عمائم طهران وإعجاب الأميركان

راج مؤخرا في العديد من وسائل التواصل الاجتماعي فيديو يتضمن مقطعا مقتضبا من كلمة للرئيس الأميركي جو بايدن يعلن فيها أنه يجهل كثيرا عن الدين الإسلامي، وأنه وظف أستاذا متخصصا في الدراسات الإسلامية لكي يساعده على فهم مبادئ هذه الديانة، مبديا في سياق حديثه، وبأسلوب غير مباشر رأيا إيجابيا يتضمن إعجابه بفكرة الإمام المهدي المنتظر.

ولا شك أن هذا الأستاذ المتخصص قد أفاد الرئيس بايدن بأن كلا من فكرة الإمام المهدي المنتظر الذي يقال إنه الإمام محمد بن الحسن العسكري، وفكرة رجوعه إلى الأرض بعد غيبتيه: الصغرى التي لم يعد بعدها، ثم الكبرى المستمرة لحد الآن، تمثلان ركائز أساسية في المذهب الشيعي الاثنا عشري الذي تتبناه جمهورية إيران الإسلامية مذهبا رسميا لها، ويؤمن بها شيعة لبنان على اختلاف لافتاتهم السياسية، وأغلبية شيعة العراق رغم تعدد مراجع التقليد لديهم، بالإضافة إلى الأقليات الشيعية في مختلف بلدان الخليج وأفغانستان وباكستان.

ومن المؤكد أن يكون ذلك الأستاذ قد شرح للرئيس الأميركي بأن أتباع المذاهب السنية، وهم يمثلون أزيد من 85 في المائة من سكان العالم الإسلامي لا يؤمنون بهاتين الفكرتين ويعتبرانهما بدعة، كما أن أوساطا شيعية عديدة متمكنة فقهيا لا تؤمن بها، ومن بينها بعض خريجي الحوزات العلمية في النجف الأشرف أو في مدينة قم، مثلما هو الأمر مع المفكر والأكاديمي احمد الكاتب، الذي لم يتردد في دراسته المستفيضة بعنوان «تطور الفكر السياسي الشيعي.. من الشورى إلى ولاية الفقيه»، في إنكار وجود الإمام المهدي المنتظر، مؤكدا استنادا إلى مراجع كبار الفقهاء الشيعة عبر التاريخ بأن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري قد توفي دون ولد ظاهر له.

وبناء على ما سبق، فليس مستغربا أن يكون الرئيس الأميركي قد علم من أستاذه أيضا أن فقهاء المذهب الشيعي في ظل ما سموه الغيبة الصغرى للإمام قد ابتدعوا نظرية النيابة العامة عنه للاستمرار في الإفتاء لتعبئة شيعة آل البيت، ولتبرير تحصيل نسبة الخُمس من مداخيل الأتباع. وقد تولى هذا الدور في البداية أولئك الذين اعتبروا أنفسهم وكلاء أو سفراء عن الإمام، ثم بعد بلورة فكرة الغيبة الكبرى تحول هؤلاء ومن خلفهم إلى نواب له يتحلون بصفاته باستثناء العصمة، مما يسمح لهم بأن يقوموا مقامه إلى حين عودته.

وفي سياق ما أبداه الرئيس الأميركي من شغف لمعرفة أكبر قدر من المعلومات عن المذهب الشيعي، من البديهي أن يكون قد اطلع على نظرية النيابة العامة والتطورات الكبيرة التي عرفتها وصولا إلى ولاية الفقيه، التي ترتدي في الوقت الراهن صبغة مزدوجة دينية وسياسية في آن واحد مجسدة بشكل كامل في شخص المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي، وإلى حد ما في شخص محمد علي رضا السيستاني في العراق.

ولهذا، وأخذا بعين الاعتبار لحالة الشد والجذب التي تعرفها العلاقات الأميركية الإيرانية، وخاصة فيما يتعلق بالصعوبات التي تعترض وضع آخر اللمسات على الاتفاق المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، فإن حديث الرئيس بايدن عن المهدي المنتظر قد تم تأويله على أنه رسالة اعتراف أميركية ضمنية بالصيغة الثيوقراطية للنظام في طهران موجهة للولي الفقيه، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، على أساس أنه نائب الإمام الغائب «عجل الله فرجه»، وذلك أملا في طمأنته وحثه على تذليل آخر العقبات التي تقف في وجه الوصول إلى الاتفاق المنشود، باعتباره دينيا ودستوريا صاحب القرار النهائي في السياسة الخارجية الإيرانية، والوحيد القادر على اتخاذ خطوة كهذه.

ورغم غياب تأكيد رسمي لهذا التأويل، فإن بعض المراقبين يعزونه إلى ما يسمونه النظرة الإيجابية التي يحملها الرئيس الأميركي عن التشيع، والتي يعتبرونها امتدادا لمشاعر الود والتقدير التي كان يكنها الرئيس الأسبق باراك أوباما للإسلام الشيعي، ولم يكن يخفيها.

والواقع أن الإعجاب الأميركي بالإسلام السياسي في صيغته الشيعية قد تبلور في عهد الرئيس جورج بوش الابن من طرف عدد من مراكز الدراسات والأبحاث، وتبناه عن قناعة عدد من القادة السياسيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ناهيك عن  بعض الأمنيين والعسكريين. وقد جرى على أساس هذه القناعة تقديم العراق بعد غزوه سنة 2003 على طبق من ذهب للميليشيات الشيعية القادمة آنذاك من إيران بعد أن تم تمهيد الطريق لها بحل الجيش العراقي  الذي كان يمكنه أن يواجهها ويمنع تغولها.

وفيما يبدو، فإن الأوساط الشيعية الرسمية السياسية والدينية قد استحسنت إلى حد كبير حديث الرئيس الأميركي بشكل إيجابي عن الإمام المهدي المنتظر، ولكنها امتنعت عن إبداء الرأي فيه أو التعقيب عليه، ومنعت وسائل الإعلام التابعة لها من القيام بذلك، خلافا لما أبدته أوساط سنية متشددة من انتقادات قوية، وصلت إلى حد اعتبار كلام الرئيس بايدن دليلا واضحا على التواطؤ بين الأميركيين  والإيرانيين ضد الإسلام على نهج المذاهب السنية.

في أسئلة وجهتها شخصيا في الفترة التي تلت غزو العراق إلى مصادر دبلوماسية أميركية حول دوافع تفضيل واشنطن للإسلام السياسي الشيعي على نظيره السني علما بأن النسختين الإسلاميتين معا لهما أذرع إرهابية سبق لها أن وجهت ضربات موجعة لمصالح أميركا ولمصالح بعض حلفائها، أجابت تلك المصادر بأن سبب التفضيل يكمن في أن إرهاب الفصائل الشيعية لا يؤذي بيئته الشيعية مطلقا، وجهاز التحكم فيه عن بُعد (Remote Control) موجود في يد واحدة معروف عنوانها، على عكس إرهاب الفصائل السنية المتشددة المجهولة عناوينه، والذي آذى الدول السنية المذهب أكثر من غيرها.