أوباما والخطأ الإيراني

اعترف الرئيس السابق باراك أوباما متأخرا بعض الشيء في حديث بث على مواقع التواصل الاجتماعي بخطئه بعدم دعم الثورة الخضراء في إيران التي اندلعت على أثر اتهام النظام بالتلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية وإعلان فوز الرئيس أحمدي نجاد بولاية ثانية عام 2009 أي منذ أكثر من 16 عاما.

في حديثه عن هذا الخطأ وصف نقص الدعم الشعبي لاحتجاجات عام 2009 بأنها فرصة ضائعة لدعم التطلعات الديمقراطية للشعب الإيراني، قائلاً: «بالنظر إلى الماضي، أعتقد أن ذلك كان خطأ. ففي كل مرة نرى ومضة، بصيص أمل، من الأشخاص الذين يتوقون إلى الحرية، أعتقد أنه يتعين علينا الإشارة إليها. علينا تسليط الضوء عليها. علينا أن نعبر عن بعض التضامن حيال ذلك».

هذا الاعتراف جاء في وقت تجري فيه داخل إيران منذ أكثر من شهر احتجاجات واسعة تشبه تقريبا تلك التي جرت في العام 2009 بعد الادعاءات بقتل شرطة الأخلاق مهسا أميني على خلفية مخالفاتها لقوانين لبس الحجاب.

أهمية حديث الرئيس السابق أوباما يكمن في أنه نابع من الرجل الذي يعتبر أيقونة الحزب الديمقراطي والعضو الأقوى فيه الذي يرسم سياساته واستراتيجياته. والرجل أيضا ذات نفوذ كبير داخل إدارة بايدن نفسها حيث أقرب مستشاريه يتسلمون مواقع حساسة ومهمة فيها مثل روبرت مالي الممثل الأميركي الخاص لشؤون إيران والذي يقود المفاوضات معها.

هذا الكلام النابع من هذه الشخصية المؤثرة بشكل كبير داخل الحزب الديمقراطي وفي البيت الأبيض رسم حدود التدخل الأميركي الرسمي في الاحتجاجات الإيرانية.

وبالفعل بعد أن أطلق أوباما مواقفه تبعه الرئيس بايدن ووزير الخارجية بتأكيد «تضامنهم» مع المحتجين الإيرانيين.

أما روبرت مالي الممثل الخاص لشؤون إيران فقد أعرب في قناة «سي إن إن» الأميركية وقوف الإدارة الأميركية مع المتظاهرين الذين يطالبون بحقهم في اختيار ما يريدون ارتداءه. وأكد مالي موقف الرئيس بادين ووزير الخارجية بلينكن وجميع المسؤولين الأميركيين بالوقوف إلى جانب المتظاهرين المطالبين بأبسط حقوقهم المدنية إنما هو من أجل «تسليط الضوء» على ما يجري في إيران.

إذن إطار التدخل الأميركي الذي رسمه الرئيس الأسبق أوباما لا يتعدى الدعم الكلامي وبعض العقوبات على الأشخاص المسؤولة عن قمع المتظاهرين والتي لا تؤثر على ما يبدو في نهج النظام القمعي تجاه الشعب الإيراني.

فليست هناك أي إشارة من قبل هذه الإدارة عن إمكانية انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من المفاوضات غير المباشرة مع إيران في فيينا، بخصوص إعادة العمل بالاتفاق النووي وبالتالي الإفراج عن مليارات الدولارات لهذا النظام، وليس هناك كلام عن إعادة سياسة الضغوط القصوى التي مارسها الرئيس السابق ترامب إن لم تتوقف أعمال القمع الوحشية من قبل الباسيج وليس هناك أي دعوة أميركية لإمكانية إعادة العمل بالعقوبات الأممية تجاه إيران.

قد يسأل المرء لماذا يتساهل الحزب الديمقراطي الأميركي مع الجمهورية الإسلامية في إيران في حين أنه يتشدد مع أقرب الحلفاء؟

الجواب قد نجده في رسالة مسربة من بريد وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عند اشتعال الثورة الخضراء عام 2009 حيث وصفت أن الرئيس نجاد «الأصلح للنظام العالمي الجديد».

فما هو هذا النظام العالمي الجديد الذي تتحدث عنه الوزيرة السابقة للخارجية هيلاري كلينتون والذي خطط له الرئيس الأسبق أوباما؟

ببساطة هو نظام عبر عنه الرئيس الأسبق في أكثر من مناسبة بحيث تقوم فيه الولايات المتحدة الأميركية بالتفاوض والتعاون مع الجميع بدلاً من المواجهة والنزعة الأحادية في الشؤون الدولية كما مارسها سلفه بوش الابن؛ فالرئيس الأسبق أوباما يعتقد أن «الولايات المتحدة لا تستطيع استخدام جيشها لحل المشاكل الإنسانية». وهذا بالفعل ما طبقه في كل الأزمات التي واجهها أو ورثها في عهديه ولعل أبرزها الانسحاب من العراق والتفاوض مع إيران والأزمة السورية.

أما مقاربته فيما يتعلق بنزاعات الشرق الأوسط فهو يريد إقامة نوع من توازن شيعي سني على حد تعبيره طبعا، يؤدي إلى نوع من التنافس، ولكنه لا يقود إلى حرب. هذه الخطط توقفت عند حدوث مفاجأة انتخاب الرئيس السابق ترامب لفترة ثم استؤنفت مع انتخاب بايدن.

وهذا النظام الجديد الذي يسعى الحزب الديمقراطي إلى إقامته والذي يعتمد على المنافسة بين أقطاب الشرق الأوسط يقع في تناقض فظيع لأنه لا يمكنه أن يقوم من دون الجمهورية الإسلامية في إيران (التي تعادي وتحارب محيطها العربي) ولكنه لا يمكنه الاستمرار معها.