إدارة بايدن وازدواجية المفاهيم

تتصرف الإدارة الأميركية مع حلفائها من منطلق «غير ديمقراطي» بينما تتصرف مع من يُفترض أنهم خصومها بلين ومرونة لافتتين، وقد تجلى الأمر بوضوح مع قرار دول تحالف «أوبك+» خفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل في اليوم لشهر نوفمبر (تشرين الثاني).

ففور صدور القرار نددت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بالقرار، وتعهدت مواجهة سيطرة المنظمة على سوق الطاقة، وصعدت من لهجتها ضد المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، رغم أن منظمة «أوبك+» تضم دولا أخرى جميعها اتفقت بالإجماع على قرار التخفيض، وأعلن المتحدث باسم مجلس الامن القومي التابع للبيت الأبيض جون كيربي أن إدارة الرئيس بايدن تتجه لـ«إعادة تقييم» العلاقات الأميركية السعودية.

إضافة إلى تصريح كيربي فقد شن عدد من نواب الحزب الديمقراطي حملة على السعودية وطالب البعض بمعاقبتها ومنع بيعها الأسلحة بسبب تصويتها لصالح خفض الإنتاج.

في المقابل، ردت الخارجية السعودية في بيان عد شديد اللهجة، حيث اعتبرت الخارجية أن التصريحات الصادرة ضد المملكة والتي وصفت قرارها بأنه «انحياز في صراعات دولية» في إشارة إلى اتهام المملكة بوقوفها مع موسكو بحربها ضد أوكرانيا، فقد أعربت الخارجية عن «رفضها التام لهذه التصريحات التي لا تستند إلى الحقائق، وتعتمد في أساسها على محاولة تصوير قرار (أوبك بلس) خارج إطاره الاقتصادي البحت؛ وهو قرار اتخذ بالإجماع من كافة دول مجموعة أوبك بلس». وأضاف بيان الخارجية تأكيد السعودية على أن «محاولة طمس الحقائق فيما يتعلق بموقف المملكة من الأزمة الأوكرانية هو أمر مؤسف ولن يغير من موقف المملكة المبدئي وتصويتها بتأييد القرارات المتخذة في الأمم المتحدة تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية، انطلاقاً من تمسك المملكة بضرورة التزام كافة الدول بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي ورفضها لأي مساس بسيادة الدول على أراضيها».

وأكد بيان الخارجية أن «المملكة تنظر لعلاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية من منظور استراتيجي يخدم المصالح المشتركة للبلدين، وتشدد على أهمية البناء على المرتكزات الراسخة التي قامت عليها العلاقات السعودية الأميركية على مدى العقود الثمانية الماضية، المتمثلة في الاحترام المتبادل وتعزيز المصالح المشتركة، والإسهام الفعال في الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي والدولي، ومكافحة الإرهاب والتطرف وتحقيق الازدهار والرخاء لشعوب المنطقة».

ورغم ذلك استمرت ردود الفعل من الديمقراطيين تحديدا بالتصعيد ضد السعودية، مما دفع بالعديد من المحللين والكتاب في الصحافة الأميركية نفسها إلى اعتبار أن ما أثار غضب الإدراة الأميركية هو أن القرار جاء قبيل الانتخابات النصفية بأسابيع، وأن الديمقراطيين أرادوا من السعودية تأجيل تخفيض إنتاج النفط لمدة شهر أي لما بعد الانتخابات المهمة لإدارة بايدن والتي ستحدد ملامح المدة المتبقية من ولايته، للتأثير على الناخب الأميركي.

وإن كانت مصلحة الدول المنتجة للنفط هي خفض الإنتاج وخصوصا مع الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم كله، إلا أن إدارة بايدن وحزبه يصرون على تجاهل مصالح هذه الدول وتصوير الأمر على أنه اصطفاف سياسي فقط دون أي دوافع اقتصادية، وترى أن من حقها إعطاء الإملاءات لحلفائها دون الأخذ في الاعتبار مصالحهم فقط تحقيقا لمصالحها.

وفي الوقت نفسه ترفض هذه الإدارة تحديدا الأخذ في الاعتبار مصالح حلفائها، بل وتحاول أن تتعاطى مع حلفائها بفوقية، فإن كان قرار «أوبك بلس» يضر بالولايات المتحدة وتحديدا بإدارة بايدن قبيل انتخابات الكونغرس، إلا أن لهذه الدول أيضا مصالح وهي تضع مصالحها قبل مصالح الآخرين.

وهنا لا بد من التذكير بأن إدارة بايدن، تماما كما إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ضربت عرض الحائط بمصالح حلفائها وأمنهم يوم فاوضت النظام الإيراني على الملف النووي وتجاهلت كل التهديدات والإرهاب الذي يمارسه هذا النظام بحق دول الجوار. إدارة بايدن التي كانت أولى قراراتها رفع تنظيم الحوثيين عن قوائم الإرهاب وهو الذي استهدف أمن السعودية وأمن الملاحة العالمية يوم هدد ومعه الإيراني بإغلاق مضيق هرمز.

إن كانت العلاقات بين الدول مبنية على المصالح فلا يمكن أن يطلب من دولة أن تراعي مطالب حليفها في وقت هذا الحليف لا يترك فرصة إلا ويساوم فيها على مصالح حلفائه.