لبنان.. المصارف والمودعون وجها لوجه

تداعيات مسلسل اقتحامات البنوك

بيروت: تتجلّى مظاهر انحلال دولة القانون في لبنان يوما بعد يوم، فمع تراكم الأزمات والارتفاع الجنوني للدولار وانعكاسه السلبي على معيشة اللبنانيين، أصبحت الفوضى وشريعة الغاب ملاذ اللبنانيين الأخير لتحصيل حقوقهم، فيما يقف القضاء موقف المتفرج.

فقد عاش لبنان يوم الجمعة الفائت أحداثا مشوقة، أشبه بمسلسل بوليسي طويل تطورت حلقاته بين ساعة وأخرى، مع قيام مودعين غاضبين لم يتمكنوا من الحصول على ودائعهم المحتجزة على مدار ثلاث سنوات، بعشر عمليات اقتحام لمصارف مختلفة في البلاد بأسلحة حربية حقيقية أو بلاستيكية، وذلك بعد أن كانت عمليات اقتحام المصارف محدودة، تحصل خلال فترات زمنية متباعدة نسبيا.

وبعد خروج الوضع عن السيطرة، قررت مصارف لبنان تنفيذ إضراب مدته 3 أيام هذا الأسبوع قبل ان تعلن يوم الأربعاء ابقاء ابوابها مقفلة أمام العملاء بسبب وجود «مخاطر وغياب الإجراءات الأمنية»، من دون أن تحدد المدة الزمنية للإقفال، بانتظار الخطة الأمنية التي وعدهم بها وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بسام المولوي، في ظل المعطيات التي تفيد بإمكانية أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من العمليات المشابهة، والخشية من أن تخرج الأمور عن السيطرة.

وبحسب مصادر مصرفية، فإن الدخول إلى المصارف بعد مسلسل الاقتحامات لن يكون كما قبله، إذ علم أن المصارف بدأت بوضع الخطط الأمنية لحماية فريقها، حيث سيخضع الزبائن لعمليات تفتيش دقيقة بحثاً عن السلاح أو أي مادة أو أداة يمكن أن تستخدم لتهديد الموظفين.

وهنا يبرز تساؤل هام حول تأثير هذه الاقتحامات في حال تحولت لظاهرة كما توقع البعض على سعر الصرف والاقتصاد، وكيف يمكن أن تفاقم انهياره، وما هي الحلول التي تضمن لجميع المودعين والمصارف حقوقهم؟

رئيس جمعية المودعين في لبنان حسن مغنية

بينما كانت «المجلة»تجري اتصالا بمؤسس ورئيس جمعية المودعين في لبنان حسن مغنية، توفي أحد المودعين يوم الثلاثاء الفائت في أحد المستشفيات بلبنان، بسبب التأخر في دفع مستحقات المستشفى وعدم موافقة المصرف على تحرير جزء من وديعته لتسديد فاتورة المستشفى بعدما نقل إليها إثر أزمة قلبية.

 

استرداد الودائع بالقوة.. شعار المرحلة في لبنان

وقال مغنية في السياق: «قبل السؤال عن سبب اقتحام المودعين للمصارف، تساءلوا كيف يعيش هؤلاء»، مشددا على أنه «بحسب المعطيات فإن عمليات اقتحام المصارف من قبل المودعين يوم الجمعة الفائت لن تتوقف وستتكرر»، مشيرا إلى أنه «طالما لا حلول حتى الساعة ثمة هجوم على المصارف»، وتابع:«للأسف اليوم لم يعد الاشتباك بين طرفين سياسيين إنما تم وضع المواطنين بمواجهة بعضهم البعض، المودع من جهة والموظفين في المصارف من جهة ثانية ولا أحد قادر على أن يمنع الفوضى وإراقة الدماء في المصارف».

وحول انقسام الرأي العام اللبناني حول أحقية استرداد الودائع بالقوة وعدمها، شدد مغنية على أن ثمة مادة في القانون تجيز للمواطن إيفاء الحق بالذات، في حال لم تعطه السلطات القضائية حقه شرط عدم إيذاء الآخرين».

وأكد على أن «عمليات الاقتحام محقة وقد أتت ردة فعل طبيعية حيال ثلاث سنوات من اللامبالاة بحقوقهم، خصوصا بعد أن كرت سبحة الوفيات بينهم، نتيجة عدم السماح لهم بسحب أقله كلفة الاستشفاء والعلاج من أرصدتهم في المصارف، معتبرا بالتالي أن السلطة السياسية ومصرف لبنان وجمعية المصارف، وحدهم يتحملون مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، إذ بدلا من أن يشكلوا خلية أزمة لمعالجة الأمر عبر خطة محكمة، اكتفوا بالتنظير على المودعين، وبتقاذف المسؤوليات فيما بينهم، ضاربين عرض الحائط بواجبهم الوطني في إيجاد الحلول، وإخراج المودعين من المستنقع الأسود».

 

جهات مدفوعة؟

عمليات اقتحام المصارف دفعت وزير الداخلية اللبناني، إلى الدعوة لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الداخلي المركزي للبحث في الإجراءات الأمنية التي يمكن اتخاذها في ضوء الأحداث المستجدة، وعقب الاجتماع اتهم في تصريح «جهات»بدفع الناس إلى تحركات ضد المصارف، لافتاً إلى أنه لا يمكنه الإفصاح عن التفاصيل لسرية التحقيق ونتعامل بحكمة مع الموضوع.

وقد ردّ مغنية على هذا الاتهام للمودعين بأنه باطل ومدان ومجاف للحقيقة، متحديا وزير الداخلية وكل من يشاركه اتهام المودعين بالباطل، أن ينشر أمام الرأي العام ما لديه من معلومات، أو وثيقة واحدة، أو تسجيل صوتي، أو فيلم مصور، أو معلومة واحدة صادرة عن أجهزة أمنية رسمية، تثبت أن مداهمات يوم الجمعة الفائت تمت وفقا لإملاءات وتوجيهات سياسية وحزبية»..

ولفت مغنية إلى أن إضراب المصارف اعتراضا على المداهمات، لا يشكل حلا إنما يفاقم الأزمة، ويولد المزيد من شحن النفوس الذي نخشى أن يصل إلى حد العمليات الدموية، مؤكدا أن جمعية المودعين رئيسا وأعضاء لا تشجع إطلاقا على أعمال العنف، إنما تخشى في المقابل من انفلات الأمور باتجاه مداهمات مسلحة تزهق فيها أرواح وتنتهك فيها حرمات».

 

مستعدون للتفاوض

وفي حين دعا مغنية إلى تشكيل خلية أزمة بشكل عاجل، حذر من أن يقود ما يحصل إلى فوضى اجتماعية عارمة، مؤكداً على أن المسؤولية تقع على عاتق كل من السلطة السياسية ومصرف لبنان والمصارف، مبديا  تفهمه لموقف موظفي المصارف، لكنه شدد على أن المودعين أيضاً ليسوا قادرين على العيش من دون أموالهم.

 وأردف: «نحن مستعدون للتفاوض مع الدولة اللبنانية ومصرف لبنان والمصارف التجارية، شرط التوصل إلى مقررات تنفيذية وليس حبرا على ورق كما هو حال كل مقررات الدولة، واقتراحنا كجمعية واضح وضوح الشمس، ألا وهو تقسيط الودائع لفترة زمنية مقبولة، مع ضمان حصول كل المودعين على كامل أموالهم».

كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، نسيب غبريل

 

موظفو المصارف يدفعون الثمن

وفي ظل هذا المسلسل البوليسي، يدفع موظفو المصارف الثمن، إذ وضعوا بمواجهة عدد من المودعين الذين لم يجدوا أمامهم سوى استرداد حقوقهم بالقوة بعدما انتظروا ثلاث سنوات أن تعيد الدولة حقوقهم، وأن تدفع المصارف أموالهم التي احتجزتها من دون مسوغ قانوني، لكن حتى الحلول التي تجري مناقشتها بين الحين والآخر كقانون «الكابيتال كونترول»، ليست في صالحهم.

من جهته رأى كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، نسيب غبريل، في حديث لـ«المجلة»، أن كل ما وصل إليه لبنان اليوم، سببه التأخر والتلكؤ في بدء العملية الإصلاحية وتطبيق الإجراءات اللازمة، للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية وبدء استعادة الثقة وإعادة تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان.

 

خسائر المصارف

وقال غبريل إن ما يحصل من اقتحامات أفقد المصارف اللبنانية ثقة الناس والمودعين وكبدها خسائر فادحة، إما في محفظة سندات اليوروبوندز أو في مراكز القطع بالعملات الأجنبية أو لناحية تسديد قروض دولارية بالليرة اللبنانية المتهاوية، كما أنها لن تتمكن من العودة إلى عملها الطبيعي بتمويل الاقتصاد، حيث بات عملها يقتصر على سحب الودائع، مؤكدا أن المودعين والموظفين أصبحوا في خندق واحد يعانون من تلكؤ ومماطلة وإهمال عمره ثلاث سنوات، فالأزمة ليست وليدة اللحظة إنما اندلعت منذ 2019، ومنذ ذلك الوقت لم يتخذ إجراء يتيم يلجم الانهيار واستعادة الثقة وإعادة تدفق الأموال للبنان، وبالتالي ما يجري اليوم هو نتيجة للامبالاة، والخروج من هذا الوضع يتطلب إرادة سياسية وبرنامجا عنوانه العريض استعادة الثقة».

وأكد غبريل على أن الأسباب التي أدت إلى ما وصلنا إليه اليوم ليست تقنية كما يتوهم البعض، بل هي نتيجة الخيارات السيئة للدولة، ولعل أبرزها سوء استخدام السلطة السياسية على مدى سنوات منذ مارس (آذار) 2013 وسبتمبر (أيلول) 2021 حيث توالت على الحكم في فترة 8 سنوات ونصف السنة، حكومات لم تستطع العمل سوى خلال فترة سنتين و8 أشهر بسبب التعطيل والفراغ، وهذا كان له تداعيات على الثقة وتصنيف لبنان الائتماني إضافة إلى تأجيل الإصلاحات، ما تسبّب بكلفة عالية على الاقتصاد، ونحن اليوم ندفع الثمن، هذا فضلاً عن سوء استخدام القطاع العام، وسوء إدارة الأزمة مع عدم إقرار موازنات واحترام للمهل الدستورية.

وعن سعر الصرف، أكد غبريل أن موضوع سعر الصرف هو في السوق الموازية وهو نتيجة التراجع الحاد للسيولة والأموال بالعملة الصعبة، مشدداً على أن هذه السوق غير مقوننة وغير شفافة، وبالتالي يتحكم فيها المضاربون والمستفيدون، مشيراً إلى أن تجار الأزمات سيعمدون إلى استغلال ما جرى في اليومين الماضيين وإضراب القطاع المصرفي للعب بالسعر لمصلحتهم وزيادة أرباحهم.

المتخصصة بالاقتصاد النقدي ليال منصور

ولكن ماذا عن التداعيات السلبية لعمليات اقتحام المصارف؟

الأستاذة الجامعية المتخصصة بالاقتصاد النقدي ليال منصور، أكدت على أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها المصارف مؤخرا ليست السبب الرئيسي وراء الارتفاع الكبير لسعر صرف الدولار.

وأشارت إلى أن «موجة الاقتحامات ترتبط بالمؤشرات الاجتماعية والنفسية، وهي قد تسرّع من وتيرة الانهيار إلا أنها ليست المسبب الرئيسي، لأن مسار الدولار تصاعدي بغض النظر عن كل ما يجري، إن فتحت المصارف أبوابها أم أغلقتها».

ولفتت إلى أن «إقفال المصارف من شأنه أن يبطئ تحليق سعر صرف الدولار بالسوق السوداء وليس العكس، مضيفة أنه رغم أن الدولار وصل إلى حاجز الـ39 ألف ليرة قبل يومين إلا أنه يشق طريقه صعودا بوتيرة بطيئة».

 

زعزعة الثقة في النظام المصرفي

وعن تداعيات موجة اقتحامات المصارف، رأت منصور أن لها تداعيات إيجابية على الصعيد الفردي بالنسبة للأشخاص الذين استطاعوا استعادة ودائعهم أو جزء منها بقوة السلاح، إلا أن لها تداعيات سلبية كبيرة على القطاع المصرفي الذي يعتبر واجهة الدولة، وبالتالي فإن استرداد الودائع بالقوة وتحت سطوة السلاح يزعزع الثقة في هذا النظام»، مضيفة أنه «مخطئ من يعوّل على أن الثقة بقطاع بالمصارف سوف تعود بمجرد عقد الاتفاق مع الـIMF».

وشددت على أن «كل ما يحدث يؤدي إلى تداعيات سلبية كبيرة على الاقتصاد كعامل الثقة والاستثمارات المستقبلية».

 

نتيجة طبيعية لفشل السلطات

ولكن من جهة ثانية، رأت منصور أن ما يجري من مسلسل اقتحامات نتيجة طبيعية لفشل السلطات المعنية في وقف الانهيار وإيجاد الحلول للأزمة المصرفية تضمن استعادة المودعين لجنى عمرهم، فضلا عن وقوف القضاء موقف المتفرج بعد ثلاث سنوات على الأزمة وبالتالي لا يمكن جلد المودع الذي يلجأ إلى منطق القوة وبغياب القضاء كل فرد أصبح لديه حق من وجهة نظره وهذه هي الفوضى بعينها».

واستبعدت أن تدفع هذه الفوضى التي قد تنجم عن استمرار مسلسل اقتحامات المصارف السلطات إلى الإسراع بتطبيق الخطة الإصلاحية، ورأت منصور أن «السلطة السياسية أثبتت خلال هذه السنوات أنها بارعة في المماطلة وكسب الوقت لأنها بباسطة لا تمتلك الكفاءة اللازمة لإخراج لبنان من هذه الأزمة».

وشددت على أن إعلان جمعية المصارف الإضراب لمدة ثلاثة أيام لا يمكن أن يحل الأزمة أو أن يوقف هذه الظاهرة ويمنع تكرار مثل هذه الحوادث».

 

حلّان لا بديل عنهما

إلى ذلك، أكدت منصور على أن «أي خطة اقتصادية تعوّل على تخفيض سعر الصرف فهي غير واقعية وغير قابلة للتطبيق حتى في الأحلام، فثمة إمكانية لوقف انهيار الليرة وليس خفض سعر الصرف أمام الدولار وهذا هو الفرق». ولفتت إلى أنه «في النموذج اللبناني لا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي من دون وقف انهيار سعر صرف العملة الوطنية، فالحل يبدأ من هذه النقطة عبر (الدولرة الشاملة) أو الـCurrency board».

وشددت على أن «الدولار سيواصل مساره التصاعدي ما دامت السلطات تتغاضى عن تنفيذ الحلول الإصلاحية»، مشيرة إلى أن «أزمة سعر الصرف لا يمكن للاقتصاد الحر أن يقاومها إلا من خلال تغيير نظام سعر الصرف».