33 عاماً على إقرار «اتفاق الطائف».. وتحذير من «الخطر الكبير»!

لبنان في «مهبّ الفراغ» وسط محاولات انقلاب على الدستور
صورة تظهر كرسي الرئاسة فارغاً بعد انتهاء ولاية الرئيس اللبناني السابق ميشال عون رسمياً، في بعبدا، لبنان في 1 نوفمبر 2022 (رويترز)

بيروت: دخل لبنان مرحلة جديدة، وسط شغور رئاسي وأزمة سياسية تُرجمت بالفشل في تشكيل الحكومة والتوافق على رئيس، لتتّسع الهوة في الجمهورية ويحتدم الصراع بين حاملي راية الطائف، ولبنان الواحد، الداعين إلى انتخاب رئيس ملتزم به، وبين أولئك الذي يرفعون ألوية الانقسام والخراب ويجهدون إلى ولادة حكم يخضع لدستور مصالحهم.
تكشف ذكرى مرور 33 عاماً على توقيع ‎اتفاق الطائف، هشاشة الواقع اللبناني الذي يتشابه في «قساوته» مع ماضٍ «عنيف» استوجب ولادة «وثيقة الوفاق الوطني» التي وضعت حدّاً للتناحر والاقتتال بين الأطراف المتنازعة في لبنان، برعاية وجهود سعودية في 30 سبتمبر (أيلول) 1989 في مدينة الطائف انتشلت البلاد من الجحيم الغارق به، وتم إقراره في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1989 منهياً الحرب الأهلية، بعد أكثر من 15 عاماً على اندلاعها.
تأتى ذكرى توقيع الاتفاق الذي صدّق عليه البرلمان اللبناني في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، فى خضم أزمة سياسية يعيشها لبنان انعكست فى عدم التوصل إلى انتخاب رئيس جديد ضمن المهلة الدستورية التى انتهت فى 31 أكتوبر، ودخول لبنان فى فراغ  يبدو أن الخروج منه «مجهولاً»، فى ظل «لعبة الصراع على الكراسي» التي فشلت في أن تبصر الحكومة النور أيضاً، في وقت لبنان بأمس الحاجة فيه إلى قيادة تُنقذ البلاد من الغرق.
تصاعدت الدعوات إلى الالتزام ببنود «الاتفاق الخلاص»، قاطعة الطريق أمام محاولات «مشبوهة» لتجاوز الوثيقة، إذ إن تعديل الدستور لا يمكن أن يحصل إلا في ظل استقرار سياسي وتوازن داخلي، وليس في ظل وجود فريق يطيح بالمرتكزات الوطنية بالقوة ويتحكم بمجريات الحياة السياسية وتعطيلها وتقييد الديمقراطية.
وضع اتفاق الطائف إلغاء الطائفية هدفاً أساسياً له، وأعاد وضع لبنان كبلد له هوية وانتماء عربي، وتكون من أربع مواد، الأولى المبادئ العامة والإصلاحات إذ نصت على التأكيد على استقلال لبنان وهويته العربية وشكله السياسي كدولة جمهورية برلمانية ديمقراطية، كما نصت الفقرات على مجموعة من الإصلاحات السياسية التي تم الاتفاق عليها كتوزيع مقاعد مجلس النواب مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بالإضافة إلى إصلاحات أخرى في مجالات مختلفة كالإدارة والتعليم والمحاكم، أما المادة الثانية فقامت على بسط كل سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، ونصت فقرات هذه المادة على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتعزيز قوى الأمن الداخلي والقوات المسلحة وحل مشكلة المهجرين وتأكيد حق المهجرين في العودة إلى الأماكن الأصلية التي هجروا منها.
ارتكزت المادة الثالثة على تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وضرورة العمل على تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425، أما المادة الرابعة فتمحورت حول العلاقات اللبنانية السورية، وأكدت على أن لبنان لا يسمح بأن يكون ممراً أو مركزاً لأي نشاط يستهدف الأمن السوري، كما يؤكد حرص سوريا على الأمن والاستقرار في لبنان.

الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز يستقبل كبار المشاركين في مفاوضات الطائف (صورة أرشيفية)

دستور لا يُعبث به بسهولة.. ومطالبة بـ«طائف المساعدة»
جاءت وثيقة الوفاق الوطني ثمرة جهد سعودي استثنائي وتوافق إقليمي ودولي، وسط حاجة للتمسّك بها في «زمن الفراغ»، فتصاعدت المواقف للمطالبة بتحصينها وتنفيذ كامل بنودها نصاً وروحاً، باعتبار أن المسّ بهذه الوثيقة في هذه المرحلة العصيبة أشبه برمي البلد في طريقالمجهول.
جزم الوزير السابق رشيد درباس لـ«المجلة» بأن «هناك شعورا بالحزن والأسى الشديدين، لأنه بدل أن تكون السنوات التي انقضت فرصة لخروج لبنان من الحرب الأهلية إلى الازدهار وإلى دولة ديمقراطية خالية من الطائفية بعد أن كان موضع رعاية عربية اجتماعية كما رعاية المغفور له الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، حيث تم إنجاز هذا الاتفاق الدستوري الديمقراطي ووضع أسس ثابتة للعيش المشترك اللبناني، لجهة نهائية الوطن اللبناني والمناصفة غير القابلة لإعادة الإحصاء، ولكن للأسف الشديد هذا الاتفاق الذي جرى تطبيقه تحت الوصاية السورية تم تشويهه، وهناك أطراف عملت للتنصل منه، وكأن غايتها إعادة العجلة إلى الوراء واستعادة الحرب الأهلية».
ولفت إلى «أنه لحسن الحظ أصبح هذا الاتفاق دستوراً، والدستور لا يُعبث به بسهولة، ولكنه يحتاج لإرادات طيبة للحفاظ عليه، ولذلك فإن أول واجبات المجلس النيابي في ذكرى الطائف هو الإسراع بانتخاب رئيس للجمهورية»، مشدّداً على أنه «علينا أن نُذكّر بأن الطائف أنجز فوراً انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ولما جرى انتخابه استطاع حينها المجلس النيابي انتخاب رئيس بديل خلال 48 ساعة، أما أن يتم التراخي بهذا الاستحقاق الدستوري لسنوات وشهور، فهذا ما لم يقله الطائف على الإطلاق».
ووجّه درباس «التحية لجميع النواب الذين أسهموا في ولادة اتفاق الطائف وشاركوا في مناقشته، وللدولة المضيفة أي المملكة العربية السعودية التي رعته وما زالت»، مشيراً إلى أن «الذكرى هي مناسبة أيضاً لنتوجه إلى أشقائنا العرب للقول بأن لبنان ليس في أحسن أحواله وهو يعاني أزمات لم يسبق له أن مرّ بها، وخصوصاً لناحية التضخم وفقدان الودائع وصعوبة الاستشفاء وغيره، إذ إن الشعب اللبناني يقوم باللحم الحي».
واستغل المناسبة «طالباً من الأشقاء العرب أن يتداعوا لطائف من نوع آخر، وهو طائف المساعدة والعناية لهذا الشقيق الذي كان منارة للعروبة».

الوزير السابق رشيد درباس

محاولات لـ«نسف» الطائف بقيادة محور الممانعة  
اختتمت ولاية الرئيس اللبناني السابق ميشال عون وسط انقسام سياسي وانهيار غير مسبوقين، ترافقا مع دعوات إلى الالتزام السياسي بالوثيقة واستكمال تطبيقها، ومطالبة أي رئيس مقبل بالالتزام بها، بعد أن برزت محاولات عدّة للتشويش على الطائف والهرطقة من أجل تفصيل دستور جديد يتماهى مع مشاريع، باطنها معلوم كما ظاهرها، بفعل مروّجيها الطامحين إلى تحقيق مآربهم على ركام الوطن المحطّم.
تأتي ذكرى التوقيع على اتفاق الطائف، وفق ما أكده الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة لـ«المجلة».. «وسط عاصفة هوجاء سياسية دستورية مؤسساتية تُطرح فيها الكثير من الأفكار، بعضها معقول، والآخر مجنون».
وأوضح أنه «في الآونة الأخيرة، ومنذ أكثر من عامين، بدأ يُحكى في أوساط محور الممانعة بقيادة حزب الله والتيار الوطني الحرّ عن أن لبنان في أزمة نظام عميقة، وأن الأزمة هي أزمة دستور أيضاً وأن لبنان بحاجة للخروج من أزماته لإعادة النظر بالطائف أي بالدستور وإجراء تعديلات فيه»، مشيراً إلى أن «الواجهة في هذه الحملة كان التيار الوطني الحرّ أي رئيس الجمهورية وفريقه اللصيق، في حين أن حزب الله اكتفى بحملة من المقعد الخلفي فأدار مجموعاته الإعلامية والسياسية غير المباشرة بما يشي بأنه يُحضّر لعمل يستهدف اتفاق الطائف عبر طرح فكرة المؤتمر التأسيسي من خلال تصريحات وتحليلات وحملات وتسريبات من قبل فريق هذا المحور».
واعتبر حمادة أن «التيار الوطني ذهب نحو مواجهة مباشرة مع اتفاق الطائف بالقول إنه على الرغم من أنه الدستور الذي يرعى عمل الجمهورية اللبنانية إلا أنه سلب حقوق المسيحيين وقد حاول الرئيس السابق ميشال عون جهده تطبيق الطائف بحذافيره ليُقلّل الخسارة المسيحية»، لافتاً إلى أن «هذا كان بمثابة تحريض طائفي، إذ إن أوساط التيار الوطني الحر تُردّد بأن هناك ثغرات كبيرة ونواقص كثيرة في الطائف ولا بدّ من حصول تعديل وتفسير».
ورأى أنه «لو لم يكن هناك خوف على المؤسسات والجمهورية ومحاولة نسف الكيان من أساسه، لكان ربما الطرح منطقياً، لكن الواضح أن  فريق التيار الوطني الحر لا يعترف بالطائف عملياً، فهو يتعايش معه ولكنه لا يعترف به ويعتبر أنه كارثة على المسيحيين وفُرض فرضاً بالقوة».
وقال: «يريدون فتح باب التعديلات على الطائف تحت شعار وجود ثغرات لا بد من معالجتها، وهذا الأمر يستبطن هدفاً وهو نسف الطائف بالأساس وتغيير المعادلة ليس لصالح المسيحيين، بل لصالح مشروع يلتقي حوله التيار مع حزب الله، وهو نسف المعادلة السياسية كاملة وتغيير الدستور بشكل يُبدّل المعطى السياسي والاجتماعي في البلد».

المحلل السياسي علي حمادة


وأكّد حمادة على أن «أي طرح في ظل هذه الأزمة والمشاريع التي يعرفها اللبنانيون، للمساس بأي بند من بنود اتفاق الطائف بحجة وجود ثغرات، وإن كانت موجودة، هو طرح يُخرّب الجمهورية لأنه يأتي في ظرف استهداف للكيان اللبناني، لأنه على سبيل المثال، فإن من يريد أن يعالج ثغرة هنا سيُقابل بثغرات يطرحها الفريق الآخر، وبالتالي هذا أمر يفتح الباب على نسف المعادلة اللبنانية»، مشيراً إلى أنه «ليس في الإمكان في الظروف الحالية المساس بالطائف والدستور الذي كلّف لبنان 200 ألف قتيل خلال الحرب الأهلية أي إن ثمنه دماء».
وشدّد على أن «اتفاق الطائف ليس اتفاقاً لبنانياً بل هو اتفاق عربي ودولي، بُني عليه الدستور القائم على تفاهمات وتوافقات لبنانية وعربية ودولية، وتغييره يحتاج، في حال طرحه، إلى  توافقات مماثلة، وبالتالي لا يمكن المساس بدستور هذا البلد المنقسم عمودياً وأفقياً بشكل حاد، وفي ظل قوى سياسية تريد تغيير وجه لبنان أي حزب الله والتيار الوطني الحر الملحق به، ويسعى إلى تغيير الصيغة اللبنانية والنظام والديموغرافيا والتوازنات الدقيقة اللبنانية، وهذا هو الخطر الكبير».
وجزم حمادة بأن «الأكيد أن الطائف راسخ ولا بديل عنه في الوقت الحاضر والمدى المنظور، فلنبحث في لبنان عن إمكانية لتحسين تنفيذ ما ورد في الدستور ولتطبيقه بنوايا حسنة إيجابية تُسهّل تسيير عمل مؤسسات الدولة وحياة الناس وليس عرقلتها وتعطيلها كما هو حاصل الآن».
تحكم الصورة الضبابية مستقبل لبنان، فالأيام المقبلة لن تكون بالسهلة على كل المستويات، ليبقَ الترقب سيّد الموقف بانتظار بزوغ مستجدات تحول دون ولوج البلاد نحو مزيد من التأزم، فيما الرهان على حكمة من تبقى من عقلاء في بلد يدفع ثمن جنون مسؤولين لم يتركوا خلفهم سوى الخراب.