لروح نساء إيران السلام

عندما يُنتَخَب متهم بجرائم ضد الإنسانية رئيسا للبلاد، يصبح خبر مقتل معتقل تحت التعذيب خبرا غير مفاجئ. وعندما تحكم البلاد عقلية تنم عن العداء للمرأة واعتبارها كائنا ملحقا لا يتمتع بالحقوق التي يتمتع بها بعض الرجال، يصير خبر اعتقال وتعذيب سيدة حتى الموت بسبب عدم ارتدائها ما يراه رجال النظام رداء مناسبا خبر يتكرر بين الفترة والأخرى.

الجمهورية الإسلامية في إيران لا تشبه مكانا آخر، ليس لأن العنف هو الوسيلة الفضلى للنظام بالتعامل مع شعبه، فهناك جمهوريات عدة، الأمر فيها كذلك وأبشع، بل لأن في إيران من يمارس العنف والقتل يدعي أنه يفعل ذلك بتكليف إلهي.

إبراهيم رئيسي الذي انتخب في العام 2021 رئيسا للجمهورية الإسلامية في إيران، في انتخابات قيل إنهامحسومة النتائج سلفا بعد استبعاد جميع منافسيه الحقيقيين من الانتخابات عن طريق مجلس صيانة الدستور، هو نفسه المتهم الأساسي في مجزرة عام 1988 يوم كان عضوا فيما يعرف بـ«لجنة الموت»، وهي المجزرة التي راح ضحيتها آلاف السجناء السياسيين في إيران.

مجزرة صيف عام 1988 لم تكن فقط إعدام آلاف المعتقلين، فقبل أعوام تم نشر ما عرف بـ«تسجيل الإعدامات»، والتي تضمنت تصريحات المرجع الشيعي الراحل آية الله حسين علي منتظري(خليفة الخميني مرشد الثورة الأول حتى عزله عام 1988)، خلال لقائه مع أعضاء «لجنة الموت»التي ارتكبت مجازر بإعدام عشرات الآلاف من السجناء السياسيين في صيف 1988.

ووفقا لما جاء في التسجيل الذي تم حذفه بعد ضغوطات مورست من قبل وزارة الاستخبارات على مكتب منتظري ونجله، فقد عارض منتظري إعدام النساء وبشكل خاص الفتيات العذارى، مطالباً بالإفراج عنهن مقابل كتابة تعهد خطي بالتخلي عن انتمائهن لمنظمات معارضة.

منتظري الذي أكد في مذكراته التي نشرها عام 2000، أن اغتصاب الفتياتالعذارى في السجون كان أمرا شائعا، حيث كتب: «لقد قلت للسلطات القضائية ومسؤولي سجن إيفين والمسؤولين الآخرين نقلاً عن الإمام (الخميني) إنه لا يجوز إعدام البنات المنتميات لمجاهدي خلق، كما نوهت بالقضاء بعدم إصدار أحكام الإعدام ضدهن... هذا ما قلته، ولكنهم حرفوا كلامي. وقالوا نقلاً عني: لا تعدموا البنات الأبكار وإنما يجب تزويجهن ليلة واحدة ومن ثم يتم إعدامهن».

وهذا ما أكدته العديد من المنظمات الحقوقية، وتحدثوا عن أن عناصر من الاستخبارات والحرس الثوري كانوا يقومون باغتصاب العديد من الفتيات اللواتي تم سجنهن بتهمة العضوية أو الارتباط بمنظمات معارضة قبل تنفيذ الإعدام بهن.

في عددها الصادر في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2016، نشرت «المجلة»شهادات لعائلات ضحايا جرائم إعدامات نظام الملالي، ومن بين هذه الشهادات، شهادة المحلل السياسي الإيراني فه رزين كارباسي الذي قال:«إن إيران لا يحكمها أي دستور أو قانون؛ لأنهم يعتبرون أنهم ما زالوا في ثورة وأن الثورة الإيرانية الإسلامية ما زالت مستمرة، وهذا ما يجعل صلاحية محاكم الثورة أبدية الصلاحية، ولا يرى أن هناك أي اختلاف بين ما كان يجري بعد الثورة أي بين عامي 1981 و1988 والحاضر». ومما ذكره كارباسيفي حديثه لـ«المجلة»،يومها أنه«فيما يخص النساء فإن السجينات العذارى يتم اغتصابهن قبل تنفيذ حكم الإعدام انطلاقا من اعتقاد في المذهب الشيعي بأن العذراء تدخل الجنة، لذا يتم اغتصابها بعقد زواج متعة لشرعنة الاغتصاب».

قبل أيام انتشرت صورتان لفتاة إيرانية تدعى مهسا أميني، الصورة الأولى تظهر فيها شابة مبتسمة ترتدي غطاء الرأس دون أن يغطي كامل رأسها، والصورة الثانية وهي على الفراش في المستشفى فاقدة للوعي قبل أن تفارق الحياة لاحقا بسبب الضرب الذي تعرضت له، ليعلن التلفزيون الإيراني الرسمي أنها «للأسف ماتت»، فيما وصفت الشرطة الإيرانية الأمر بأنها «حادث مؤسف».

مهسا أميني ليست قصة وحيدة، فهذه هي إيران الولي الفقيه، حيث تعدم النساء ويتم تعذيبهن وتشويه وجوههن بماء النار، والمبرر دوما «ديني»، ولكن أي دين هذا وعلى من يضحكون، فإن كانت العذراء مصيرها الجنة فكيف يغيرون هم هذا المصير بارتكابهم جريمة الاغتصاب؟ وإن كانت غير المحجبة تخالف الدين والشرع، فهل بإرغام النساء على تغطية كامل الرأس والرقبة ستصبحن بنظر النظام الإيراني مؤمنات؟ على من يضحك تجار الدين؟ وكيف لمؤمن أن يؤيد هكذا أفعال؟

اليوم تعم الاحتجاجات شوارع إيران غضبا بعدما استشهدت اميني، ولكن من سوء حظ المرأة الإيرانية انه في كل مرة يغضب الإيرانيون يكون هناك في البيت الابيض ادارة مستعدة للتغاضي عن اي شيء كرمى للوصول إلى اتفاق مع ملالي طهران، وهل نسينا "الثورة الخضراء"، ام اننا لم نسمع بما تتعرض له المرأة الافغانية وحرمان الفتيات من التعليم كرمى للاتفاق مع طالبان؟ ألم يسبق وان منعت الحكومة الإيرانية النساء من الدراسة في عشرات التخصصات الجامعية، وذلك بدعوى عدم توفر وظائف لهن بعد التخرج، موضحة أن طهران منعت النساء من دراسة أكثر من سبعين تخصصا جامعيا في البلاد لأسباب مختلفة، هي النقمة المزدوجة في زمن الملالي، أن تكوني امراة إيرانية تحلم بالحياة.