ضرورة الاعتراف الدولي‌ بحق الشعب الإيراني في الدفاع عن النفس

تتجه أنظار العالم منذ أكثر من أسبوع على ثورة الشعب الإيراني، وفي الأسبوع الثاني لنهوض وانتفاض أكثر من 154 مدينة ضد دكتاتورية الملالي بخطوات تقدمية لهذا الجيل الجديد الذي لا يعرف الاستسلام، ويتسع نطاق الانتفاضة والثورة كل يوم من مدينة إلى أخرى، ويُفتح بابٌ لطريق حل نهائي لإنقاذ إيران.

من أجل فهم أبعاد الأعمال والمسؤولية التي يجب تحملها من أجل أن تؤدي إلى السقوط النهائي لدكتاتورية ولاية الفقيه تلك من الضروري أن نتذكر أننا في المرحلة الحالية نواجه ظاهرتين متوازيتين في المشهد السياسي والاجتماعي الإيراني: أرضية الشارع وفضاء الشبكات الافتراضية.

هناك عصيان على أرضية الشارع ومعركة غضب شرسة تجري بالضد تحت أقدام  ديكتاتورية الولاية الاستبدادية، وفي الفضاء الافتراضي أو شبكات التواصل الاجتماعية نرى الأحاديث والكتابة بأنواع مختلفة  من المواقف وطُرق الحلول وردود الفعل حول سياق الأحدث على أرضية الشارع، أو الدفع بجزء منها وإخفاء جزء آخر.

مما لا شك فيه أن لأساليب النضال ضد الجمهورية الإسلامية في أوساط الشعب الإيراني أطيافا وأشكالا مختلفة، فإذا رسمنا جميع المسارات أو طُرق الحلول بالتوازي فسنرى وجها مشتركا في أوساط  بعض المسارات وطُرق الحلول، ووجها مشتركا مختلفا في بعض الأوساط الأخرى، على سبيل المثال الكفاح المدني، والنضال السلبي واللاعنف والاحتجاج السلمي في طيف واحد يقفون بصمود أمام القوات الحكومية ويواجهونها بالمثل،  والنضال العنيف في طيفٍ آخر.

 لا يعد أي من هذه الأطياف وليد الساعة، فمثلا ما جاء في هذه النهضة والثورة الجارية في جمیع المحافظات الإیرانیة البالغ عددها 31، وفي أكثر من 154 مدينة دائما ما يكون لطيفٍ من أنواع المسارات وطرق الحلول المختلفة من أجل إحداث التغيير في كل مجتمع ودائما ما يكون له تاريخ وشهادة مولد، وسواء كان ذلك حقيقة أم لم يكن فإن نفس شهادة الميلاد والتاريخ شواهد إثبات.

النضال المدني، والنضال السلبي، واللاعنف، والاحتجاج السلمي هي طيف من المواجهات والنضال الذي يقبل لأول وهلة وقبل كل شيء السيادة السياسية المطيعة، والتسامح وحقوق المواطنة، والأنشطة  السياسية الحرة والنقدية، وأيضا حرية التعبير والتجمع، ولقد أثبت التاريخ خلفنا بشواهد لأكثر من 43 عامًا أن هذا المسار تم اتباعه بكل قيمة تم دفعها مقابله وطويت من 12 فبراير (شباط) 1979 إلى 20 يونيو (حزيران) 1981 لكن الخميني لم يستسلم له فحسب بل تبعه أيضا نفس المسار شبه الديمقراطي حتى قبل أشهر قليلة من يوم 20 يونيو، وكان الرد بالإهانات والرصاص والسجن، ومنذ ذلك الحين وحتى سنة 2009، وحتى هدير نهضة سنة 2022 هذه في شوارع إيران لم تستجب جمهورية الملالي الإسلامية ولو لخطوة واحدة للمطالب السلمية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى النقابية، ولهذا السبب توصلت جميع شرائح المجتمع الإيراني الناقمة، توصلت بشكل مشترك إلى هذا السؤال: «ماذا يجب علینا أن نفعل؟».

أولئك الأشخاص أو تلك التيارات الذين أدركوا الطبيعة الشريرة والرجعية لسلطة القرون الوسطى هذه من الخميني إلى خامنئي كانوا على يقين من أن الشعب الإيراني بكل تجاربه المريرة في مواجهة هذه السلطة سيخطو خطوة بخطوة ويختار یوم الحسم أي یوم 20 يونیو 1981 لا محالة في التعامل معه، وتُختبر اليوم على أرضية شوارع إيران هذه التجربة التاريخية مرة أخرى بواسطة ثلاثة أجيال بعد 20 يونيو 1981.

  لكننا نشاهد على الفضاء الافتراضي بعض المقاربات والتفسيرات بهدف تغيير موضوع المعركة بين المجتمع الإيراني وسلطة الملالي، وتأتي مساعيهم هذه من خلال امتلاك وسائل الإعلام، ويحاولون عدم تغطية بعض الصور لشوارع المدن الإيرانية، وتغطية بعض ما يدعم نهجهم وتفسيرهم من أجل إقناع جمهورهم بتفسيراتهم الخاصة، ويحاول هذا الطيف الترويج لـ«اللاعنف» ضد الاتجاه السائد على أرضية شوارع المدن الإيرانية والإيحاء بأن السعي لتحقيق حرية رداء النساء كافٍ لمحاربة الجمهورية الإسلامية، عليه فأيا كان ما يغطونه في وسائل الإعلام الخاصة بهم فإنهم يجتازون هذين الفلترين، ومما لا شك فيه أن النتيجة التي سيحصلون عليها من مخرجات وسائل الإعلام هذه هي جعل الحركة على أرضية الشارع ضد دكتاتورية الفقهاء وتحذير جمهورها من الانضمام إلى النضال الوطني بهدف تحديد الوضع النهائي للجمهورية الإسلامية.

مما لا شك فيه أنه إذا أعطت ديكتاتورية الملالي حرية للتغطية، والتزمت عمليا بحرية التجمع، ووافقت على الأنشطة الحرة للنقابات والاتحادات والنقابات العمالية المستقلة، وتعهدت بحرية القلم والتعبير، وسمحت وأعطت ميدانا للمعارضين والنقاد السياسيين فإن ملايين الإيرانيين سيخرجون إلى أرضية الشوارع ويأتون في انتخابات حرة تحت إشراف الأمم المتحدة ويشكلون حكومة وطنية وديمقراطية، ولكن في الوقت الحالي ومع سلطة الحكم الشمولي لنظام ولاية الفقيه هذه وحتى تحقيق ذلك لا يوجد طريق سوى أرضية الشارع ومواجهة الاستبداد الديني العنصري، وإذا حدثت هناك دعوة لانتقال الحد الأقصى المليوني من نظام الملالي من خلال جميع وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية فإن الدعوة للانضمام إلى أحداث أرضية الشوارع تكون في هذه الأيام والأسابيع حيث سيتم وباستمرار فتح الأبواب نحو المستقبل، وسيخرج كل إيراني خارج سلطة حكم الملالي ومن رعيتهم، وتقع هكذا رسالة على عاتقهم الآن.

الشرف السياسي في هذه الأونة، وبعد أسبوعین من الثورة الوطنية هو الالتزام بمتطلبات الدفع بأحداث  الشارع بهدف الارتقاء بها إلى مستوى لحظة الإطاحة النهائية بأبشع قوة رجعية في تاريخ إيران وإنقاذ  حدودنا الهامة.

سجلات تاريخ حياة الأمم والحركات التي سطرت هذه السجلات بمختلف المسارات التي سلكوها للوصول إلى أهدافهم الوطنية والإنسانية سجلت في صفحاتها أن حماية ومناصرة الكرامة والشرف الإنساني والاجتماعي يجب أن تكون معبرة عن الهدف والغاية النهائيين لنضالهم، ولتحقيقه يجب دفع ثمن وكلفة مسارهم من البداية إلى النهاية.

وأحد هذه السجلات ما تركه المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا الزعيمان الوطنيان الراحلان للهند وجنوب أفريقيا، وقد وُضِعَت هذه السجلات تحت أقدام الأجيال البشرية حتى تتمكن الأجيال من وضع تجاربهم على المحك  مع معايير هذه السجلات من أجل الخلاص الفردي والاجتماعي:

المهاتما غاندي: «أعتقد أنه عندما يتعين علينا الاختيار بين اللجوء إلى العنف من جهة والابتعاد عن الخوف من جهة أخرى فإنه يجب علينا بالتأكيد أن نختار اللجوء إلى العنف».

نيلسون مانديلا: «المقاومة اللاعنفية لا تكون فعالة إلا إذا كان خصمك مخلصا لنفس القواعد، ولكن إذا قوبل الاحتجاج السلمي بالعنف فستنتهي آثاره وفاعليته، وبالنسبة لي فإن النضال اللاعنفي ليس فضيلة أخلاقية بل هو استراتيجية، ولكن لا وجود لأي قيمة أخلاقية في استخدامِ سلاحٍ غير فعال!».

كما اعترف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالحق في الدفاع عن النفس... فعلی المجتمع الدولي الوقوف بجانب الشعب الإیراني ومقاومته الباسلة لنيل الحرية والديمقراطية والاعتراف بحق الشعب الإيراني في الدفاع عن نفسه بأي وسيلة ممكنة للإطاحة والتغییر بهذا النظام الدموي.

 

* عضو في المجلس الوطني للمقاومة الإیرانیة