آلاف السوريات وأطفالهن ضحايا اللجوء إلى «كتاب الشيخ»

الحرب والهروب من التجنيد الإجباري فاقما الظاهرة
العقود غير المسجلة أثمرت أطفالاً مجهولي النسب (أ.ف.ب)

دمشق: «قبول وإيجاب، وبشاهدي عدل، مع حضور ولي أمر الفتاة»، هذا هو الزواج حسب الشرع الإسلامي، هكذا تتزوج، وتستمر زيجات العديد من الفتيات في سوريا حتى اليوم، دون وجود أي تثبيت لتلك العقود في المحكمة الشرعية بما يحفظ حقوق الزوجة، والزوج، والنسل، وذلك إما بسبب زيجات الحرب في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري آنذاك، أو فرار الشاب من تسجيل الزواج إما هرباً من الخدمة العسكرية الإلزامية، أو هرباً من المسؤولية أمام الفتاة التي تزوجها، مما دفع المشرع السوري، للحد من هذه العقود. وحسب المادة (469) من قانون العقوبات، تجريم ومعاقبة كل من يعقد زواجا خارج المحكمة المختصة وتغريمه مالياً، وعلى الرغم من ذلك القانون إلا أن العقد العرفي، أو ما يعرف بـ«كتاب الشيخ» في سوريا، ما زال يعقد حتى اليوم دون أي حد من هذا العقد على اعتبار أنه عرف وأصل في أي زواج.

كأن شيئاً لم يكن
في الحديث عن الزواج العرفي، أو ما يسمى الزواج خارج المحكمة، تروي ياسمين محمد والتي تبلغ 26 عاماً قصتها لـ«المجلة» تقول: «لقد أحببته وذلك في عام 2017، قررنا الزواج، وتقدم لخطبتي، لكننا لم نستطع تثبيت الزواج في المحكمة الشرعية، فهو كان مطلوبا للخدمة الإلزامية، وحينها كان الوضع في البلاد سيئا جداً، وأنا لم تكن لدي مشكلة، أولاً لأنني أحبه، وثانياً لأنني لم أكن أعلم ما هي تبعات عدم تثبيت العقد، وبعد زواجنا بأشهر وقع الحمل، وأنجبت طفلي، وحينها كان يجب تسجيل الولد، وبالتالي تثبيت الزواج أولاً، ووقعت في حيرة من أمري إما خسارة ابني لأبيه، أو خسارة ابني المؤقتة وعدم تسجيله ريثما نجد حلاً، فاخترت الثانية، لكنها لم تكن مؤقتة، فبعد ستة أشهر من ولادة ابني، أصيب بمرض وتوفي، ولم نسجله، وكأنه لم يولد أصلاً أو أنه كان موجوداً، وكأن شيئاً لم يكن»، وتتابع ياسمين: «حينها قررت تثبيت الزواج مهما كان الثمن الذي سوف أدفعه، وبالفعل ثبتنا العقد بالمحكمة الشرعية، وأنجبت طفلاً آخر، وسجلته، وزوجي التحق بالخدمة، ولم يمت، أو يُفقد كغيره، لكن ابني وحده هو من خسر وجوده في هذه المعركة».

الزواج خارج المحكمة كأنه لم يكن (أ.ف.ب)

ماذا يقول القانون؟
«إذا كان زواج الشيخ، أو ما يعرف بالزواج العرفي، أو خارج المحكمة معترفاً به، فقد منع القانون السوري هذا الزواج، وحصره بالمحكمة الشرعية حكماً، وأن عقوبة عقود الزواج خارج المحكمة تشمل كل من (نظم عقد الزواج والمتعاقدين وممثليهم ووكلائهم والشهود بما في ذلك. المحامون ورجال الدين، وقد تشدد المشرع في تجريم تلك الظاهرة، بسبب ما أفرزته الحرب في سوريا من أطفال مجهولي النسب» هذا ما أوضح به المحامي السوري كمال سلمان لإحدى الوسائل الإعلامية، إلا أن المحامي السوري عاطف جاويش أوضح لـ«المجلة» مشكلة عقود الزواج خارج المحكمة، يقول: «في عقود الزواج التي تتم خارج المحكمة المختصة، فإن المشرع لم يعاقب على العقد بل على العاقد، وقد كان الشيوخ في السابق يحررون العقد ورقياً، لكن اليوم لم يعد هناك أي تحرير، لكن العقد الذي يعقده الشيخ بحضور الشاهدين، وولي أمر الزوجة، والزوج، ما زال مستمرا، خصوصاً في الأرياف، لكن للحد من ظاهرة العقود خارج المحكمة، والتي بسببها أثناء الأزمة كان هناك العديد من الزوجات اللاتي فقدن أزواجهن دون أن تعرف من هو، خصوصا في المناطق التي كانت الخارجة عن سيطرة النظام السوري، لذلك تم التعديل على القانون السوري في المادة رقم (469) من قانون العقوبات، حيث يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من 50 إلى 100 ألف ليرة سورية كل من يعقد زواج قاصر بكر خارج المحكمة المختصة دون موافقة من له ولاية على القاصر، ويعاقب بالغرامة من 25 إلى 50 ألف ليرة سورية كل من يعقد زواج قاصر بكر خارج المحكمة المختصة بموافقة ولي الأمر، ويعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة من 50 إلى 100 ألف ليرة كل من يعقد زواج امرأة خارج المحكمة المختصة قبل انقضاء عدتها أو دون توفر شروط الشهادة المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية، ويعاقب بالغرامة من 10 إلى 20 ألف ليرة سورية كل من يعقد زواجا خارج المحكمة المختصة قبل إتمام المعاملات المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية».


«كتاب الشيخ» هو الأصل شرعاً
الأساس في الزواج حسبما قاله المحامي عاطف لـ«المجلة» هو أن «يضع الشاب يده بيد والد الفتاة بحضور شاهدين وحدوث الإيجاب والقبول، وهذا هو أصل الزواج من بداية التشريع الإسلامي وهو إيجاب وقبول، وبشاهدي عدل، وبموافقة الولي، وهذا العقد المعترف به شرعاً، ولا يمكن لأي قانون الخروج عنه»، وعن رأي الشيوخ في سوريا بعقد الزواج خارج المحكمة، يقول رجل دين ومؤذن في أحد جوامع دمشق رفض ذكر اسمه لـ«المجلة»: «إن كتاب الشيخ هو الأصل، والقانون أخطأ في التدخل بالنواحي الشرعية، ولا يجوز ذلك، فالكتاب اللفظي هو الأصل، ولم نسمع بيوم من الأيام أن هناك شخصا تم توقيفه لأنه عقد زواجا خارج المحكمة، لكن الهدف من هذا المنع هو الحد من الزواج خارج المحكمة، نتيجة أننا عند خروجنا من الحرب السورية، كان هناك آلاف الزيجات التي تمت في مناطق خارج سيطرة النظام، وبالتالي عمل العديد من رجال القضاء على تثبيت هذه العقود وغالبها دون معرفة الزوج، نتيجة إما اختفاؤه أو هروبه أو عدم معرفة اسمه الحقيقي، وذلك بسبب تعدد الشخصيات التي دخلت إلى سوريا»، وعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر المحامي عاطف جاويش في سياق تعدد الشخصيات المجهولة التي دخلت لسوريا أثناء الحرب أن «إحدى الفتيات كانت متزوجة من شخص اسمه أبو يوسف اليمني لكن من هو أبو يوسف اليمني، وبالتالي تم تثبيته من أجل حفظ الأنساب، ونسب الولد لأمه حسب قانون الأحوال المدنية، وأصبح مكتوم القيد». ويضيف رأيه في ذلك قائلاً: «لكن هذه الحالة لا يمكن أن تعمم على اعتبار أنها حدثت في ظروف خاصة، وأن يتم إلغاء العقد الذي يتم عقده خارج المحكمة فقط بسبب حوادث الحرب».

أمر واقع
يسرا عبدو، هي حالة أخرى من حالات الزواج العرفي، أو زواج الشيوخ، أو زواج خارج المحكمة، تتحدث لـ«المجلة» عما حصل لها فتقول: «تزوجنا عام 2016، وطبعاً كان كتاب شيخ فقط، أي شهود وأبي وأنا وفراس زوجي، لكن حين قررنا تثبيت الزواج قبل الزفاف، كان الوضع سيئا جداً في سوريا، فكنا نقطن في مخيم اليرموك، ولم يكن بإمكاننا الخروج للمحكمة الشرعية وتثبيت العقد، فاقترح والدي عدم التأجيل، وأن التثبيت يحصل عندما يكون ذلك متاحا، وبالفعل تزوجنا، وبعد عامين استطعنا الخروج من المخيم، لكن زوجي حينها رفض تثبيت الزواج، دون أن يقدم لي أية أعذار، حتى إنه رفض إنجاب الأطفال، وأصبحنا كزواج المتعة فقط، حينها قررت رفع دعوى تثبيت زواج، لكن الشيخ والشهود لم يكونوا على قيد الحياة، ولم يكن هناك إلا أبي، فلم ينجح الأمر في الدعوى، عندها لم يكن أمامي سوى حل وحيد، هو وقوع الحمل ولو بالخداع، وهذا ما حصل، بعد مرور ست سنوات على الزواج، أنجبت طفلتي شوق منذ شهرين، ولم أثبت زواجي حتى الآن، ورفعت دعوى تثبيت زواج، من أجل تسجيل الطفلة، وما زلت منتظرة حتى الآن».

الحرب أسست قواعد اجتماعية جديدة (أ.ف.ب)


 
أسباب اللجوء لكتاب الشيخ
يُعرّف الزواج حسب القانون السوري شرعاً على أنه «عقد يفيد حل استمتاع رجل بامرأة لم يمنع من العقد عليها مانع شرعاً»، وقانوناً «عقد بين رجل و امرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل، وذلك حسب المادة (1) من قانون الأحوال الشخصية السوري، والزواج الرسمي هو الذي لا يتم إلا عن طريق المحكمة الشرعية، والذي يتطلب لإجرائه مجموعة من الوثائق التي نص عليها القانون، أما الزواج العرفي، فهو الذي يكون شفهيا، أو خطيا وفق الصيغة، والشروط الشرعية يعقده شيخ أو غيره (مع ملاحظة عدم وجود مانع شرعي للزواج، وتبادل ألفاظه صراحة بحضور الولي، وشاهدين، وهذا الزواج هو الذي كان سائداً قبل إحداث سجلات الأحوال المدنية، وجاءت تسميته عرفي بشكل طارئ لتمييزه عن الرسمي المستحدث، والذي أوجد للتوثيق، وحفظ حقوق الزوجين، وعدم ضياع الأنساب»، والمحامي السوري ليث عاقل يقول لـ«المجلة» إن «الزواج العرفي يتناسب عكسياً مع زيادة الوعي لذلك فهو أقل ما يكون في المدن وأكثر ما يكون في الأرياف والقبائل، والأسر المتنقلة، واللجوء إليه يكون إما ظناً أنه الأكثر شرعية بسبب عقده من شيخ، والحقيقة خلاف ذلك، وإما لاستسهاله للسرعة مثلاً أو لسرية أحد الزوجين، أو لعدم الحصول على موافقة التجنيد، أو لبعد دائرة الأحوال المدنية التابعين لها، وبالنسبة لموافقة شعبة التجنيد فقد نصت المادة 84 من خدمة العلم على أنه لا يسمح بزواج من سيكلف بخدمة العلم إلا إذا تم تسجيل عقد الزواج لدى دوائر الأحوال المدنية قبل ستة أشهر من دخوله سن التكليف، وبالتالي فإن أهم أسباب الزواج العرفي بالنسبة للسوريين هو سن التكليف وعدم تأدية خدمة العلم وبالدرجة الثانية عدم وجود قيود لأحد الزوجين في السجل المدني.

إحصائيات عامة
القاضي الشرعي الثالث في دمشق خالد جندية أوضح أن «حالات الزواج متقاربة من حيث الإحصائيات لا سيما في السنوات الثلاث الأخيرة. حيث وصلت حالات الزواج في المحاكم الشرعية السورية عام 2019 إلى نحو 30 ألف حالة زواج، فيما انخفضت عام 2020 إلى 26 ألفاً، لترتفع من جديد في عام 2021 إلى 29 ألف حالة، وذلك حسبما صرّح به القاضي الشرعي الثالث في دمشق خالد جندية، لكن تلك الإحصائيات لم توضح عدد عقود الزواج التي تم تثبيتها من أجل تسجيل مكتومي القيد.