الانتخابات الرئاسية في زمن الكوليرا

لم يكن ينقص مصائب البلد الكثيرة سوى انتشار الكوليرا في المناطق اللبنانية كافة، وهو برهان إضافي على عجز الدولة وشلل مؤسساتها وفقدانها القدرة على المبادرة. هذا الوضع السيئ مستمر على وتيرة متصاعدة منذ عام الاحتجاجات وانهيار العملة الوطنية عام 2019 وبوتيرة متقطعة منذ العام 2005 عام اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

في مشهد متكرر تعوّد عليه اللبنانيون يفشل نواب الأمة في انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهل الدستورية، وسيترك الرئيس الحالي قصر بعبدا من دون تسليمه إلى خلف له كما حصل مع الرئيس السابق سليمان والرئيس الذي سبقه لحود. وسيعيش البلد حال فراغ وتوتر مذهبي على وقع اتهامات متبادلة بين أطراف البلد حول مسؤوليتها في تعطيل الاستحقاق الرئاسي وشل مؤسسات الدولة بالكامل.

واستطرادا لم تكن انتخابات الرئاسة في لبنان خاصة بعد الطائف عملية تقوم وفق الدستور وتسير بشكل طبيعي ضمن المهل القانونية. فانتخاب الرئيس جرى إما نتيجة فرض كما في أيام الحقبة السورية، وإما نتيجة أحداث دموية كما في 7 أيار، وإما نتيجة تعطيل كما في حال الرئيس عون. وعلى كل الأحوال غالبا بتدخل خارجي وبضغط منه.

بعد الطائف تم تعديل الدستور للرئيسين إلياس الهروي وإميل لحود، حيث مدد لهم نواب الأمة بعد انتهاء فترتهم الرئاسية ثلاث سنوات.

هذا الواقع ينسحب أيضا على موضوع تأليف الحكومات. فمنذ العام 2005 عاش لبنان حالات من الفراغ الحكومي بين تعثر التأليف وصعوبة التكليف استمرت لسنين. كذلك الحال في المجلس النيابي، فقد اضطر لبنان إلى التمديد لمجلس النواب عند انتهاء ولايته أولا لمدة سنة في عام 2013، ومن بعد انقضاء السنة تم تمديد آخر حتى عام 2017.. وفي هذه الحالة يصبح الاستثناء هو القاعدة في عمل المؤسسات.

وهذا التعطيل ينسحب على كامل جسم الدولة ويطال الجسم القضائي وإدارات الدولة أيضا وللأسف لا يحل إشكاليتها الدستور. ومن النادر أن ترى سياسيا يطرح حلولا قانونية ودستورية لتجاوز التعطيل. فالمشرع فضّل إعطاء التوافق والتفاهم والتسويات مشروعية أكبر من القوانين ظنا من أن تطبيق القانون قد يعطي انطباعا بأن هناك رابحا من طائفة أو ملة ما، على طائفة أخرى أو ملة أخرى وفي بلد يدعي تعايش أقلياته الطائفية بسلام ويقوم على فلسفة «لا غالب ولا مغلوب». فالاعتقاد بأن أي خلاف في الحكم بين المكونات الطائفية سيتحول إلى مشروع فتنة.

فمثلا ولادة حكومة جديدة في آخر عهد ميشال عون يبدو أمرا مستعصيا لفقدان التوافق بين رئيس مكلف وصهر مكلف لا يتوافقان على صيغة تفرج عن تشكيلة ما، تستطيع إدارة فراغ آخر في سدة الرئاسة لفقدان التوافق أيضا حولها.

أما المعطل فيقف خلف حجة تعطيه الحصانة من أية محاسبة؛ فهو يدافع عن حقوق طائفته وموقعها في البلد.

لبنان اليوم هو أحوج ما يكون إلى حكومة ورئيس ومجلس نواب من أجل وضع خطة اقتصادية وتطبيقها للخروج من الأزمة الاقتصادية التي يمر بها منذ أكثر من ثلاث سنوات وهذا يتطلب جهدا وسنوات من العمل الجاد. ولكنه ينتظر التوافق. ومن دون توافق لا حكومة ولا رئيس للجمهورية. والتوافق في تعريفه اللبناني يجب أن يجمع بين مصالح «الزعماء» الشخصية والخاصة ومصالح الطائفة التي يمثلون. فتكون المصلحة العامة نتاج توافق مصالح شخصية جدا. وهذا أمر يستحيل معه تحقيق الخير العام.

وهذه الإشكالية يمكن أن تدوم ما دام أغلب الناس والحكام ورجال الدين يرتضون للتوافق أن يعلو على القوانين والدستور حتى لو خالفها في بعض الأحيان حفاظا كما يدعون دائما على «العيش المشترك».