الإخوان والأجنحة الثلاثة... مناورات سياسية أم أزمات حقيقية؟

محاولة ترتيب البيت الداخلي على أمل العودة للحكم
تحركات إخوانية قبل ذكرى 25 يناير

باكو: اعتزال.. ممارسة.. ترقب، مصطلحات ثلاثة معبرة عن الحالة التي يعيشها تنظيم الإخوان في الخارج، إذ دخل التنظيم أزمة سياسية منذ ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013 في مصر التي أنهت حكم الجماعة لأكبر دولة عربية كان يسعى التنظيم للهيمنة على مقدرات حكمها والسيطرة على مفاصلها كخطوة أولى في تحقيق حلم المرشد العام المؤسس للجماعة حسن البنا، إذ كان وصولهم إلى رئاسة الدولة المصرية وهيمنتهم على السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى جانب تعيين أعوانهم في النقابات والمؤسسات الأخرى، إيذانًا بأن خطوات المشروع الإخواني في المنطقة في طريقه إلى الانطلاق بمعاونة بعض الأطراف الإقليمية والدولية، إلا أن الريح لم تأت بما تشتهي السفينة الإخوانية، فعصفت الإرادة الشعبية المصرية بحكم الجماعة التي صُنفت بأنها جماعة إرهابية، إيذانًا ببدء التراجع والتلاشي من الساحة السياسية المصرية وبالتبعية الساحة العربية برمتها، حيث تتالت الإخفاقات في عديد الدول العربية بعدما كانت قد وصلت أيضا في بعضها إلى السيطرة على حكوماتها، ليصل قطار الجماعة اليوم إلى إفلاس داخلي وصراع خارجي على قيادة التنظيم تتزايد وتيرته يوما بعد يوم في ظل حالة الانقسام بين أقطابه، حيث يحاول الجميع أن ينقذ الجسد الإخواني من مرحلة الموت السريري أملا في أن يستعيد عقله ويعيد بناء ذاته لخوض المعركة من جديد، فأصبح لدينا ثلاثة تيارات أو ما يمكن أن نطلق عليه أجنحة بين القيادات الإخوانية الموجودة في الخارج، يتبنى كل تيار أو جناح موقفا سياسيا متباينا، ففي الوقت الذي ترى فيه جبهة لندن بقيادة إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد الجماعة، باعتزال السياسة، تمسك تيار التغيير- الذي تم تدشينه مؤخرا- بالعمل السياسي، وبينهما تقف جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين، الأمين العام السابق للتنظيم، حيث تترقب الموقف لاستكشاف ما يمكن أن يسفر عنه هذا الصراع بين الجبهتين، مع الأخذ في الاعتبار أن الجبهة الأخيرة تحمل صراعا مع كل منهما، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر أن صراع الخارج بين قيادات الإخوان بدأ في الأساس بين جبهتي إسطنبول ولندن عقب إعلان إبراهيم منير حل المكتب الإداري لشؤون التنظيم في تركيا، وعزل محمود حسين وآخرين، لتتصاعد الأزمة بإعلان مجموعة حسين أكثر من مرة عزل منير من منصبه. وقد دخل الصراع بينهما مرحلة أكثر تعقيدا وضراوة بعدما شكلت جبهة لندن هيئة عليا بديلة عن مكتب إرشاد تنظيم الإخوان،  كما سبقه تصعيد آخر بتشكيل جبهة لندن أيضا مجلس شورى جديد، وإعفاء أعضاء مجلس شورى إسطنبول من مناصبهم، وكان ذلك ردا على ما أقدم عليه مجلس شورى جبهة إسطنبول؛ بتشكيل لجنة للقيام بأعمال المرشد بقيادة مصطفى طُلبة، وعزل إبراهيم منير من منصبه؛ وهو ما دفع جبهة لندن إلى اتخاذ قرار بعزل مصطفى طُلبة، مؤكدة على أن شرعية التنظيم يمثلها إبراهيم منير. وتُستكمل حلقة الصراع اليوم بدخول جبهة جديدة موجودة أيضا في إسطنبول أطلقت على نفسها جبهة التغيير حملت رؤية سياسية مغايرة لتلك التي تتبناها جبهة لندن لنصبح بذلك إزاء ثلاث جبهات، لدى اثنتين منها رؤيتان لمستقبل العمل السياسي للجماعة في مصر، وهما: جبهة لندن وجبهة التغيير اللتان أقدمتا على إعلان وثيقتين سياسيتين تعبران عن توجه كل منهما، في حين يترقب الجميع الوثيقة الثالثة المعبرة عن رؤية جبهة إسطبنول- حسين.

إبراهيم منير القائم بأعمال مرشد «الإخوان»


وهذا المشهد المرتبك، يستقرؤه التقرير من خلال ثلاثة محاور على النحو الآتي:

مصر ومحوريتها في الفكر الإخواني
تحتل مصر المكانة الأولى في فكر جماعة الإخوان منذ تأسيسها على يد حسن البنا أواخر عشرينيات القرن المنصرم في محافظة الإسماعيلية- إحدى المحافظات الساحلية على البحر الأحمر ويوجد بها مقر إدارة شركة قناة السويس التي كانت حينذاك تحت سيطرة الاحتلال الإنجليزي حيث قدم دعما ماليا للجماعة عند تأسيسها- ومنذ ذلك الحين تسعى الجماعة إلى حلم السيطرة على السلطة في الدولة المصرية، وخاضت في سبيل ذلك عديد المعارك السياسية بل تبنت في كثير من الحالات أسلوب القتل والاغتيالات في محاولات مستمرة للوصول إلى حكم مصر، إدراكا أن ذلك يمكنها من الوصول إلى الحكم في المنطقة العربية بأسرها كخطوة أولى في مشروعها العالمي الذي تحلم به في قيادة العالم كما وعدها مؤسسها حسن البنا.
والحقيقة أن ما حدث عقب الاضطرابات التي شهدتها الدولة المصرية في يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط) 2011، أعطى للجماعة الفرصة الذهبية بالتعاون مع بعض الأطراف الخارجية من الوصول إلى السلطة في عام 2012، ذلك العام الذي عاش فيه الشعب المصري أسوأ ظروف حياته السياسية والأمنية والاقتصادية، إلا أن وصول الجماعة إلى حكم مصر مهد لها الطريق للوصول إلى تشكيل الحكومة في بعض الدول العربية على غرار ما حدث في تونس والمغرب على سبيل المثال، فضلا عن تصاعد خطابها في عديد الدول العربية الأخرى، بما أعطاها أملا في أن مشروعها السياسي قد قارب على التحقق، ولكنه قد تلاشى مع ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013 حينما أسقط الشعب المصري حكم الجماعة لينهي أملها، ويكون هذا السقوط هو البداية لاستكمال حلقاته في الدول التي وصلت فيها إلى تشكيل الحكومة لتعيد الكرة من الأول بخروجها من المشهد السياسي العربي، حيث تشتت قياداتها ما بين هرب إلى الخارج وسجن في الداخل، لتجد الجماعة نفسها في أزمة سياسية شبيهة بأزمتها الشهيرة عقب أحداث المنشية في الإسكندرية في منتصف خمسينات القرن المنصرم، وإن كانت اليوم أزمة أكثر تعقيدا وأشد وطأة كونها أزمة مع الشارع المصري والعربي وليس مع الأنظمة الحاكمة.
ومن ثم، ترى القيادات الراهنة في الخارج أن ما حدث في مصر هو المسؤول عما آل إليه وضع الجماعة الآن وأنه لا بد من إعادة ترتيب الأوضاع السياسية داخل الدولة المصرية بما يعيدها إلى المشهد من جديد.
وهنا تبرز ملاحظتان جديرتان بالتسجيل: الأولى، أن الصراع على القيادة الذي تشهده الساحة الإخوانية يكاد ينحصر بين شخصيات مصرية في الأساس. الثانية، أن الرؤى والتوجهات السياسية التي تطرحها الجماعة ترتكز بشكل رئيسي على مستقبل العمل السياسي في مصر بصفة خاصة، رغم أن ما حدث للجماعة لا يقتصر على مصر فحسب بل فقدت الجماعة السلطة في دول عربية أخرى. وعليه تعكس هاتان الملاحظتان مدى محورية مصر في فكر الجماعة ورؤاها، وهو ما يعني أن الدولة المصرية تكاد تكون هي المسؤول الأول عن مواجهة هذا الفكر الإخواني الذي يحاول أن يرتب أوضاعه من جديد، مع الأخذ في الاعتبار أن نجاح مصر في هذه المواجهة يجب أن ينطلق من مرتكزين: الأول، وعي الرأي العام المصري بخطورة ما تخططه الجماعة من محاولات العودة مرة أخرى. الثاني، الدور العربي الفاعل والمساند للدولة المصرية في مواجهة الجماعة وأفكارها وأتباعها.

تسعى الجماعة إلى تصدير صورة للرأي العام بأن ثمة انقساما داخليا بين تيارين

صراع الوثائق.. مناورة قديمة بأدوات جديدة
تاريخ ممتد من المناورات السياسية التي تتبناها جماعة الإخوان منذ تأسيسها، إذ تكشف وثائق التاريخ وأحداثه أن جماعة الإخوان بُنيت في الأساس على مناورة، إذ لعبت على الخلط بين الدين والسياسة في محاولة لتحقيق طموحاتها السياسية تحت غطاء ديني يرفع شعارات تجذب المواطنين وتلهب مشاعرهم في عودة الخلافة كنظام حكم، برز ذلك سواء فيما اتخذته من شعار به المصحف الشريف أو فيما رفعته من خطابات حول الجهاد وخلافه، دون أن يكون لديها تأصيل ديني لفكرها السياسي، يؤكد على ذلك أنها حينما وصلت إلى الحكم بعد أكثر من سبعين عاما من تأسيسها تكشفت المناورة بشكل واضح وجلي أمام الرأي العام المصري والعربي الذي أدرك تلك المناورة بجلاء، في حين أن مسيرتها السياسية كشفت في عديد الحالات عن قدرة الجماعة على لعب المناورات وإدارتها بشكل يحقق مصالحها ويحافظ على استمراريتها، ولعل المناورة السياسية التي حدثت قبل ثورة يوليو (تموز) 1952 مثلت دليلا آخر، وكذلك مناورتها مع نظام الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، فضلا عن عديد المناورات على مدار حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتأتي اليوم لتحاول أن تعيد الكرة من جديدة عبر مناورة سياسية ولكن بأدوات أخرى تناسب المرحلة ومتطلباتها، مع الأخذ في الحسبان أن جوهر المناورات الإخوانية يتمحور حول تصدير صورة الانقسام بين قياداتها بشأن بعض القضايا، في حين أن ثمة اتفاقا واسع المدى بينهم في الغرف المغلقة. بمعنى أكثر وضوحا أن فكرة الوثائق السياسية التي طُرحت على الساحة الإخوانية في الخارج اليوم بين جبهتي لندن والتغيير إنما تستكمل بها حالة الانقسام التي برزت منذ عدة أشهر بين جبهتي لندن وإسطنبول وكأن هناك خلافات شديدة وانقسامات حادة بين قيادات الجماعة، ولكن كل ما في الأمر هو صورة خلافية تحاول الجماعة تصديرها للرأي العام وللحكومات العربية أن الجماعة لديها ثلاثة تيارات داخلية تتصارع في الرؤى والأفكار والاستراتيجيات، وأن هناك ما يمكن أن نطلق عليه الحمائم والصقور داخل الجماعة، وأنه من مصلحة الحكومات العربية أن تتعامل مع الحمائم في مواجهة الصقور، وهي استراتيجية ليست بالجديدة سواء على مستوى الجماعة أو حتى على مستوى العلاقات الدولية.
ما نود أن نؤكد عليه هو أن فكرة طرح الوثائق السياسية كمؤشر على الانقسام بين قيادات الجماعة الإخوانية في الخارج، ما هي إلا مناورة سياسية سبق للجماعة أن لجأت إليها عقب أحداث المنشية في مصر، بأن هناك تيارين داخل الجماعة تيارا يرفض العنف ويدينه وتيارا يتبنى العنف والاغتيالات، في حين أنهما تيار واحد يعدد أدواته وخطاباته ليعطي للجماعة فرصة للمناورة السياسية، وهذا هو ديدن الجماعات الدينية بل والدول الدينية على غرار الدولة الإيرانية التي تتبنى في تفاوضها ذات المسارين، وكأن النظام الإيراني يوجد به تياران (الحمائم والصقور) ولكن في حقيقة الأمر هو تيار واحد يتبنى العنف والقتل والإرهاب وإن كان لديه وجهان أو خطابان بما يعطي للنظام الإيراني الفرصة أيضا للمناورة في إدارة ملفاته السياسية داخليا وخارجيا.

محاكمة قيادات من «الإخوان» في المحكمة الجنائية بالقاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)

الإخوان.. لا يزال الخطر ماثلا
في ضوء ما سبق يصبح القول بأن جماعة الإخوان لا تزال تمثل الخطر الذي يهدد الدول العربية من الداخل تحت شعارات دينية تستجدي الرأي العام في محاولة لكسبه والبناء على تحركه أملا في أن تعيد الجماعة الكرة مرة أخرى ضد الأنظمة الحاكمة التي تتمتع بشرعية سياسية ومشروعية قانونية، وهو ما يستوجب الانتباه لخطورة مثل هذه المناورات التي تتبناها الجماعة حينما تواجه خطرا مصيريا، فاليوم تسعى الجماعة إلى تصدير صورة للرأي العام بأن ثمة انقساما داخليا بين تيارين أحدهما يرفع خطابا تصالحيا عبر: «تجاوز الصراع على السلطة بمصر، والانسحاب من أي معارك عليها»، وهو ما ورد في الوثيقة السياسية لجبهة لندن، والآخر يرفع خطابا متشددا أكد فيه على أن: «السياسة هي إحدى أدواته، وسوف يعمل على السماح لأعضاء التنظيم بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار في الأحزاب، وأن ثمة عدداً من أولوياته؛ من بينها أن جميع الخيارات مفتوحة لاستخدام القوة والعنف، وضرورة الإفراج عن السجناء»، والجديد أنه يوجد بينهما تيار ثالث يترقب ردود الفعل ليخرج بوثيقة سياسية أخرى تحاول أن تجمع بينهما كمسار وسط، بما يعطي أن الجماعة لديها عديد الخيارات التي يمكن أن تتفاوض به مع الأنظمة الحاكمة في الدول العربية وخاصة النظام الحاكم في مصر.
نهاية القول إن ما يُطرح على الساحة من وثائق سياسية من جانب جماعة الإخوان ما هو إلا تعبير عن إفلاس سياسي مُنيت به الجماعة وتحاول أن تعيد ترتيب البيت من الداخلي على أمل أن تجد لها فرصة للعودة إلى العمل داخل الدولة المصرية، بما يمكنها من إعادة بناء هيكلها السياسي على أسس ومرتكزات جديدة دون أن يعني ذلك تخليها عن فكر الجماعة الذي يحمل في جوهره عنفا وإرهابا تخفيه اتساقا مع مبدأ التقية الذي تشترك مع نظام الملالي الإيراني في تبنيه لحين تحقيق الأهداف، وحينها يصبح الإرهاب والقتل ديدنهم ونهجهم، وخير دليل على ذلك عام حكم الجماعة في مصر (2012-2013)، وهو ما يستوجب من الجميع الانتباه إلى تلك المناورات السياسية التي تنتهجها الجماعة الإرهابية.