عودة «الحية» إلى وكرها

حصل اللقاء، واستقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد نائب قائد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة خليل الحية من ضمن وفد من الفصائل الفلسطينية زار دمشق، بعد شهور من التمهيد لهذا اللقاء. الحية أعلن بعد اللقاء مع الأسد أن اللقاء «كان دافئاً»، كاشفا أن الأسد «أبدى تصميمه على تقديم كل الدعم من سوريا للشعب الفلسطيني ومقاومته». كما وصف الحية اللقاء بـ«اليوم المجيد». ولفت نائب قائد حركة حماس في غزة إلى أن الحركة «تطوي أي فعل فردي لم تقره قيادة حماس»، وأشار إلى أنهم اتفقوا «مع الرئيس الأسد على طيّ صفحة الماضي». مؤكدا أن حماس «تستأنف علاقتها مع سوريا العزيزة بإجماع قيادتها وبقناعة وصوابية هذا المسار وتجاوز الماضي». وكشف الحية أن حماس لم تسمع اعتراضاً من أي دولة أبلغتها قرار عودتها إلى سوريا، «بما في ذلك تركيا وقطر»، مضيفا: «طوينا أحداث الماضي وأخطاءه وكل الأخطاء الفردية لم توافق عليها الحركة».

 

في الحقيقة بيان يشبه بيانات كل من يدور في فلك قوى الممانعة، إقحام لقضية فلسطين للتبرير لكل خطوة يقومون بها وفلسطين وقضيتها بريئة من خطواتهم، وإلا فليخبرنا الحية أو فليخبر أهالي من قضوا في سجون الأسد ومجازره الكثيرة من فلسطينيين عن أي دعم سيقدمه الأسد يتحدث؟ فليخبر أهالي ضحايا مجزرة التضامن عن هذا «اليوم المجيد»، ليخبر أهالي مخيم اليرموك عن اللقاء «الدافئ».

فلسطين وقضية فلسطين لا علاقة لها بتحرك حماس باتجاه الأسد، وعودة العلاقات بين الحركة ونظام الأسد هي الأمر الطبيعي، المستهجن أن تكون حماس على خصومة مع الأسد، فكلاهما ينتميان لمحور واحد، وكلاهما يدوران بالفلك الإيراني، ويعملان لمصلحة النظام الإيراني. ألم يصف رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بـ«شهيد القدس»، عندما شارك في تشييعه في طهران بعدما قتلته غارة أميركية، ألم يقل هنية يومها إن سليماني «أمضى حياته من أجل دعم المقاومة». والجميع يعلم أن سليماني أمضى حياته في محاربة السوريين واللبنانيين والعراقيين، والقدس منه براء.

لحركة حماس مصلحة في إعادة ترتيب علاقاتها في المنطقة، ولإيران مصلحة في إعادة اللحمة بين كل من يدور في فلكها، ومن غير المنطقي الحديث عن إرغام حماس وفرض ضغوط عليها لإعادة علاقاتها مع النظام السوري، وكلام الحية المعسول والدافئ ليس كلام مرغمين، بل كلام من يتماهى مع الأسد وخطابه ويجاريه باستخدام القضية الفلسطينية لتبرير كل ما ارتكبه بحق السوريين والفلسطينين وبحق سوريا. ومن غير المنطقي أن يكون من يرى في قاسم سليماني وغيره من إرهابيي النظام الإيراني «مقاومين»، أن يكون مؤيدا لحرية الشعوب وكرامتها. فحركة حماس التي تتحضر لمرحلة ما بعد محمود عباس فلسطينيا، وترصد الانقسامات داخل السلطة وتتحين اللحظة المناسبة للانقضاض على مؤسسات السلطة، تتذرع بالقضية الفلسطينية اليوم لتبرر عودة علاقتها مع النظام السوري، وإلا فكيف لمن يأبه بالفلسطينيين وحقوقهم أن يتجاهل ما حل بهم على يد الأسد قبل غيره؟ كيف لمن يؤمن بالمقاومة والتحرر أن يؤيد من يقتل ويعذب ويهجر ويأتي بالمحتل، فمن يدعي أنه يقاتل من أجل قضية محورها حرية الشعب الفلسطيني لا يمكن أن ينحدر أخلاقيا إلى حد تأييد القتلة والمجرمين الذين يعتدون على حريات الشعوب وأمنهم، فقائمة حلفاء حماس تدل بشكل واضح على نهجها وعلى مواقفها الحقيقية، فمن يناصر الحوثي الذي يغتصب حق الشعب اليمني في بناء دولته ويجعل اليمن مجرد نقطة انطلاق لأسلحة إيران التخريبية لإثارة عدم الاستقرار في دول الجوار لا يمكن أن يكون خيارها عربيا، ومن يدعم فيلق القدس الذي عاث فسادا وقتلا وتهجيرا للعرب في العراق وسوريا لا يمكن أن يزعم أنه ينتمي «للأمة» التي يزعم أنه يدافع عنها، فحماس في حقيقة الأمر لم تفعل شيئا استثنائيا بعودتها لحضن النظام السوري، لأنه عودة الفرع للأصل، وعودة الشبيه إلى شبيهه، بل يمكن القول إن موقف حماس الذي أيد الثورة السورية في بدايتها، كان هو المستغرب، وهذا الموقف الذي وصفه خليل الحية بأنه «أخطاء فردية» هو جوهر موقف حماس الحقيقي، باعتبارها قوة معادية للديمقراطية ومعادية لأي مشروع تحرر حقيقي ليس للشعوب العربية وحسب بل للفلسطينيين أنفسهم، فحماس التي تعترف بالحوثي وبفيلق القدس وبحزب الله والنظام السوري والنظام الإيراني، وتشيد بما تسميه محور المقاومة، لا تعترف حتى اللحظة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وترفض الانزواء تحت لوائها، مع أن العالم العربي بأجمعه يعترف بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، فمن كان يرفض الاعتراف بالإطار السياسي والنضالي للشعب الفلسطيني والذي قدم آلاف الشهداء والضحايا، لا يمكن أن يقنعنا بأنه مشروع فلسطيني هدفه تحقيق تطلعات الفلسطينيين في بناء دولتهم المستقلة. لقد فعلت حماس باختطافها لقطاع غزة وفصله مؤسسيا واداريا وسياسيا عن الضفة الغربية، أكثر مما كان يحلم به عتاة اليمين الإسرائيلي المتطرف، فمشروع الدولة الفلسطينية القابلة للحياة لا يمكن أن يتحقق ما دامت «غزة حماس» ترفض الانزواء تحت العلم الفلسطيني الواحد الذي يعبر عن آمال الفلسطينيين السياسية في تقرير مصيرهم.

لقد عادت حماس إلى مكانها الطبيعي، كذراع استثمار لآلام الفلسطينيين والتي أجاد نظام البعث في دمشق ونظام الملالي في طهران استثمارها ولو بالدم الفلسطيني الذي بات يسفك الآن ليس من أجل «القضية المركزية»، بل من أجل حماية مشروع هيمنة إيران على المنطقة وحماية قدراتها النووية، ومن أجل استمرار الطغاة في حكم شعوب طالما ضحت بالغالي والنفيس كرمى لفلسطين ولأهلها، كالشعب السوري والعراقي واللبناني.