وزير الاقتصاد السابق رائد خوري: الحكومة استعملت أموال المودعين لمصلحة المحتكرين والمهربين

قال لـ«المجلة» إنّ الدولة بدّدت احتياطي مصرف لبنان
رائد خوري

بيروت: كان وزير الاقتصاد الأسبق رائد خوري من أوائل المحذّرين عن الانهيار الشامل في لبنان، ففي إحدى جلسات مجلس الوزراء في الحكومة الأولى من عهد الرئيس ميشال عون، حذر خوري الجميع من أنّ الانهيار آتٍ لا محالة.. لكنّ أحداً من الوزراء في ذلك الحين لم يصدّقه كونه آت من عالم المصارف وخبرتهفي عالم السياسةاللبنانية لاتزال ضعيفة، فهو قبل توزيره كان شريكاً مؤسساً في «سيدروس بنك»، ومديراً في «مؤسسة باركليز ويلث»، حيث كان مسؤولاً عن فريق من المصرفيين الذين يغطون منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ويشرفون بشكل رئيسي على دول الخليج ويديرون محفظة مالية كبيرة.

كما تولى منصب المدير الإقليمي لـ«بنك عوده سرادار»، وكان عضواً في لجان الإدارة والاستثمار في البنك، ولم يظهر سياسياً رغم قربه من الرئيس عون ومن كريمته ميراي المستشارة في سيدروس بنك، وقد تم تعيينه وزيراً للاقتصاد والتجارة كونه مصرفياً ناجحاً ومحسوباً على التيار الوطني الحر.

في العام 2019 حدث ما توقعه خوري في العام 2016 حيث بدأ الانهيار في البلد وتعرض القطاع المصرفي لهزة قوية، تفاقمت بعد اندلاع الثورة واستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وتشكيل حكومة من لون واحد برئاسة الأستاذ الجامعي حسان دياب، الذي فور تسلمه مهامه ضرب القطاع المصرفي ومصرف لبنان والاقتصاد ككل بعدما تبني هو وحكومته آراء المستشارين المحيطين برئيس الجمهورية وبه شخصياً،  بعدم سداد الدين لأول مرة بتاريخ لبنان رغم معارضة حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف والهيئات الاقتصادية، نظراً لخطورة هذا القرار على القطاع المصرفي وعلى العملة الوطنية وإعلامه بأنّ تكلفة عدم السداد ستكون أعلى من تكلفة سداده.

الحديث مع الوزير رائد خوري مشوق ومفيد نظراً لجرأته وصراحته وبعد نظره في كافة الأمور المالية والمصرفية والاقتصادية، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه الصفات هي التي دفعت الفريق السياسي الذي اختاره في أول حكومة شكلت في «العهد القوي»إلى استبداله في الحكومة الثانية للمجيء بأشخاص ينفذون الأوامر والتعليمات التي تتناسب مع مصالحهم وليس مصلحة لبنان، ولا يدلون بآراء خارجة عن آراء سيد العهد وتياره السياسي وهذا ما سيظهره هذا الحوار الخاص مع «المجلة»...

 

* كونك وزير اقتصاد سابقا ومصرفيا مخضرما، كيف تنظر إلى واقع البلد اليوم من كل الجوانببعد الانهيار الذي حصل؟

- الواضح أن إدارة الأزمة  كانت عاطلة جداً، والدليل على صحة هذا الكلام أننا استنزفنا احتياطي مصرف لبنان المركزي الذي كان يقدر بحوالي 35 مليار دولار، فأصبح اليوم تحت 10 مليارات. والمؤسف أنّ هذه الأموال صرفت على الدعم عوض أن تذهب إلى إصلاحات بنيوية مثل الكهرباء والبنى التحتية في البلد والتي كانت لا تتجاوز كلفتها 4 مليارات دولار ولكنها مفيدة وتحرك العجلة الاقتصادية، الدولة لم تقم بأي إصلاحات مطلوبة وملحة، بل استمرت في سياسة الإنكار وشراء الوقت، وحتى الخطط الحكومية التي يجب أن تقدم إلى صندوق النقد الدولي غير قابلة للحياة، لأنها ترتكز على شطب أموال المودعين من دون وجه حق، مع أن الدولة لديها إمكانات ضخمة ولديها أملاك وممتلكات تساعدها على إعادة الجزء الأكبر من أموال المودعين التي صرفتها من دون وجه حق وضد المنطق وضد القانون والعدالة الاجتماعية.

 

* تسلمت وزارة الاقتصاد في بداية عهد الرئيس ميشال عون وكما نعلم أنك قدمت دراسة تحذر من خطورة الوضع الاقتصادي والمالي، لكن هذه الدراسة مع دراسة ماكنزي أهملت لماذا؟ وهل هي سبب خروجك من الوزارة؟

- ملامح الأزمة كانت ظاهرة والتقارير التي كانت تصدر عن الاقتصاد اللبناني كانت تشير إلى أنّنا قادمون على أزمة خلال السنوات الثلاث المقبلة، وحتى الدراسة التي وضعتها شركة ماكنزي أشارت إلى ذلك وحددت الأمور الواجب تنفيذها على كل الصعد، لكن للأسف لا أحد يريد أن يسمع أو أن يعمل والكل يردد أننا نعيش منذ أكثرمن عقدين على هذا المنوال ولم تحصل أي أزمة فلماذا اليوم، الجميع كان يعمل على شراء الوقت ولم يحاول القيام بأي إجراء لمنع حصول أزمة أو على الأقل تخفيف المخاطر إذا حصلت، وحتى حين اندلعت الأزمة لم يعمل ولم يرد أي مسؤول أن يدير هذه الأزمة وتطويق ذيولها، بل العكس انهالت الاتهامات على مصرف لبنان والقطاع المصرفي بالتسبب في هذه الأزمة، لأوّل مرة أسمع أن من يقترض المال يلوم ويشتم من أقرضه، فهذا التصرف غير أخلاقي وهو أشبه بتصرف الميليشيات، هناك مثل يقول: «إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا»..الدولة خالفت كل القواعد، وباعتقادي أن تصرفها بهذا الشكل لم يكن يحصل لو لم تكن هناك جهة ما تشجعها وتدعمها. أنا أفهم أن يتصرف ثائر بهذا الشكل فيهاجم المصارف أو مصرف لبنان للحصول على وديعته ولكن أن تقوم الدولة بهذا الأمر وتحرض الناس على المصارف وعلى مصرف لبنان، وهي التي أدارت احتياطي المصرف الذي هو أموال المودعين فهذا العمل مستغرب ومستنكر وهو بقمة الوقاحة.

 

* أعلنتم قبل فترة أن الطبقة السياسية بددت أكثر من 20 مليار دولار من أموال المودعين كيف تم ذلك ومن يحاسب هذه الطبقة؟

- طبعا بددت الدولة الأموال وذلك عبر ثلاثة أمور، أولاً استنزاف الاحتياط، ثانياً، لم تطبق الكابيتال كنترول بعد تخلفها عن دفع مستحقات اليوروبوند كي تحفظ الأموال النقدية في البلاد إلى حين حل الأزمة، ثالثاً لم يصدر قانون عن مجلس النواب يحدد أن المصارف التي أقرضت القطاع الخاص بالدولار يجب رد تلك الديون بالفريش دولار، إذ كانت هذه القروض ترد إما بالليرة اللبنانية على سعر 1500، وإما من خلال شيك مصرفي.بالنتيجة، هذه الأموال لم ترد إلى أصحابها أي المودعين، خصوصاً أنّ قيمة القروض التي أعطاها القطاع المصرفي كانت نحو 55 مليارا أعيدت بنسبة 35 مليارا لكن ليس بالأموال الفريش. وبالتالي المقترض من المصارف هو الذي ربح على حساب المودع، وكل المخالفات الحاصلة سببها تقصير الدولة اللبنانية التي لم تقم بواجباتها ومجلس النواب الذي لم يضع القوانين المناسبة للمرحلة الراهنة.

 

* نسمع بين الحين والآخر عن روابط وجمعيات تدعي أنها تمثل المودعين في المصارف وتتحدث باسمهم، وحسب معلوماتنا فإنّ معظم هؤلاء لا يمثلون المودعين بل يمثلون جهات سياسية معروفة هل توافق على هذا القول؟

- بعض الجمعيات تضم بعض المتضررين فعلاً ولديهم حقوق، في حين أنّه توجد جمعيات أخرى لا تمثل أحداً. إنما الأكثرية غير صادقين ولديهم أجندات معينة يتحركون وفقها ومعروف من هي الجهة التي تمولهم وتحركهم، وعلى القوى الأمنية أن تتحرك وتقوم بدورها تجاه هؤلاء لأنّ الجهة المحرضة معروفة وفي القانون المحرض يعاقب أكثر من المنفذ.

 

* هناك من يتهم نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي بأنه يؤيد وجهة نظر صندوق النقد الدولي على حساب القطاع المصرفي ومصارف لبنان، وهو حاول تبرئة الدولة وتوزيع الخسائر على المركزي والمصارف والمودعين كيف تنظر إلى هذا الاتهام؟

- المشكل الأساسي مع صندوق النقد الدولي هو أن التفاوض معه لا يسير وفق الشكل الذي يجب أن يكون عليه، أي لا يجوز أن يكون كلاسيكيا والسبب أن صندوق النقد هو مؤسسة كبيرة جدا وفيها بيروقراطية، ويطبقون الأسلوب المتبع مع كل الدول التي تعرضت للإفلاس بالتفاوض مع لبنان، وهنا دور المفاوض اللبناني الذي عليه أن يقول إنّ وضع لبنان مختلف عن غيره من الدول التي انهارت وانهار اقتصادها، وأن الحلول يجب أن تكون أيضا مختلفة وذلك ضمن الإطار المناسب للصندوق.

 

* يلاحظ أن العديد من النواب يتحدثون عبر وسائل الإعلام على ضرورة حماية أموال المودعين، وفي مناقشات اللجان النيابية يتحدثون العكس ويعرقلون إقرار هذا المشروع..

- هذه مواقف شعبوية اعتدنا عليها، الكلام في الإعلام شيء وفي اجتماعات اللجان شيء آخر، مع أن المطلوب من السادة النواب هو ثلاثة أمور: أولاً إقرار قانون الكابيتال كونترول ثانياً عدم المس باحتياطي مصرف لبنان، لأنّ هذا الاحتياطي ليس ملكهم، بل هو ملك الناس، ثالثاً إقرار قانون ينص على أنّ من استدان بالدولار يجب أن يرد دينه بالفريش دولار، وحين يتم إقرار هذه القوانين يتم الحفاظ على أموال المودعين لأن الحفاظ على هذه الأموال لا يتم بالتصريحات والخطابات الشعبوية اليومية، وهنا أود أن أقول للنواب التغييريين بدلا من أن تحرضول الناس على اقتحام ومهاجمة المصارف، اطلبوا منهم التوجه إلى منازل المسؤولين أو السلطة الحاكمة التي تسببت بالمشكلة التي يعاني منها الجميع.

 

* هل هناك أسباب مصرفية أو سياسية تحول دون صدور مشروع قانون الكابيتال كونترول؟

- لا أعرف ما الأسباب، ما أعرفه وأطالب به السادة النواب العمل لإقرار القانون وعدم التذرع بأن هناك بعض المصارف لا تريد إقرار قانون الكابيتال كونترول، هذا الكلام غير منطقي لأن المصارف ليست هي المخولة بإقرار القوانين بصرف النظر عمن يريد أو لا يريد هذا القانون، لأن الهدف من إقرار هذا القانون هو المحافظة على ما تبقّى من عملة صعبة في البلد، إذ ثمّة جزء كبير من هذه الأموال صُرِف خلال السنوات الثلاث الماضية لا سيما على الدعم، وبطُرق غير منظمة وغير عادلة. وساهم مجلس النواب بتغاضيه عن إقرار القانون بالسماح بحرية تحريك الأموال داخل لبنان وخارجه، ما دفعَ ببعض أصحاب المصارف إلى التعاطي بالأفضلية مع بعض المودعين، تارةً بحُكم الضرورة وحسن النية كالحالات المرضية أو حالات التعليم في الخارج، وطوراً بتحويل بعض أموال النافذين والسياسيين، ويقال إن قيمة هذه الأموال تفوق 5 مليارات دولار.

 

* من هي الجهة الصالحة لإتمام عملية هيكلة القطاع المصرفي؟

- مصرف لبنان هو المؤهل للقيام بهذه العملية لأنّه سلطة الوصاية على القطاع المصرفي، وهو الذي يعرف كيف تتم هذه العملية، عملية الهيكلة يجب أن تتم مع أنّها ليست الحل الكامل للأزمة. فالحل يكون بأن تتوقف الدولة عن تصرفاتها وتفرض على مصرف لبنان أن يقرضها المال الذي هو مال المودعين، لذلك أقول إنّ عملية الهيكلة ليست الحل الكامل بل معالجة الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الأزمة حتى لا نقع في المشكلة ذاتها من جديد.

 

* هل هناك جهة ما أو دولة تسعى أو تعمل على إنهاء دور لبنان في المنطقة للاستيلاء على دوره وثروته؟

 - قد يكون نعم وقد يكون لا، لكن الأهم نحن كشعب لبناني علينا أن نعمل سوياً لمصلحة بلدنا لمنع ووقف هذه المؤامرة.

 

* لو كنت وزيراً للاقتصاد في حكومة حسان دياب هل كنت توافق على مشروع الدعم الذي نفذ وزاد ثروة المحتكرين وشرع التهريب ولم يستفد منه المواطن المحتاج؟

- أكيد لا أوافق وأنا تمنيت على الرئيس دياب أن لا يدخل أو يوافق على المشروع، لأن الأموال التي ستستعمل ليست أموال الدولة، بل هي أموال المودعين، وقلت له إن الدولة إذا كانت عازمة على مساعدة الناس المحتاجين، فلتساعدهم من أموالها وأملاكها وليس من أموال غيرها لكنه لم يقتنع فماذا حصل؟ نفذ مشروع الدعم.

 

* وذهبت أمواله إلى التجار والمحتكرين والمهربين؟

- هذا صحيح، أموال الدعم ذهبت للتجار والمحتكرين وعصابات التهريب، وهي ليست أموال الدولة التي لا يحق لها أن تصرف أموال غيرها وواجبها أن تفتش عن وسائل أخرى من أجل الدعم، رغم معرفة الجميع أنّ سياسة الدعم للكهرباء ورواتب موظفي الدولة هي التي أوصلتنا إلى هذا الوضع.

 

* هل الدولة وأجهزتها عاجزة عن ملاحقة العصابات التي تعمل ليلاً ونهاراً وحتى في أيام الأعياد للتلاعب بأسعار الدولار وضرب العملة الوطنية؟

- بالتأكيد هذه واجبات الدولة وأجهزتها الأمنية، لكن هذه مشكلة جانبية، وعلينا أن نعالج المشكلة من أساسها، فطالما أن الفريش دولار لا يدخل إلى لبنان فالعملة الوطنية معرضة للتدهور، وهذا الموضوع مرتبط بالخطة الاقتصادية والقوانين الإصلاحية التي لا تزال مجمدة حتى اليوم.