اليوم الوطني السعودي الـ92... أمة ناهضة وصعود لا ينقطع

تباشير نهضة الثالثة
اليوم الوطني السعودي

جدة: لا تكاد تمر ذكرى اليوم الوطني على السعوديين كل عام، إلا وهم يشعرون، قولاً وفعلاً، أنهم أفضل من العام الذي سبقه. فقيادة السعودية الجديدة، انطلقت في مشروعها النهضوي على المستويات الاقتصادية والعلمية والفكرية والرياضية، تمهيداً لمستقبل الدولة السعودية وشعبها بعد عشرات السنين من الآن. فالأمم التي تفكر فقط بيومها الحاضر، تفقد البوصلة تجاه المستقبل.


اعتاد السعوديون في عقود مضت على الريع، فقد كان عدد السكان أقل والمدن أصغر وتكاليف إدارة الدولة أدنى؛ حتى مجيء العهد الحالي، الذي أدرك أن هناك أسلوباً آخر ونهجاً أكثر فعالية لإدارة الشعب وتوزيع الثروة والتفاعل مع العالم الخارجي. فتحولت البلاد إلى التركيز على الاقتصاد غير النفطي وإدارة موارد النفط بكفاءة، وإدخال مفاهيم الإنتاجية والحريات الاجتماعية وزيادة الاعتماد على الذات في المجالات العسكرية والصناعية والزراعية والعلمية وغيرها من حيث تعزيز الإنتاجية وتحقيق الكفاية والتقليل التدريجي من التوجه إلى الخارج.
 
تسارع تحول الاقتصاد
إذا كانت المملكة شهدت طفرتين اقتصاديتين بين (1974-1985) و(2006-2014)، فإنها تشهد حالياً تباشير الطفرة الاقتصادية الثالثة، بنكهة مختلفة وسعي أكبر لاستدامة الموارد، وتوزيع الثروة بالعمل والجهد والابتكار، بعيداً عن المنح والهبات.


يشهد العام الجاري انتعاشاً اقتصادياً غير مسبوق، ونمواً مرتقباً للعام الجاري، يتجاوز 8 في المائة للمرة الأولى منذ عقود، وكذلك قدرة هائلة من القطاع الخاص على استيعاب العمالة الوطنية، حيث تراجعت نسبة البطالة إلى نحو 10 في المائة في الربع الأول من العام، وهو مستوى لم يسجل منذ نحو 15 عاماً، مع وجود مؤشرات على اقترابها بشكل متسارع من الحد، الذي تسعى إليه البرامج التنفيذية لرؤية المملكة 2030، عند حدود 7 في المائة بعد 8 أعوام، مما يعني أن الأمور على المسار الصحيح.


ووفقاً لبيانات الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، صعدت مؤشرات التجارة الخارجية إلى 352 مليار دولار، بنمو 55 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي عندما كانت عند حدود 228 مليار دولار، وذلك بدعم هائل من نمو الصادرات النفطية التي لامست نحو 200 مليار دولار.
كما واصل صندوق الاستثمارات العامة، الذراع الاستثمارية للحكومة السعودية، اقتناص الفرص محلياً وخليجيا وعربياً ودولياً. ويحظى حالياً بالمرتبة السادسة ضمن قائمة أكبر الصناديق الاستثمارية حول العالم بأصول تقدر قيمتها بنحو 620 مليار دولار. وأطلق الصندوق عدة مشاريع وشراكات استراتيجية منذ بداية العام الجاري وحتى الآن، تشمل شراء حصص في عملاق التقنية الأميركي، ألفابيت، وبنك جي بي مورغان، إلى جانب التواجد للمرة الأولى في السوق المصرية بشركة جديدة، تحت اسم «الشركة السعودية المصرية للاستثمار». واقتحم الصندوق رسمياً مجالات جديدة مثل الطيران مع إطلاق شركة «AviLease» لتأجير الطائرات وقرب إطلاق شركة الطيران العملاقة «ريا» باستثمارات تصل إلى 30 مليار دولار؛ لتكون المشغل الوطني الثاني للطيران في البلاد، حيث من المقرر أن تتخذ من الرياض مقراً لها.


 وإلى جانب الطيران، دخل الصندوق في مجال تمكين صناعة الأغذية والمشروبات عبر إنشاء الشركة السعودية للقهوة، وكذلك إبداء الاهتمام، مثلاً، بشراء حصة من امتياز سلسلة عملاق القهوة العالمي «ستاربكس».

«راية التوحيد»... إحدى المعالم الوطنية البارزة التي تُرفرف في سماء جدة (واس)


كما تواصل العمل في المشروع الطموح، نيوم، الواقع شمال غربي المملكة، مع إطلاق المزيد من الامتدادات للمشروع مثل وجهة السياحة الجبلية (تروجينا)، وشركة أخرى للحوسبة السحابية.
إن هذه الحيوية الاقتصادية السعودية وتكثيف العمل، داخليا وخارجياً، من أجل تمكين مولدات الثروة في البلاد؛ بما يرفع مستوى دخل الفرد وبناء فرص عمل مستدامة.
 
 
الحريات الاجتماعية والفكرية
تشهد السعودية حالياً ذروة جديدة في الحريات الاجتماعية مع التوسع الكبير لهامش تلك الحريات على مستوى الأفراد. وقد أعطى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، شرارة الانطلاق لتلك الحريات، عندما أعلن صراحة أنه سيدمر التطرف الديني تدميراً ضمن المؤتمر الصحافي لإطلاق مشروع نيوم عام 2016.


إن إعلان الحرب على التطرف والعنصرية والطائفية، يضمن لجميع أفراد المجتمع قدراً أكبر من تكافؤ الفرص وعدم التدخل في شؤون الملبس والمأكل والمشرب، إلى جانب ازدهار حريات النشر والفكر والتأليف والفن، والمساهمة السعودية في التنوير العربي بشكل عام. ومن الأدلة على ذلك أنه في عدة زيارات ولقاءات أخيرة مع المشتغلين في الفكر والكتابة والتأليف في دول عربية مؤخراً، ومنها سورية ولبنان والأردن ومصر وتونس والمغرب، كانت هناك لقاءات مع كتاب ومفكرين وأدباء، أشادوا بالنشاط المحموم لحركة النشر والتأليف في المملكة.


كما تحظى المرأة السعودية حالياً بعصرٍ ذهبي من حيث حصولها على فرص وظيفية أكبر وارتقائها في المناصب في القطاعات الحكومية والخاصة. لكن الأهم، أن المجتمع السعودي، تجاوز مناقشة مسائل قيادة المرأة للسيارة وحرية سفرها وسكنها ووظيفتها، وتفرغ لأمور التنمية والفكر وتطوير الذات.
كما زاد الاهتمام بصناعة الدراما والسينما واستضافة التظاهرات الفنية وتشجيع كتابة السيناريو والقصص والحوار، إلى جانب تحويل المملكة تدريجياً إلى وجهة لتصوير الأفلام والمسلسلات العالمية. وقد عملت وزارة الثقافة بشكل فعال على توفير التدريب المجاني والدعم المادي والمعنوي للمبدعين والفنانين.

تشكيلات العروض الجوية تزين سماء الرياض بمناسبة اليوم الوطني 92 (واس)


التقدم السياسي
اتخذت السياسة السعودية هذا العام خطوات جريئة في سبيل إعادة تهدئة المنطقة وتوجيهها نحو الاستقرار والتنمية وطي ملفات الخلاف، إلى جانب توسيع رقعة التحالفات والصداقات وتوثيق العلاقات. وكانت بصمات ولي العهد السعودي واضحة في نهج مسار مختلف فيما يتعلق بالعلاقات السعودية الخارجية، حيث إنه يفضل بناء علاقات شخصية مع زعماء العالم، إضافة إلى العلاقات الرسمية بين الأجهزة المختلفة.
لقد أضحت السياسة الخارجية السعودية، أكثر تأثيراً وقوة وانخراطاً في المشهد السياسي العالمي، فيما تتجه السعودية لتكون نواة كتلة وسيطة في العالم. لم تعد المملكة محسوبة على محور أو جناح؛ دون آخر، بل إنها وسعت هامش حركتها للحد الأقصى.


وشهد العام الجاري تحسين العلاقات مع تركيا، بزيارتين متبادلتين لولي العهد السعودي والرئيس التركي، إلى جانب تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع قبرص واليونان، مما يدل على الاستقلالية السياسية؛ بعدم الانحياز لطرف؛ دون آخر. وظهر الأمر ذاته، بعيد اندلاع الأزمة الروسية- الأوكرانية، حيث احتفظت المملكة بعلاقة دائمة مع جميع أطراف الأزمة. وبالفعل، أثمرت وساطة ولي العهد السعودي قبل أيام عن الإفراج عن سجناء يحتجزهما، كل من الروس والأوكرانيين. وللحقيقة، فإن الوساطة السعودية هي أول عمل دبلوماسي، يساهم في التخفيف من الاحتقان، في ظل الإصرار الغربي على عدم إصلاح ذات البين.


إن الصعود السياسي السعودي المتواصل على المسرح العالمي، أتى نتيجة تفكير استراتيجي وقراءة دقيقة للتحولات، التي يشهدها العالم، حيث تسعى الإدارة السعودية لتثبيت موقعها الجديد، مدفوعة باقتصاد متين وقيادة حازمة ودولة ذات أجهزة ومؤسسات أكثر حداثة وتنظيماً.
يدرك السعوديون في يومهم الوطني الثاني والتسعين كيف أن قيادتهم أوصلتهم إلى مرتبة متقدمة بين الأمم، وحمتهم من الزلازل السياسية والاقتصادية والمالية، التي تضرب العالم، وذلك بعدما وحدت بلادهم وشعبهم تحت اسم المملكة العربية السعودية قبل ما يقارب المائة عام.