مهسا أميني.. رمز إنساني في وجه القمع الإيراني

المرأة الإيرانية ضحية «شرطة الأخلاق»
مهسا أميني الشابة الإيرانية التي ذهبت في رحلة عائلية وعادت جثة إلى مدينتها (WANA NEWS AGENCY)

باكو: مهسا أميني (22 عاما) أيقونة جديدة قدمت حياتها دفاعا عن حرية المرأة الإيرانية من جانب، وفضح الأوضاع غير الإنسانية التي تعانيها في مجتمع لا يزال يعيش في ظلمات عدة من جانب آخر، وتأكيدا على العقلية المغلقة للشرطة الإيرانية في تعاملها مع مواطنيها من جانب ثالث. تلك هي الأزمة التي تواجهها الدولة الإيرانية على أثر وفاة الفتاة مهسا أميني، عقب توقيفها منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الجارى (2022)، لدى ما يطلق عليه «شرطة الأخلاق» بطهران بموجب «تطبيق قوانين الحجاب الإجباري» التي سُنت عقب ثورتها عام 1979 التي ألبستها وصف الإسلامية وهى بعيدة كل البعد عن هذا الوصف، إذ كيف يصدر تشريع يلزم جميع النساء بغض النظر عن الجنسية أو المعتقدات الدينية بوضع حجاب يغطي الرأس والرقبة؟

وقد ألقت هذه الحادثة قليلا من الزيت على النار المشتعلة تحت رماد الغضب المتزايد ليس فقط لدى المرأة الإيرانية من مأساوية أوضاعها وإنما لدى غالبية أفراد المجتمع وخاصة فئات الشباب من الجنسين الذين ضجروا من تلك الحياة الخانقة التي يدفعون أثمانا باهظة من حياتهم ومعايشهم لخدمة مجموعة من الملالي التي لا تزال تقبض على مقاليد السلطة تحت حجج واهية تعيد إلى الأذهان فكر القرون الوسطى المتعلق بنظرية الحكم الإلهي للملوك، وكأن هؤلاء الملالي مفوضون من العناية الإلهية لحكم شعب كان يوما ما من الشعوب أصحاب الفكر والعلم والحضارة، وأضحى اليوم يتسول قوت يومه ولا يجد الحد الأدنى من متطلبات معيشته (التظاهرات المستمرة في الداخل الإيراني على تردي مستويات المعيشة تارة وعدم وجود المياه تارة أخرى تؤكد على هذه المعاناة).

ويستعرض هذا التقرير جانبا من واقع مأساوي تعيشه المرأة الإيرانية تحت عنوان «شرطة الأخلاق» بما يحمله من دلالات إيجابية على المستوى اللفظي، في حين أن ممارساته الواقعية تؤكد على وحشيته غير الإنسانية، إذ درج النظام الإيراني على صك شعارات وتوظيف مصطلحات جاذبة لتخدع البسطاء من الناس، في حين أنها تحمل في طياتها ومضامينها الكثير من التجاوزات والانتهاكات، ولعل مصطلح شرطة الأخلاق واحد من هذه الشعارات أو التسميات التي تعكس هذا التوجه.

جانب من الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة طهران (رويترز)

 

وعليه يتناول هذا التقرير مأساة المرأة الإيرانية في جانب واحد يتعلق بدور «شرطة الأخلاق» وتجاوزاتها، من خلال محورين على النحو الآتي:

 

شرطة الأخلاق... أداة إيرانية لقمع الحريات

في خضم محاولات نظم الحكم السلطوية أو الفردية للهيمنة على مقدرات أوطانها وشؤون مواطنيها، تتعدد أدواتها المستخدمة بين أدوات سياسية ودينية وأخرى أمنية وثالثة إعلامية ورابعة تربوية وخامسة ثقافية وسادسة اقتصادية... إلخ. حيث يتم توظيف كل هذه الأدوات في سبيل إحاطة حياة المواطنين من الجوانب كافة، خشية خروج المواطن عن الحدود التي رسمها هذا النظام السلطوي فيكون ذلك إيذانا بسقوطه ومحاكمة رموزه كما يسجل التاريخ ذلك في أحداثه ووثائقه، ولعل ما حدث في طهران منذ انقلاب عام 1979 لم يخرج عن هذا النهج المتبع، إذ سرعان ما وضع الملالي حزمة من الأدوات القمعية في الفكر والمعيشة لفرض رؤيتها وهيمنتها على أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع، وكان من بين هذه الأدوات تأسيس نوع من الشرطة المتخصصة أطلقت عليه «شرطة الأخلاق»، حيث تتولى هذه الشرطة مراقبة مدى التزام المواطنين بالقواعد الصارمة الخاصة باللباس والسلوك، من خلال تسيير دوريات في الشوارع الإيرانية يطلق عليها «دوريات الإرشاد»، حيث تقوم بتوقيف ومعاقبة النساء مثلاً في حال ظهورهن في الأماكن العامة بلباس يخالف الشادور الإيراني أو غطاء كامل، كما لا يسلم الشباب أيضا من توبيخ وزجر رجال هذه الشرطة إذا كان لباسهم لا يناسب من وجهة نظرهم ، فكل من يخالف «قواعد السلوك والتصرف» يواجه خطر سحبه إلى سيارة «دورية الإرشاد» ونقله إلى «مؤسسة للإصلاح»، حيث يقومون بتعليمه كيفية التصرف كمواطن صالح بالمقاييس والمعايير التي وضعها الملالي الذين يحكمون، وإلا تعرض للعقوبة بالسجن أو دفع غرامة مالية.

وغني عن القول إن هذا الدور المنوط بشرطة الأخلاق دفع مجموعة من الشباب المتخصصين في مجال البرمجة المعلوماتية إلى تطوير تطبيق لنظام أندرويد يتيح للإيرانيين تجنب «شرطة الأخلاق» أطلقوا عليه اسم «غيرشاد» (Gershad)، حيث يعتمد التطبيق بشكل أساسي على خدمة «GPS» لتحديد الموقع. فإذا كان الشاب الإيراني من مستخدمي التطبيق، فإن كل ما عليه فعله هو التبليغ عن حاجز لـ«دورية الإرشاد» فور رؤيته، وكلما زاد عدد المبلغين عن موقع الدورية، يقوم التطبيق بضمان تثبيت الحاجز في المنطقة، وبالتالي يتجنب بقية مستخدمي التطبيق المرور بالمنطقة التي توجد فيها الدورية، ويغيرون طريقهم. وكلما نقص التبليغ عن حاجز معين أزاله التطبيق شيئاً فشيئاً عن الخريطة، لأن تلك الحواجز تتغير بشكل دائم.

صحيح أن السلطات الإيرانية بحكم ما تمتلكه من رقابة صارمة وواسعة على الإنترنت تمكنت من منع هذا التطبيق بعد 24 ساعة على طرحه، إلا أنه من الصحيح أيضا أن سرعة تفاعل المواطنين الإيرانيين معه بالشكل الذي دفع الحكومة إلى منعه خلال يوم واحد عقب بدء تشغيله يعكس حالة الرفض العامة لكل ممارسات الدولة الإيرانية في تقييد الحريات وتكبيلها، بل دفعت فكرة هذا التطبيق المواطنين إلى التعليق على ما حدث بنشر تويترات ساخرة من قبيل: «فيما تطور باقي دول العالم تطبيقات لتحديد مكان الشرطة بهدف الاستفادة من حمايتها، نطور نحن (الإيرانيين) تطبيقات لحماية أنفسنا من الشرطة»، وكتب مستخدم آخر يقول: «إلى أي مدى يجب أن تكون قد وصلت درجة يأسنا نحن (الإيرانيين) حتى نطور تطبيقا لتفادي الشرطة في الشارع العام بسبب خوفنا منها»، فمثل هذه الانتقادات لا تحمل إدانة للشرطة الإيرانية فحسب وإن كانت هي الأداة الأكثر استخداما من جانب النظام لقمع المواطنين، وإنما هذه العبارات هي في حد ذاتها إدانة حقيقية لنظام حكم أفلس فى نظر مواطنيه وأصبح فاقدا للشرعية السياسية، فحينما يحاول المواطنون أن يهربوا من شرطتهم التي هي أداة من أدوات حمايتهم كما هو موجود في كل دول العالم المتحضر يعني ذلك أن النظام يواجه تحديا حقيقيا في نظرهم.

ويضاف إلى ما سبق، بعد آخر في النظر إلى دور الشرطة بوجه عام وشرطة الأخلاق بوجه خاص إذا كانت هناك ضرورة لوجود مثل هذا النوع من الشرطة، إذ إن الأخلاق منظومة قيمية تضبط سلوك الفرد دون الحاجة إلى شرطة تجبره على الالتزام بهذه القيم ولكن حينما تتحول هذه القيم إلى قواعد قانونية نكون إزاء شرطة تضمن التنفيذ، وهنا يجب أن تعيد الدولة الإيرانية رؤيتها في مثل هذه النماذج غير الإنسانية التي تحاول أن تهيمن بها على المجتمع وفكره تحت تسميات براقة لم تعد تجدي نفعا في ظل حالة الانفتاح التي تعيشها المجتمعات بفضل التطور في وسائل التواصل والاتصال، فحينما تتحدث دولة عن رقابة على الإنترنت إنما تتحدث عن شيء لم يعد له وجود، إذ كثيرا ما يعمد الشباب للالتفاف على القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على المواقع الإلكترونية من خلال استعمال الخدمات الوكيلة (Proxy-Server) للدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، و«تويتر» وغيرها، وهو ما يؤكد أن العالم أضحى أكثر قربا مما يتصوره ملالي طهران الذين لا يزالون يعتقدون أنهم قادرون على غلق مجتمعهم كما كان الحال حينما تمكنوا من الانقلاب على الحكم والهيمنة على مقدرات البلاد أواخر سبعينات القرن المنصرم، متناسين تطور الأوضاع وتغير الظروف.

 

محتجات إيرانيات ارتدين اللون الأسود حدادا على روح أميني فيما خلع بعضهن الحجاب (أ.ف.ب)

 

مأساة متكررة وردود فعل صاخبة داخليا وهزيلة دوليا

لم تكن مأساة الفتاة الإيرانية مهسا أميني الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة أيضا، بل إن سجلات شرطة الأخلاق مليئة بالاعتقالات والاعتداءات والانتهاكات اليومية ضد المرأة الإيرانية، صحيح أن بيان الشرطة الإيرانية حاول أن ينفي مسؤوليته عن جريمة القتل، حيث جاء فيه أن: «أميني أوقفت مع أخريات لإعطائهن شروحا وتوجيهات حول اللباس الواجب ارتداؤه... وأنه لم يحدث احتكاك جسدي بين الضباط وأميني.. وأنه قد أغمي عليها فجأة خلال وجودها مع آخرين في القاعة»، كما بث التلفزيون الحكومي صورا تظهر الضحية وهي تسقط على الأرض داخل قاعة كبيرة مليئة بالنساء، بينما كانت تتجادل مع إحدى المسؤولات حول لباسها في محاولة لإبعاد شبهة المسؤولية الجنائية عن رجال الشرطة في مقتلها، وهو ما نفاه والدها أمجد أميني، بقوله: «إن من يقولون إن لديها أمراضاً سابقة يكذبون... مهسا لم تكن تعاني من الصرع أو القلب»، مبديا شكوكاً في صحة الفيديو الذي نشرته الشرطة، بقوله: «إنه جرى تقطيعه، لماذا لم ينشروا اللحظات التي تم فيها اقتيادها من سيارة الشرطة إلى المعتقل؟ ماذا حدث هناك؟ لقد تسببوا في صدمة نفسية لها ثم حدوث الكارثة»، وقد سانده في ذلك عاصفة من الرفض واسع المدى من جانب المواطنين الإيرانيين بصفة عامة والمرأة الإيرانية على وجه الخصوص، إذ وصف المحامي الإيراني البارز سعيد دهقان على «تويتر» وفاة أميني بأنها «جريمة قتل.. وإنها تعرضت لضربة على الرأس تسببت بكسر قاعدة جمجمتها»، وحمّل رئيس مركز حقوق الإنسان في إيران هادي غائمي الحكومة الإيرانية المسؤولية، إذ ذكر أن «الحكومة في إيران مسؤولة... قُبض عليها بموجب قانون الحجاب القسري والتمييزي للدولة وتوفيت وهي قيد الاحتجاز». كما نظمت حشود من الطلاب فى جامعات طهران ومشهد وقفات احتجاجية منددة بالسلطات الإيرانية، رافعين لافتات تندد بقمع الحريات وممارسة العنف ضد المرأة، مرددين هتاف: «الحرية- المرأة- الحياة»، كما شهدت مدينة سنندج مركز محافظة كردستان، مسقط رأس أميني صدامات بين الشرطة والمحتجين بعد مراسم الدفن،  بسبب هتافهم «الموت للديكتاتور» في إشارة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، كما أسقطوا لافتة كبيرة تحمل صورة قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي قضى في ضربة أميركية مطلع 2020، وقد اتسعت رقعة الاحتجاجات وتزايدت وتيرة حدتها لتصل اليوم إلى وقوع عديد الضحايا بسبب العنف المتزايد من الشرطة الإيرانية تجاه المحتجين، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام عديد الاحتمالات بشأن مآلات تلك الأحداث وتأثيراتها على الأوضاع السياسية في إيران في ظل الغموض المهيمن على الحالة الصحية للمرشد الإيراني علي خامنئي إذ يؤشر عدم تفاعله مع هكذا أحداث رغم جسامة تداعياتها إلى أن ثمة أزمة متشابكة يواجهها نظام الملالي اليوم.

كما دعت الأحزاب الكردية المعارضة إلى إضرابات عامة في المدن الكردية الواقعة غرب البلاد. وفي موازاة ذلك، أطلقت نساء إيرانيات حملة «تحدي» عبر شبكات التواصل الاجتماعي لحرق غطاء الرأس، بل ونشر عدد من النساء تسجيلات فيديو في هذا الصدد.

وفى السياق ذاته، أعرب العديد من السينمائيين والفنانين والشخصيات الرياضية والسياسية والدينية الإيرانية عن غضبهم على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد دعا الرئيس الإيراني السابق وزعيم التيار الإصلاحي محمد خاتمي السلطات إلى «وقف الأعمال المخالفة للقانون والمنطق والشريعة... وإحالة مرتكبي الحادث إلى العدالة»، كما طالب حزب اعتماد ملي؛ فصيل الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي، إلى إصدار قانون لإلغاء الحجاب القسري. وأصدرت نقابة ممثلي السينما الإيرانية بياناً طالبت فيه بإلغاء دوريات شرطة فرض الحجاب، وبادرت نجمة السينما الإيرانية كتايون رياحي إلى نشر صورة عبر شبكة «إنستغرام» دون أن ترتدي الحجاب. وكتب المخرج أصغر فرهادي حائز جائزتي أوسكار عن أفضل فيلم أجنبي، أن «مهسا اليوم حية أكثر منا؛ لأننا نائمون، من دون رد فعل أمام هذه القسوة اللامتناهية. نحن متواطئون في هذه الجريمة».

كما أدانت عديد الصحف الإيرانية التابعة للتوجهات الإصلاحية نهج السلطات الإيرانية، فقد أشارت صحيفة «آفتاب» الإيرانية إلى الصدمة التي تسبب فيها الحادث في أنحاء البلاد. وكتبت صحيفة «اعتماد» أن «الناس أصيبوا بصدمة وهم غاضبون بسبب ما حدث مع مهسا أميني»، مشيرة إلى أن «الأمة لاحظت مرات عدة عنف شرطة الأخلاق»، كما حذرت صحيفة «جمهوري إسلامي» واسعة الانتشار مما وصفته «الانقسام الاجتماعي» الناجم عن السلوك العنيف لعناصر الشرطة. وكتبت صحيفة «آسيا» الاقتصادية على صفحتها الأولى تحت صورة لقبر الضحية: «العزيزة مهسا... سيتحول اسمك إلى رمز».

أما على المستوى الدولي، فكان رد الفعل أقرب إلى ذر الرماد في العيون، صحيح أن المقرر الأممي الخاص بمراقبة حالة حقوق الإنسان في إيران جاويد رحمان، أعرب عن أسفه من سلوك السلطات في قضية أميني، مؤكدا على أن «الحادث مؤشر على انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في إيران»، مطالبا بإصدار قرار في الأمم المتحدة لإدانة قانون الحجاب القسري في البلاد، وصحيح كذلك أن جاك سوليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي جو بايدن كتب على «تويتر» عبارة جاء فيها: «نشعر بقلق عميق حيال وفاة مهسا أميني البالغة 22 عاما والتي قيل إنها تعرضت للضرب خلال وجودها قيد الاحتجاز لدى شرطة الأخلاق الإيرانية. إن موتها أمر لا يُغتفر، سوف نستمر في العمل لمحاسبة المسؤولين الإيرانيين عن مثل هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان». وصحيح أيضا أن منظمة العفو الدولية طالبت بـ: «إجراء التحقيق جنائيا في الظروف التي أدت إلى الوفاة المشبوهة للشابة أميني البالغة 22 عاما، والتي تشمل مزاعم التعذيب وغيرها من أشكال سوء المعاملة خلال الاحتجاز... وأن ما يُسمى شرطة الأخلاق في طهران اعتقلتها تعسفا قبل ثلاثة أيام من وفاتها أثناء تطبيق قوانين الحجاب الإجباري المسيئة والمهينة والتمييزية في البلاد. يجب أن يواجه جميع الأفراد والمسؤولين المتورطين العدالة»، إلا أنه من الصحيح كذلك أن اللقاءات والمفاوضات لا تزال جارية مع الجانب الإيراني بشأن الملف النووي وكأن ما يحدث في الداخل الإيراني لا تأثير له على مواقف الأطراف الأوروبية والأميركية التي تخوض جولات التفاوض اليوم، وهو ما يعطي مؤشرا مهما جديرا بالتسجيل عن أن ملف حقوق الإنسان لدى الدول الغربية (الولايات المتحدة وحلفاءها) هو ملف مسيس برمته، يتم توظيفه لتحقيق مصالح هذه الأطراف بقطع النظر عن واقع حقوق الإنسان، إذ يثار تساؤل حول التخاذل الغربي حيال تلك الجريمة النكراء التي ارتكبتها الشرطة الإيرانية في وضح النهار ولم تلق بالا لردود الفعل لأنها بلا شك تعلم كيف تدير مصالحها مع الغرب بعيدا عن الملف الحقوقي الذي يتصدر أية خطابات غربية في تعاملها مع دول المنطقة.

ومن ثم، لم تول طهران اهتماما يذكر بشأن هذه الانتقادات الدولية بقدر ما خشيت رد الفعل الداخلي المتصاعد كما سبقت الإشارة، وهو ما دفعها إلى محاولة احتواء الأزمة خشية اشتعالها وتوسع مداها، بدءا من الرئيس إبراهيم رئيسي الذي بادر بالاتصال مع عائلة أميني، مؤكدا حسب ما جاء في بيان للرئاسة بقوله: «إن ابنتكم مثل ابنتي، وأشعر كأن هذا الحادث حدث مع أحد أقربائي»، واعدا بأنه: «سيتابع التحقيق حتى توضيح ملابسات القضية»، مرورا بنائبة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة، أنيسة خزعلي، بقولها: إنها أجرت «اتصالاً مباشراً مع والدي الفتاة، لتقديم التعازي ولطمأنتهم على متابعة جدية للموضوع حتى توضيح جميع جوانب الحادث»، وصولا إلى رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي أعلن عن تشكيل لجنة تقصي حقائق، بقوله: «كلفت لجنة الشؤون الداخلية للتحقيق مع الشرطة في أبعاد وفاة أميني».

خلاصة القول إن حادثة مقتل الضحية مهسا أميني رغم ما عكسته من صورة قاتمة لأوضاع المرأة الإيرانية إلا أنها تمثل فرصة للمجتمع الإيراني بوجه عام والشباب بصفة خاصة لاتخاذ موقف مستمر وليس رد فعل لحظيا ينتهي بعد أيام، حتى لا يستيقظ كل صباح على تكرار مثل هذه الجريمة التي تأخذ زخما مؤقتا سرعان ما ينتهي، لتتفاقم الأوضاع وتتعقد بصورة تزيد من إحكام قبضة الدولة الإيرانية وأجهزتها القمعية بحق الشعب الإيراني، بل عليهم أن يستفيدوا من اعتراف الجميع بأن ثمة قصورا وقع وتجاوزا حدث، كما أشارت إلى ذلك صراحة صحيفة «إيران»؛ الناطقة باسم الحكومة، في عددها الصادر في 19 سبتمبر (أيلول) الجاري (2022) بأن: «وفاة أميني كانت مريرة وحزينة، وجعلتنا نشعر بمرارة... نعم هناك نقاط ضعف ونواقص في هذا المجال غير قابلة للإنكار، وينبغي عدم إهمالها»، إذ يمثل ذلك نقطة محورية لتصعيد المطالبة بضرورة إعادة النظر في حزمة القوانين المقيدة للحريات بصفة عامة وحريات المرأة الإيرانية على وجه الخصوص، فهل يستفيد المجتمع الإيراني من تلك اللحظة؛ لتصحيح أوضاعه وحماية حقوقه وصون حرياته؟  

 

 


مقالات ذات صلة