عندما تكذب لغة الأرقام

يقال إن لغة الأرقام لا تكذب، ولكن لكل قاعدة استثناء وفي لبنان لكل القواعد استثناءات حتى صار الاستثناء هو القاعدة.

 

فعلى سبيل المثال تقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن عدد اللاجئين السوريين في لبنان يبلغ نحو 839 ألف لاجئ مسجل، بينما تقدر السلطات اللبنانية العدد بمليون ونصف المليون لاجئ، ليطرح مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم قبل أيام رقما جديدا وهو مليونان و80 ألف سوري على الأراضي اللبنانية وليذكر أن «540 ألف سوري تمت إعادتهم إلى سوريا ضمن إطار العودة الطوعية»، أي إن عدد السوريين الذين كانوا متواجدين في لبنان قبل البدء في تنفيذ خطة العودة الطوعية هو أكثر من مليونين ونصف المليون سوري؟ من أين تأتي الأرقام؟ لا أحد يعلم، وكيف يتضاعف أعداد السوريين في لبنان بهذا الشكل الكبير في وقت بدأ فيه الأمن العام اللبناني منذ أعوام تطبيق إجراءات صارمة جدا بحق أي سوري يريد الدخول إلى لبنان بما في ذلك من يأتي للاستشفاء أو حتى لموعد مع سفارة أو فقط لمجرد العبور؟ هذا عدا عن إغلاق الحدود بشكل كامل خلال فترة انتشار وباء كورونا وما لحقها من تعقيدات إضافية للسماح لأي سوري بالدخول إلى لبنان. وإن كانت كل هذه الأعداد قد دخلت رغم جميع الإجراءات الصارمة التي وضعها الأمن العام، فعلى من تقع المسؤولية؟ وهل يتحمل اللاجئ السوري تبعات الأمر بمزيد من التحريض عليه وعلى أمنه ووجوده؟

ليس فقط أعداد السوريين في لبنان هي الخاضعة لوجهات النظر والتي تختلف بشكل كبير حسب اختلاف قائلها ووفقا للظرف السياسي القائم، فعلى سبيل المثال نقرأ التقارير عن انتشار الكوليرا في مخيمات اللاجئين ونستمع لشهادات أهالي المرضى الذين لا يملكون كلفة إرسال أبنائهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج، فما يحصلون عليه بالكاد يكفي لدفع إيجار الخيمة التي يقيمون فيها، نعم في لبنان الخيمة للإيجار، ليخرج عليك بعض جهابذة السياسة اللبنانية وليؤكد أن معلوماته غير القابلة للشك أن كل لاجئ سوري في لبنان يتقاضى مبلغ ألف دولار كاش شهريا، بحسبة بسيطة عائلة مكونة من خمسة أشخاص تتقاضى وفقا لهذا السياسي مبلغ 5000 دولار أميركي، ولكنه لم يخبرنا لماذا تفضل البقاء في خيمة لا تقيها برد الشتاء ولا حر الصيف. يكرر هو وغيره هذه المعلومات والأرقام فيصدقها عدد كبير من الجمهور الذي يبحث عن سبب لما حل ببلاده.

قبل أشهر قليلة وتحديدا في شهر أغسطس (آب) الماضي أعلن وزير المهجرين عصام شرف الدين عن خطة لإعادة 15000 سوري شهريا إلى بلادهم، لتتدخل الخلافات السياسية في الحكومة ويختلف كل من وزير المهجرين ووزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار بمن يجب أن يمسك بهذا الملف دون أن يختلفا على إعادة الـ15 ألفا شهريا، وليعود الملف بشكل أو بآخر إلى عهدة مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم، ولنسمع عن أرقام جديدة كل مرة عن أعداد «المرحلين طوعا»، ولينتهي الأمر بكرنفال استعراضي يوم الأربعاء الفائت احتفالا وابتهاجا بـ«نجاح» الخطة بعد أشهر عديدة من إطلاقها وانطلاق موكب إعادة أقل من 500 لاجئ سوري إلى بلادهم.

أرقام وأرقام ولا من يحاسب ولا من يدقق ولا من يسأل، فكل رقم له غاية.

مما لا شك فيه أن لبنان تحمل عبئا كبيرا جدا بما يتعلق بملف اللاجئين السوريين، وهو البلد ذو الموارد المحدودة جدا والذي تفاقمت أزماته المالية والاقتصادية ليصل إلى حافة الانهيار، إلا أن المؤكد أن المسؤول عما وصل إليه ملف اللاجئين السوريين هي الحكومة اللبنانية وليس اللاجئ الذي لا حول له ولا قوة، فمنذ بداية أزمة اللجوء في العام 2011 وللمصادفة كان يومها الرئيس نجيب ميقاتي هو رئيس الحكومة، رفضت الحكومة اللبنانية تنظيم الملف، كما رفضت مرارا وتكرارا إقامة مخيمات تحت سلطتها مما تسبب في انتشار مئات المخيمات غير الشرعية، وحتى اللحظة لم تضع الحكومة أي خطة واقعة لمعالجة الأزمة المتفاقمة، فكل ما يحكى عنه ليس أكثر من خطابات ارتجالية وأفكار غير واقعية.

يسيطر على ملف اللجوء السوري في لبنان خطابان أساسيان، الخطاب الأول وهو الخطاب الطائفي والذي لا ينفك يحرض على اللاجئين وعلى ضرورة إعادتهم إلى سوريا مهما كلف الأمر حفاظا على هوية لبنان و«ديموغرافيته»، وخطاب آخر يحمل سبب أزمات لبنان وانهياره المالي والاقتصادي إلى اللجوء السوري، حتى تحول اللاجئ السوري إلى شماعة.

لا كهرباء في لبنان بسبب السوريين، في الواقع لا كهرباء في لبنان بسبب الفساد المستشري ورفض وزراء الطاقة المتعاقبين وجميعهم ينتمون إلى التيار الوطني الحر من تطبيق الإصلاحات المطلوبة في هذا القطاع، ورغم ذلك هناك من يطرب لسماع الخطاب التحريضي وتحميل اللاجئ مسؤولية انقطاع الكهرباء. لا خبز في لبنان لأن السوري يأكل الكثير من الخبز، ماذا عن تهريب الطحين المدعوم إلى نظام الأسد كما قبل البنزين والمازوت؟ بانتظار أن نسمع نظرية تحميل اللاجئ السوري مسؤولية ما حل بالقطاع المصرفي اللبناني، إلى حينه ستستمر الأزمة بالتفاقم، طالما أن لا أرقام حقيقية تعطى، ولا خطط واقعية بل خطابات ارتجالية وتحريضية، ولا من يصارح اللبنانيين ما لهذا الملف وما عليه وكم يساهم اليوم بإدخال الـ«فريش دولار» إلى لبنان والتي بالتأكيد لا تذهب إلى جيوب اللاجئين.

وفي النهاية لا بد أن يعي الجميع، أن بشار الأسد الذي هجّر أكثر من نصف الشعب السوري لم يهجرهم ليعيدهم بخطة ارتجالية لشرف الدين أو حجار، وأن حزب الله ومعه إيران لم يُخرجا أهالي قرى ومدن عدة من بيوتهم وتأتي بمن يستوطن مكانهم لتتراجع لأجل خطاب سياسي لبناني، عودة اللاجئين ضرورية جدا ولكنها تبدأ مع الحل السياسي في سوريا، من هرب من الموت تحت البراميل المتفجرة لن يعود ليموت تحت التعذيب في سجون الأسد.