
الخطر هذه المرة يأخذ شكل تأثير متبادل بين أوانٍ مستطرقة ومصادر توتر يغذي بعضها بعضًا. وبعد أن نجحت أميركا- حتى الآن- في تحاشي مواجهة عسكرية واسعة النطاق (ثنائية أو أطلسية) مع موسكو، فاجأ الرئيس الأميركي جو بايدن العالم بتصريح غير مسبوق في وضوحه يؤكد التزام أميركا بالدفاع عن تايوان في حال تعرضت لهجوم عسكري صيني، في تلويح لا شبهة فيه بـ«عصا الحرب»، والتحذير، جاء تلويح آخر للصين بـ«جزرة الاقتصاد»، فقد كشف الرئيس الأميركي جو بايدن (موقع «سويس إنفو» 18 سبتمبر/ أيلول 2022) عن أنه في اتصال هاتفي حذر نظيره الصيني شي جينبينغ من الضرر الذي قد يلحق بمناخ الاستثمار إذا انتهكت بكين العقوبات التي فرضها عدد من الدول ضد روسيا بسبب غزوها أوكرانيا، وقال بايدن: «قلت له فقط... إنه إذا كنت تعتقد أن الأميركيين وسواهم سيواصلون الاستثمار في الصين مع انتهاكِكَ للعقوبات المفروضة على روسيا، فأعتقد أنك ترتكب خطأ فادحًا»، وتاليًا، حذّر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي من مغبة إقدام الصين على الاستيلاء على تايوان بالقوة، قائلًا إن ذلك من شأنه أن «يمثّل واحدة من أسوأ السوابق أثرًا على قطاع الأعمال التجارية التي قد يشهدها العالم على الإطلاق».


وهكذا فإن الصين تجد نفسها اليوم أمام سياسة أميركية تسعى إلى وضع قيود على قرار الصين فيما يتصل بالعلاقة مع روسيا وفيما يتصل بالموقف من تايوان!.


وبعد أن عاش العالم حالة استرخاء نسبي في العلاقات الغربية- الغربية والعلاقات الغربية- الصينية تدفقت خلالها استثمارات مهولة من الغرب إلى بكين، وتشعبت، انطلاقًا من موسكو، خطوط نقل الطاقة إلى أوروبا، عادت خطوط التماس لتصبح خطوط مواجهة.

ساءت العلاقات مجدداً بين الصين وتايوان بعد تولي تساي إنغ ون سدة الرئاسة في تايوان (رويترز)


وقد تصور كثيرون أن تاريخ الصراع الذي بدأ عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة قد كتب انهيار الاتحاد السوفياتي نهايته. وقد حملت أولى مراحل الصراع اسم «سياسة الاحتواء» واقترحها رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية جورج كينان في مقالة كتبها في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية (يوليو/ تموز 1947)، ترتكز على ضرب حصار طويل الأمد وسياسة حازمة لترويض الاتحاد السوفياتي واحتواء سياسته التوسعية انطلاقًا من قناعة بديمومة عداء القيادة السوفياتية نحو الغرب. وصل جورج كينان إلى الفكرة عبر استكشاف أهداف القوة في السياسة الخارجية السوفياتية، «المستوحاة من النظرية الثورية كما من التقاليد القيصرية»، وها هو فلاديمير بوتين يعود- منذ احتلال شبه جزيرة القرم عام 2014- إلى الـمُركَّب نفسه الذي أطلق شرارة الصراع: تقاليد سوفياتية وأحلام قيصرية.


وقد اعتبر كينان أن فكرة العداء للغرب موجودة في الآيديولوجيا السوفياتية، وأخطر ما فيها الإيمان بحتمية انهيار المجتمع الرأسمالي في النهاية. وقد كتب كينان تصوره قبل قليل من انتصار الشيوعية في الصين، وتولَّى هنري كيسنجر استكمال ما بدأه كينان لكن عبر بناء علاقات أميركية صينية تضمن إبعاد بكين عن موسكو، وفي 21 فبراير (شباط) 1972، جاءت زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون كأول رئيس أميركي إلى الصين لتحقق الهدف بنجاح كبير، وكان من أهم ثمرات القمة الأميركية الصينية أن انتزع الأميركيون تعهدًا من الزعيم ماو تسي تونغ بالتخلي عن القناعة بحتمية القضاء على الرأسمالية، وتدشين مرحلة «إمكان» التعايش بين الآيديولوجيتين المتناقضتين.


وفي محطة تالية، لعب الـمُنظِّر الأميركي المرموق بول براكين- مُبكرًا- دورًا رئيسيا في صياغة الاستراتيجية الأميركية تجاه الصين، في كتاب أصدره عام 1999، هو: «نار في الشرق: صعود نجم القوة العسكرية الآسيوية والعصر النووي الثاني». وبول براكين، عمل مستشارًا لمعظم عمليات إعادة التقويم التي أجرتها الحكومة الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وضمن ذلك تلك التي أجرتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA). وقد لفت النظر إلى أن الخريطة السياسية والعسكرية لآسيا التي تشكل ثلث مساحة العالم تخضع لإعادة تشكيل، وأوروبا التي كانت تسمى: «غرفة قيادة العالم» تتمتع الآن بدرجة من الأمن غير مسبوقة منذ قرون، ولذا فإنها لم تعد قوة عسكرية مؤثرة، فالبحرية البريطانية التي كانت ذات أمجاد- على سبيل المثال- لم تعد أقوى من البحرية الهندية. وفي هذا اليابس الشاسع توازن رعب يمتد على شكل قوس يمتد لمسافة 6 آلاف ميل، ويضم بعض أكثر دول العالم افتقارًا للاستقرار، دون وجود حلف غربي بالمعنى الصحيح للكلمة، بينما تتصارع عدة دول على النفوذ أخطرها: الصين وإيران. وبعد أن طوى العالم صفحة ارتباط السيادة على العالم بالسيادة على البحار ترسخت بأن من يسيطر على قلب آسيا يسيطر على العالم. والصواريخ الآسيوية يمكنها أن تصيب النقاط الضعيفة جغرافيا وسياسيًا في الغرب ويمكنها تدمير قواعد الغرب في آسيا، وهو أحد مظاهر تغير كبير في نظام الأمن الدولي.

حرب أوكرانيا حافز أم كابح؟
مع حرب أوكرانيا كان هناك سيل من التوقعات المتضاربة التي تربط بين أوكرانيا وتايوان، وبعض التوقعات اعتبرتها «حافزًا» للصين، وتوقعات أخرى اعتبرتها «كابحًا» لأسباب في مقدمتها عاصفة العقوبات الغربية العاتية التي فرضت على روسيا. الكاتب الأميركي جوش روجين، على سبيل المثال، توقع أن يكون غزو أوكرانيا محفزا لغزو تايوان («واشنطن بوست»، 14  سبتمبر/ أيلول 2022)، وكان الوجه الآخر للتقاطع بين القضيتين دعوة مشرع أوكراني إلى أن تعترف أوكرانيا بتايوان لأنه «في مصلحة كلتا الديمقراطيتين»، وليس بإمكان أوكرانيا أن تدعي أنها تقاتل من أجل الدفاع عن الديمقراطية العالمية ثم تتخلى بعد ذلك عن تايوان لتكون فريسة للصين. و«إذا لم تدافع عن الديمقراطية عندما تكون مهددة في بلدان أخرى، فستخسر جميع الديمقراطيات في نهاية المطاف». في المقابل، لا تزال الصين أكبر شريك تجاري لأوكرانيا، ومن يدعمون تعاونًا بين كييف وتايبيه يعتبرون المنافع السياسية للاعتراف بتايوان يفوق الكلفة الاقتصادية بسبب «حاجة أوكرانيا وتايوان للعمل معًا»، وتايبيه فرضت عقوبات على روسيا ودعمت أوكرانيا بالمال والغذاء والإمدادات الطبية. ويخشى قادة أوكرانيون من أن تبدأ الصين في تسليح روسيا إذا تقاربت كييف مع تايوان، لكن بعضهم اعتبر أن هذا خوف في غير محله، حيث بكين مقيدة بالتهديد بفرض عقوبات أميركية!!

على مدى عقود، كان على رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين أن يتعاملوا مع أمر شديد الحساسية يعرف بـ«سياسة الصين الواحدة» (غيتي)


وهكذا تشابكت الخيوط!
وزير القوات الجوية الأميركية فرانك كيندال قال في مؤتمر قبل أيام (19  سبتمبر 2022)، إن على الزعماء الصينيين أن يدركوا- بناءً على تجربة روسيا في أوكرانيا- لماذا لن يكون غزو تايوان سهلاً وسيكون ذا عواقب وخيمة. وقد أشار كيندال إلى 3 حسابات خاطئة ارتكبتها روسيا:
العواقب الاقتصادية لعمل عدواني كهذا يمكن أن تكون كبيرة للغاية، وما يخبرك به جيشك عن مدى كفاءته قد لا يكون صحيحًا، والحرب القصيرة التي تتخيلها قد لا تكون هي الحرب التي تحصل عليها. ومنذ أن أصبح كيندال وزيرًا للقوات الجوية (يوليو/ تموز 2021) عمل على إعطاء الأولوية لبرامج الأسلحة التي تتصدى لتحديثات الصين العسكرية، وهو يردد كثيرًا: «أولوياتي هي: الصين، ثم الصين، ثم الصين».
على الجانب الآخر نشرت مصادر أميركية عدة معلومات وسيناريوهات محددة بشأن قرار «محتمل» باجتياح تايوان عسكريًا، وحسب آخر المعطيات تطور الصين قدرتها لتتمكن من الاستيلاء على تايوان بحلول عام 2027. ووفقًا لمسؤول بالاستخبارات الأميركية (ديفيد كوهين)، فإن الرئيس الصيني «لم يتخذ قرارًا بفعل ذلك، لكنه طلب من جيشه أن يجعله في وضع يستطيع فيه إذا كان هذا ما يريد فعله، أن يكون قادرًا على ذلك». وتتطابق تصريحات كوهين مع تصريحات سابقة تتوقع «حدثًا» خلال 6 سنوات ومع توقع رئيس الأركان المشتركة مارك ميلي العام الماضي بأن الصين قد تخطط للخطوة بين 2027 و2035. والمخابرات الأميركية تولي اهتمامًا شديدًا للكيفية التي «يفهم بها الصينيون الوضع في أوكرانيا... والآثار المترتبة على ذلك بالنسبة لخططهم المحتملة بشأن تايوان».


في المقابل فإن اعتراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القمة التي عقدت مؤخرًا في أوزبكستان بأن الصين لديها «أسئلة ومخاوف» بشأن ما يحدث في أوكرانيا كان أول دليل على أن بكين تشعر بقلق متزايد بشأن الحرب. وأحد أهم أسباب القلق الصيني استثمارات صينية ضخمة ومشاريع لبناء السفن ومصانع وعقود لبناء طرق ومشاريع بنية تحتية أخرى. وما ظنت الصين أنه سيكون تدريبًا عسكريًا سريعًا تحول إلى حرب مدمرة، وهي حرب رفعت أسعار الطاقة والغذاء العالمية، وهذا بدوره يضر بالاقتصاد الصيني، فضلًا عن رغبة الصين- حتى الآن- في الحفاظ على توازن شديد الحساسية عبر تقديم بعض الدعم لروسيا مع تجنب استعداء الغرب. وبحسب كريستوفر راي مدير الاستخبارات البريطانية، تستخلص الصين كل أنواع الدروس من الصراع المحتدم في أوكرانيا، ويشمل ذلك محاولة تحصين أنفسهم ضد أي عقوبات مستقبلية على شاكلة ما تخضع له روسيا. والخسائرالاقتصادية التي يمكن أن تترتب على اجتياح عسكري صيني لتايوان يشمل أطرافًا أخرى في مقدمتها اليابان، ووفقًا لأحدث دراسة استقصائية أجرتها وزارة التجارة اليابانية (2022) لدى 7486 شركة يابانية شركات فرعية محلية في الصين، ما يمثل أقل قليلاً من ثلث جميع الشركات الأجنبية التابعة للشركات اليابانية.


وفي ظهور مشترك غير مسبوق لكليهما (لندن- 6 يوليو/ تموز 2022) حذّر مديرا المخابرات الأميركية والبريطانية، من تهديد صيني كبير. وقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) كريستوفر راي إن الصين تشكّل «أكبر تهديد طويل المدى لاقتصادنا ولأمننا القومي»، وقال مدير عام جهاز الاستخبارات البريطاني (MI5) كين ماكالوم أن الجهاز ضاعف عمله ضد النشاط الصيني خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وتباشر الاستخبارات البريطانية الآن تحقيقات تتعلق بأنشطة الحزب الشيوعي الصيني تعادل 7 أمثال التحقيقات التي أجراها في الشأن نفسه عام 2018.

ما الذي استنفرته الحرب؟
واحدة من زوايا النظر المهمة للتحولات التي تشهدها العلاقة المعقدة الرباعية: أميركا وأوروبا والصين وروسيا، ما يمكن أن يعتبر قصورًا في قدرة روسيا والصين على فهم تغيرات طرأت على أوروبا في نظرتها للذات والعالم والحلفاء والخصوم. ويمثل التحليل المشترك الذي نشره كريس باكلي وكيث برادشير («نيويورك تايمز»، 15 أبريل/ نيسان 2022) نموذجًا يمثل هذه القراءة المهمة. وقد كتبا تحت عنوان: «في مواجهة أوروبا المتغيرة، تتمسك الصين بالنص القديم». وبحسب تحليلهما، ليست المشكلة- كما يصر الصينيون والروس- في هيمنة أميركية على أوروبا بل في نظرة عتيقة تمنع موسكو وبكين من إدراك ما تغير، حيث كان يُنظر إلى أوروبا على أنها تفتقر إلى القوة والإرادة لمواجهة خصومها، ومع حرب أوكرانيا حدث استنفار أوروبي سوف تشمل آثاره العلاقات الصينية الأوروبية.

رئيسة تايوان تساي إنغ ون ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي خلال زيارة الأخيرة إلى تايوان أغسطس الماضي


ويستشهد الكاتبان بضغوط مارسها الزعماء الأوروبيون على الزعيم الصيني شي جين بينغ، لإبعاد نفسه عن روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا، وتمسكه بإصرار على رفض ذلك. ولخص المحادثات المحرجة كيف تكافح الصين للتغلب على «الصدمة الجيوسياسية» الناجمة عن الحرب وأكبر تأثيراتها هي على علاقاتها مع أوروبا. وبالنسبة للقادة الصينيين، كان المتوقع أن تكون أوروبا الجناح الأكثر مرونة في العالم الغربي، حيث «لا تمتلك القوة العسكرية ولا الإرادة لمواجهة صعود الصين»، لكن ما حدث أن أوروبا تعيد تقييم احتياجاتها الأمنية وتعيد تقييم «نوايا بكين»!!


وينقل الكاتبان عن إيفانا كاراسكوفا باحثة السياسة الخارجية الصينية في جامعة تشارلز في براغ، قولها إن «الخطاب يتحول في أوروبا إلى: هذا ما تحصل عليه إذا تعاملت بشكل إيجابي مع الأنظمة الاستبدادية»، ولا يتعلق الأمر بروسيا فقط؛ بل بالصين أيضًا. وعلى المدى الطويل، قد يتطور تركيز أوروبا الجديد على المخاطر الجيوسياسية وعلاقاتها الوثيقة بأميركا إلى موقف أكثر عدائية تجاه الصين. و«يناقش السياسيون في برلين وباريس وعواصم أخرى بالفعل إلى أي مدى قد يستمر استنفارهم الجديد». وقد تكون المفاجآة التي يكشف عنها الكاتبان أن الخط الأوروبي الجديد بشأن الصين يتشدد منذ 5 أو 6 سنوات، ما يعني أن حرب أوكرانيا كشفت التغيرات وجعلتها أكثر وضوحًا، لكن التحول سابق على وقوع الحرب بسنوات. فحتى «قبل الحرب، كانت خيبة الأمل الأوروبية من بكين تتزايد». والفجوة بين «حقيقة أوروبا» وبين «صورة أوروبا القديمة» تلخصها فرانشيسكا غيريتي، المحللة في العلاقات الأوروبية الصينية في معهد مركاتور للدراسات الصينية في برلين، بالقول إن الصين تتخيل ما لم يعد موجودًا.
ويبدو أن الصين غير قادرة على إدراك أن الموقف الأكثر حزمًا الذي يطوره الاتحاد الأوروبي ليس نتيجة ضغط أميركي. وقد شهد العام 2019 تصنيف الاتحاد الأوروبي للصين كـ«منافس منهجي» في مجال الأمن. منذ غزو أوكرانيا قال دبلوماسيون صينيون لنظرائهم الأوروبيين إن أوروبا تتصرف كدمية في يد إدارة بايدن بالاصطفاف بحزم ضد روسيا. وتصوير أوروبا كتابع سلبي لواشنطن هي استراتيجية للحزب الشيوعي الصيني.

وفي النهاية.

فإن القرار الذي اتخذه الرئيس الروسي بـ«التعبئة الجزئية» يشكل إنذارا حقيقيًا للصين، وهي تفكر في عمل عسكري لاجتياح تايوان، فالتبرير العلني للقرار هو أن روسيا في مواجهة مع قدرات حلف الناتو، وهو اعتراف بحجم القدرة العسكرية لهذا الحلف، وأميركا تنأى بالحلف حتى الآن عن أن يدخل طرفًا مباشرًا في الصراع، فماذا لو انزلقت بكين إلى مواجهة عسكرية مع أميركا (وبالتالي مع الناتو)، كما أن روسيا أقل ارتهانًا للاستثمارات الغربية من الصين، فماذا لو وجدت نفسها تحت طائلة عقوبات اقتصادية واسعة؟!
وهل تختار العصا أم الجزرة؟

باحثة في العلوم السياسية- مصر.