نساء يواجهن الملالي

ليس هناك شيء يجري في العالم اليوم أهم من تحدي النساء الإيرانيات لذكورية وديكتاتورية وإجرام الملالي على خلفية وفاة أو قتل الفتاة مهسا أميني البالغة من العمر 22 عاما والتي تعرضت للضرب المبرح من قبل شرطة الأخلاق لإظهارها «الكثير من الشعر». هذه المواجهة بين النساء الإيرانيات حصدت أكثر من 100 ضحية حسب الأنباء غير الرسمية ودفعت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى قطع البلاد عن شبكة الإنترنت وإعطاء القوى الأمنية الأوامر بقمع هذا التمرد.

 

هذه ليست المرة الأولى التي تحصل انتفاضة على هذا المستوى في إيران وليست المرة الأولى التي لا يقدم الغرب إلا بعض الدعم المعنوي واللفظي على شاكلة «كلنا مهسا» وما شابه، إضافة إلى  تصريحات خجولة رسمية ليس لها أي تأثير على واقع الأرض. حتى تبرع إيلون ماسك بإيصال إيران بشبكته، وهو أمر من دونه صعوبات تقنية تجعل من هذا الإعلان مجرد استعراض لا ترجمة عملية له.

 

ففي عام 2009 قامت الثورة الخضراء وشاهد العالم شجاعة الإيرانيين في تحديهم تزوير الملالي للانتخابات الرئاسية وإعلان فوز محمود أحمدي نجاد على مرشح المعارضة حسين مير موسوي، ما دفع القبضة الأمنية إلى البطش بعشرات المتظاهرين السلميين وتوقيف المئات منهم منعا لأي «تجاوز لمبادئ الثورة» على حد تعبير مساعد الشؤون السياسية في الحرس الثوري الإيراني العميد يد الله جواني وقتها.

الإدارة الأميركية اتهمت زورا من قبل النظام الإيراني بإشعال الثورة في حين أنها لم تلحظها قطعا إلا متأخرة وتناولتها بتصاريح حمّالة أوجه فالرئيس أوباما قلل من أهمية احتمالية التغيير الحقيقي في بداية الانتفاضة، معللا موقفه بنوعية المرشحين الذين يخاطر مئات الآلاف من الإيرانيين بحياتهم من أجل دعمهم إذ اعتبر أنهم لا يمثلون تغييرًا جوهريًا. وعندما تأكد أن الحرس الثوري عاد وفرض سيطرته على الشارع لم يستطع الاعتراف بأن الانتخابات سُرقت، وقال: «العالم يراقب ويستلهم مشاركة الشعب الإيراني، بغض النظر عن النتيجة النهائية للانتخابات»، إنه وببساطة كان يعمل خلف الكواليس على الاتفاق النووي مع هذا النظام تحديدا الذي كان يقتل شعبه ويزور الانتخابات.

اليوم وبالرغم من التصريحات المتقدمة التي يطلقها المسؤولون الأميركيون كوزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي دعا الحكومة الإيرانية إلى «إنهاء اضطهادها الممنهج للنساء والسماح بالاحتجاج السلمي»، لا يبدو أن إدارة بايدن جادة في دعم «النساء الثائرات»، فكان بإمكان تلك الإدارة الانسحاب من المفاوضات غير المباشرة التي تجري في فيينا  حول إعادة العمل بالاتفاق النووي في ظل عملية القتل الممنهج للمتظاهرين. هذا لم يحدث وما  زال روبرت مالي كبير المفاوضين يراهن على الوصول إلى اتفاق ما.

للأسف ليس هناك مجال للمقارنة بين ردة فعل إدارة بايدن على اجتياح روسيا لأوكرانيا وقتل النظام الإيراني لشعبه. ففي الأولى تعلن إدارة بايدن أنها «ستقدم 457.5 مليون دولار إضافية كمساعدة أمنية مدنية لإنقاذ الأرواح وتعزيز قدرة شركائنا الأوكرانيين في إنفاذ القانون والعدالة الجنائية». وفي الثانية هي فقط تطلب من النظام الإيراني «إنهاء الاضطهاد» وتسمح لإبراهيم رئيسي المتهم بالتعذيب والقتل من خلال الإعدامات الجماعية لمعارضين في 1988عندما كان عضوا في «لجنة الموت» بصفته مساعدا للمدعي العام لمحافظة طهران بالتجول حرا في شوارع نيويورك.

الإيرانيات والإيرانيون يواجهون وحدهم باللحم الحي ومن دون أي دعم مادي من أحد آلة قتل لا ترحم، وهم ضحية هذا النظام طبعا ولكن أيضا ضحية آيديولوجيا البيت الأبيض المستجدة لدى الديمقراطيين مع أوباما وبايدن، والتي تعمل لإنشاء نظام شرق أوسطي جديد وفي قلبه هذا النظام الإيراني تحديدا.