القاضي الثائر شكري صادر: رئيس الجمهورية أصاب مجلس القضاء الأعلى بالإحباط

قال لـ«المجلة»: السلطة السياسية مسؤولة عن ضرب القضاء
القاضي شكري صادر

بيروت: في لبنان تبدو العلاقة ملتبسة ‏بين السلطة الإجرائية والقضاء، إذ إنّ القضاة ‏يعينون ‏من قبل مجلس الوزراء وتكون التشكيلات القضائية عبر مرسوم تقره السلطة السياسية بشكل أساسي.

لذلك يعيش القضاء اللبناني اليوم أزمة صعبة تكاد تفوق الأزمة التي تعيشها البلاد، فالضغوط السياسية والتدخلات الفاضحة في عمل القضاة أفقدته توازنه، وزعزعت ثقة الناس به كملاذ أخير لحماية حقوقهم، خصوصاً بعد الاستعراضات غير المنطقية التي قامت بها القاضية المحسوبة على عهد الرئيس ميشال عون غادة عون، والحملات التي استهدفت المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، ومحاولة دفعه للاستقالة عن طريق تعيين قاض رديف له، مما زاد النقمة على رأس وزير العدل والسلطة القضائية، وكبار قضاة محاكم الاستئناف والتمييز مما يهدد لبنان بالانهيار الشامل خصوصاً بعد عمليات اقتحام المصارف في كل المناطق اللبنانية بسبب غياب القانون والمحاسبة، إن على صعيد ملاحقة أصحاب المصارف الذين يحتجزون أموال المودعين من دون أي سند قانوني بحجة أن مجلس النواب لم يفرج بعد عن قانون الكابيتال كونترول الذي ينظم عمل المصارف مع المودعين.

ورغم أن القوانين اللبنانية مستنبطة بمعظمها من قوانين الدول العريقة في الديمقراطية، لا سيما الفرنسية منها، فإن معضلتها تكمن في سوء التطبيق وعدم الاحتكام لمبدأ فصل السلطات، فأغلب الدول الأوروبية ذات الديمقراطيات القديمة، تلعب السلطة التنفيذية أو التشريعية دوراً مهماً في تعيين القضاة، فتتخذ الحكومة أو الرئيس قراراً بشأن تعيين القضاة، لكن في هذه البلدان هناك ثقافة قانونية تقضي بعدم إجراء التعيينات بناءً على معايير سياسية، بل وفق معايير موضوعية تقوم على الجدارة والكفاءة، والمنافسة على أساس المؤهلات الخاصة.

اليوم وبعد أن شارف عهد الرئيس ميشال عون على الانتهاء  يبرز التساؤل: هل يستطيع العهد الجديد إقرار قانون استقلالية القضاء بعد الضربات التي تلقاها.

القاضي شكري صادر علامة فارقة في الجسم القضائي اللبناني وتولى مناصب عدة، إن في المجلس القضائي الأعلى، أو في رئاسة مجلس شورى الدولة وله مواقف جريئة على الصعيدين السياسي والقضائي، إذ يتهم السلطة السياسية بأنها خلال 6 سنوات أفقرت اللبنانيين وضربت قطاع المصارف والاستشفاء والتربية والسياحة، وعطّلت بالكامل دور الشرعية والمؤسسات الدستورية، وساهمت بشكل مباشر وعن سابق تصور وتصميم في تعزيز الفساد الإداري والمالي والسياسي.

«المجلة»التقت القاضي صادر وكان لها معه هذا الحوار:

 

* كونك رجل حقوق مخضرما ومرجعية قانونية، وشغلت مناصب عدة في مجلس القضاء الأعلى ورئيساً لمجلس شورى الدولة، كيف تنظر إلى واقع القضاء اليوم؟

- القضاء اللبناني ليس بخير والأسباب التي أوصلته إلى هذا الواقع عديدة، وأبرزها أنها من مخلفات الحرب الأهلية، إذ بعد انعقاد مؤتمر الطائف برز لهذا الاتفاق وجهان، الأول وجه دستوري والثاني من أجل المصالحة لإنهاء الحرب. الوجه الأول كان جيداً إنما على صعيد وقف الحرب فهذا الوجه أتاح لأمراء الحرب ورؤساء الميليشيات اقتسام «جبنة»الجمهورية اللبنانية. وعندما تكون أمير حرب أو رئيس ميليشيا تكون مثل السمكة في قلب المياه، لا يمكنها العيش إذا كان هناك دولة قانون، وبالتالي حتى تظل شريعة الغاب هي السائدة تبدأ بإطلاق الرصاص على القضاء، وهذا ما حصل خلال الثلاثين سنة الماضية، وإذا نظرنا نجد أن 90 في المائة من الطبقة الحاكمة التي أوصلت البلد إلى ما هو عليه هي ذاتها ولم تتبدل أو تتغير، وبالتالي أصبح كل واحد منهم كي يبقى في سياسة شريعة الغاب، يقوم بتعيين الأزلام التي تأتمر بأوامره وليس بأوامر رؤسائه المباشرين، وإلا في التشكيلات الجيدة قادر على إبعاده وإيصال المحاسيب. أما القضاة الأحرار فلن يكون لهم أي مركز.  

لذلك أقول إنّ القضاء أصبح بداخله بؤرة فساد وبؤرة محسوبيات وأزلام، مع أنه عندما عين القاضي سهيل عبود رئيساً لمجلس القضاء الأعلى قبل 4 سنوات، التقى رئيس الجمهورية وهو الذي اختاره لهذا المنصب، فأبلغه الرئيس عون بأنه يريد أن يحدث نقلة نوعية في القضاء، فأجابه الرئيس عبود «تكرم عينك»إنما يجب أن تتركني أعمل حتى أستطيع أن ألغي البؤر الموجودة داخل الجسم القضائي، وإبعاد القضاة غير المؤهلين عن المراكز الهامة، وعلى هذا الأساس قام الرئيس عبود مع أعضاء مجلس القضاء الأعلى بإنجاز التشكيلات القضائية التي من شأنها قطع رؤوس تلك البؤر، لكن هذه التشكيلات وبعد أخذ ورد والتوقيع عليها من قبل وزراء العدل والمال والدفاع ومن رئيس مجلس الوزراء، عندما وصلت إلى رئيس الجمهورية لم تعجبه لأنها تتضمن قضاة من البؤر التي ذكرتها وهي تابعة له أو تابعة لفريقه السياسي فقام بتجميدها وعدم التوقيع عليها خلافاً للدستور والقوانين المرعية الإجراء خصوصاً المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي، ووضعت في الأدراج ولا تزال، مع أنه لو نفذت هذه التشكيلات  لقطعت رؤوس بؤر الفساد كان من الطبيعي هذا التصرف أن يصيب مجلس القضاء وأعضاء المجلس والجسم القضائي بالإحباط، خصوصاً بعدما تم تسريب هذه التشكيلات من قبل أزلام الرئيس، خلافاً لكل الأعراف، فعملية التسريب شجعت بعض القضاة المحسوبين على السلطة السياسية على التمرد على السلطة القضائية، ولنأخذ مثلاً القاضية غادة عون التي لم تأبه لأوامر أو تمنيات مجلس القضاء الأعلى، أو لأوامر رئيسها المباشر الذي هو النائب العام التمييزي، وبالتالي أصبح هناك نوع من الفوضى ازدادت بسبب الوضع المتردي للقضاة من العام 2019 لناحية تأمين حياة لائقة لهم، أو تأمين الأدوات الضرورية لعملهم لناحية تأمين الكهرباء والمياه ورفع النفايات من المكاتب وتأمين القرطاسية للقاضي، لقد ترك الجسم القضائي لمصيره ولم يعد أحد يهتم بهم، علماً أن البعض منهم المستمرين في عملهم يقاومون لتأمين احتياجات عائلاتهم، ومنهم من يحضر الأوراق من منزله لكتابة القرارات. هذا الواقع أوصل القضاء إلى ما هو عليه، الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت الدولة اللبنانية من سنة 1990 إلى اليوم هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن تراجع دور السلطة القضائية.

 

* كيف تنظر إلى ظاهرة بعض القضاة الذين لا هم لهم سوى تنفيذ مطالب الجهات السياسية التي تحميهم؟

- الطبقة السياسية لها أزلام وبؤر فساد، وبالتالي لا يوجد أشرف من العاهرة عندما تحاضر في العفة، لأننا نرى الطبقة ذاتها تطالب باستقلالية القضاء، إنما اسمع تفرح جرّب تحزن، عندما ترى كيف أنّ معظم القضاة لديهم غطاء من السياسيين، يأتمرون منهم وليس من رؤسائهم القيمين على حسن سير العدالة. لقد نخرت السياسة القضاء إلى أقصى الدرجات اليوم. أما فيما يتعلّق بمحاولة إعادة استقلالية القضاء وإحيائه هناك أمر صحيح، ألا وهو استقلالية القضاء، ولكن كما نعلم قانون استقلالية القضاء له أكثر من 10 سنوات في المجلس النيابي، وهو يدور من لجنة إلى لجنة يقذفونه ويعيدون درسه عبر لجان فرعيّة، أي إنّ النية غير موجودة لإصدار قانون استقلالية القضاء من قبل الطبقة الحاكمة الفاسدة.

 

* كيف يمكن للمجلس الدستوري ولمجلس شورى الدولة البت في القضايا التي تحال إليهم دون التأثر بالجهات السياسية التي عينتهم؟

- اليوم التعيين في المجلس الدستوري أصبح تعيينا وليس انتخاباً، وإذا تطلعنا إلى كيفية التعيين نجد أن كل جهة سياسية فاعلة لديها قضاؤها، بمعنى أن التعيين يتم بالتوافق مع السلطة السياسية ولا يتم اختيارهم على أساس الكفاءة، أي إنّ السلطة السياسية هي التي تختار على قاعدة «مرقلي حتى مرقلك»، لذلك هناك خوف مستمر من تأثير الطبقة على المجلس الدستوري. أما في مجلس الشورى فالتأثير أقل لأنّ القضاة لا يتم تعيينهم من قبل السلطة السياسية ويبقى هناك هامش للاستقلالية، ولكن يبقى همّ السلطة السياسية القضاء على كل شخص يضع لها العصي في الدواليب وإقصاءه عن منصبه وهذا ما حصل معي عندما قلت لهم إنّ السياسة تقف عند باب المصعد وغير موجودة داخل مجلس شورى الدولة، لذلك ارتأت الحكومة «من غير شر»أن يتم الطلاق بطريقة حضارية فأطلب إنهاء خدماتي لأنني كنت راضياً بالهم وأصبحت أخاف أن لا يرضى الهمّ فيّ.

 

* هل يحق لرئيس أو وزير أن يجمد مراسيم مهمة للجسم القضائي لأسباب شخصية أو طائفية كما حصل في تعيين قضاة محاكم التمييز؟

- مرسوم التعيين مثل كل مرسوم يمر على وزير المالية، ولكن لا يحق له التدخل بمضمونه بل يمر عبره ليتأكد إذا كانت هناك أعباء مالية أم لا، وإذا كان في الموازنة ما يغطي هذه الأعباء، هذا هو دور وزير المال. أما من ناحية المضمون فوزير المال ليس له أي علاقة بسير عمل السلطة القضائية. ونحن نعلم أن الثنائي الشيعي حين طالب أن يكون هناك وزير مال من جهته، فهذا مرده إلى معرفته أن الوزير ممر إلزامي لكل مرسوم يصدر عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والمؤسف لم يتحسب أي من المسؤولين إلى أن وزير المال سيأتي بمعرض نظره بأعباء مالية تترتب على مرسوم تشكيلات جزئية أن يثير قضية مراجعة دستور الطائف والكلام عن وجود أو عدم وجود ميثاقية، وهذه كلها لا علاقة لها بوزير المال. وتبين أنه وصله إيعاز بعدم توقيع المرسوم، لذا اخترعوا هذه الحجة لانتفاء الميثاقية ليبقي وزير المال المرسوم عنده ولا يصدره، لكي لا يكتمل النصاب في الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وبالتالي ليبقى التحقيق في انفجار المرفأ مشلولاً إلى ما لا نهاية.

الخلاصة أن ما وصل إليه الجسم القضائي اليوم سببه الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت الدولة اللبنانية منذ العام 1990 ولغاية اليوم، فهذه الطبقة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن انهيار الجسم القضائي وتراجع السلطة القضائية في أداء مهامها.

 

* وماذا عن السجال الدائر حول انتهاء ولاية رئيس الجمهورية وحقه في البقاء في القصر الجمهوري بعد انتهاء ولايته؟

- حين تقول ولاية يكون لها نقطة انطلاق ولها نقطة نهاية، وبصراحة ما بعدها صراحة ولاية رئيس الجمهورية تنتهي يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وبالتالي بعد هذا التاريخ يصبح رئيس الجمهورية مواطناً عادياً وتنزع عنه كل الصفات الرئاسية، لذلك لا يجوز ولا يمكن أن يبقى دقيقة واحدة تحت أي ذريعة بعد تاريخ انتهاء ولايته. وهنا أود أن أقول إذا كان لا يريد التسليم، كما يقولون، وبحجج واهية: أنت لم تعد رئيساً للجمهورية وعليك أن ترتاح وتترك للمؤسسات أن تلعب دورها فتتسلم الحكومة الموجودة الحكم لأنها قادرة على الاستلام حتى لو كانت مستقيلة، وبعد ذلك هناك مجلس نواب مع الحكومة عليهما العمل لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.