دبلوماسية الطاقة… تحركات سعودية لإنقاذ الإنسانية

ثقة عالمية بقدرات المملكة في إدارة أزمة الطاقة
1- ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان قام بجولة أوروبية يوليو الماضي بهدف تعزيز التعاون الثنائي، خصوصًا في مجالي الاقتصاد والطاقة

باكو: «مملكة الخير»ذلك هو الوصف الأقرب إلى ما تقوم به المملكة العربية السعودية في عالم مليء بالاضطرابات والصراعات والحروب والنزاعات، إذ تحمل المملكة في سياستها الخارجية رسالة خير للإنسانية جمعاء، بدءا من المساعدات الإنسانية والتنموية مرورا بالمشروعات الاقتصادية والاستثمارية، وصولا إلى المبادرات السياسية والدبلوماسية الهادفة إلى إحلال السلام والاستقرار في مختلف ربوع المعمورة.

واليوم يواجه العالم أزمات حياتية ترتبط بمصير الشعوب واحتياجاتها من الغذاء والطاقة، فإذا بالمملكة العربية السعودية تطرح عديد المبادرات على غرار مبادرة سلاسل الإمداد العالمية، ومبادرة إقامة مشروعات استثمارية في دول الجوار العربي للتخفيف من تداعيات تلك الأزمة ومحاولة النهوض باقتصاداتها. وإن ظلت مسؤوليتها في سوق الطاقة نموذجا لما يمكن أن نطلق عليه دبلوماسية الطاقة ودورها في تعزيز الاستقرار العالمي في سوق الطاقة التقليدية (الأحفورية) على غرار ما جرى مؤخرا في اتفاق دول «أوبك بلس»، والذي يقضي بتخفيض الإنتاج من النفط خلال الفترة القادمة ما يقرب من مليوني برميل حفاظا على التوازن في السوق بين المستهلكين والمنتجين من خلال ضبط العلاقة بين طرفي المعادلة (العرض والطلب) دون أن يحمل هذا القرار أية أبعاد سياسية ردا على المغالطات التي حاول البعض أن يصف بها القرار، إذ جاء القرار اتساقا مع الرؤية السعودية في تعزيز إمدادات الطاقة عالميا دون أن يكون لذلك تأثير على اقتصاديات المنتجين وهو ما أكد عليه وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بقوله إن «السعودية تعمل مع عدد من الحكومات الأوروبية بما في ذلك ألمانيا وبولندا لضمان أمن الإمدادات هذا الشتاء، وأن السعودية زودت القارة بـ950 ألف برميل يوميًا من النفط في سبتمبر (أيلول) 2022 أي ضعف المستوى الذي تم توفيره قبل عام تقريبًا». كما امتد هذا الدور أيضا في سوق الطاقة الجديدة والمتجددة على غرار ما أبرمته المملكة من اتفاقات مع عديد الدول الأوروبية في هذا الخصوص.

وفي ضوء ذلك، شهدت الآونة الأخيرة جهودا للدبلوماسية السعودية في مجال الطاقة، هدفت إلى تعزيز التعاون مع عديد الأطراف الأوروبية؛ في محاولة لتخفيف تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على اقتصاديات هذه الدول على وجه الخصوص وعلى سوق الطاقة بصفة عامة، وذلك على النحو الآتي:

خلال توقيعالأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة، وبيتر ألتماير؛ الوزير الاتحادي للشؤون الاقتصادية والطاقة في ألمانيا الاتحادية، مذكرة تفاهم بين الجانبين السعودي والألماني حول إنتاج واستغلال الهيدروجين

السعودية وألمانيا... حوار الطاقة وتحالف الهيدروجين

كانت ألمانيا على موعد جديد لأزمة الطاقة عقب بدء العملية الروسية الأوكرانية، إذ واجهت برلين تحديات كبرى جراء تراجع الصادرات الروسية إلى السوق الألمانية سواء بسبب انقطاعات الإمداد مع تعطل خطوط النقل أو بسبب القرارات الروسية المتعلقة بشأن تسوية المعاملات المالية بالروبل الروسي، ردا على المواقف السياسية المتصاعدة في حدتها بين الجانبين (روسيا من جانب والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جانب آخر)، الأمر الذي فرض على المستشارية الألمانية البحث عن مسارات بديلة تخفف من حجم الأزمة التي ستشهد مع قدوم الشتاء تفاقما واسعا، خاصة في ظل اعتمادها على الغاز الروسي في تلبية 55 في المائة من احتياجاتها من الطاقة، فكان التوجه صوب المملكة العربية السعودية المسار الأكثر أهمية لدى الجانب الألماني كما صرح بذلك  المستشار أولاف شولتس خلال زيارته إلى المملكة في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي (2022) حينما أكد على أنه يريد تعميق شراكة الطاقة بين البلدين، وذلك بقوله: «الشراكة يجب أن تتجاوز حدود الوقود الأحفوري لتشمل الهيدروجين والطاقات المتجددة»، وقد تم بالفعل الاتفاق على تصنيع الهيدروجين الأخضر والهيدروجين الأزرق على أرض المملكة وتصديرهما إلى ألمانيا قبل عام، مستكملا بذلك ما سبق وأن قام به البلدان في مارس 2021، بالتوقيع على مذكرة تعاون في مجال الهيدروجين، وتم تفعيلها من خلال خارطة طريق قائمة على ثلاثة محاور رئيسية، هي: السياسات، والتقنيات، والأعمال.

وغني عن القول إن علاقة البلدين في مجال الطاقة من المنتظر أن تشهد مزيدا من التعاون في قادم الأيام، وهذا ما أكدته دراسة نُشرت حديثا صادرة عن الوزارة الاتحادية الألمانية للشؤون الاقتصادية والعمل المناخي، بعنوان «إمكانات التعاون في مجال الهيدروجين بين المملكة العربية السعودية وألمانيا، اشارت فيها إلى أن الهيدروجين النظيف المقصود في هذه الدراسة هما النوعان؛ الهيدروجين الأخضر الذي يتم إنتاجه باستخدام مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين المنخفض الكربون الذي يتم في عملية إنتاجه تجنب انبعاثات الكربون إلى الغلاف الجوي وتخفيفها أو التقاطها أو استخدامها. وقد خلصت الدراسة إلى أن البلدين يمتلكان معا الموارد والبنية التحتية والمهارات اللازمة لإنتاج هيدروجين بتكلفة تنافسية من خلال التعاون عبر أجزاء سلسلة الإمداد المختلفة.

خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى باريس يوليو الماضي، اتفق مع الجانب الفرنسي على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف

السعودية وفرنسا... التعاون في مجال إنتاج الطاقة

لم تكن فرنسا أحسن حالا مما تواجهه ألمانيا، بل ربما تتزايد تحدياتها في باريس مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قد شهدتها فرنسا قبل الأزمة الراهنة، والتي عرفت آنذاك بحركة السترات الصفراء اعتراضا على سياسات الحكومة في ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات، وهو ما ينذر بتفاقم أبعاد تلك الأزمة بشكل يزيد من الأعباء التي يتحملها المواطن الفرنسي في الشتاء القادم. ولذا كان الحرص الفرنسي أيضا على أن يتوجه صوب المملكة العربية السعودية في محاولة للبحث عن حلول تمكنها من الحد من تأثيرات الأزمة وتداعياتها. وفي هذا المقام جاء التواصل عبر الاتصال المرئي بين كل من الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي، وأغنيس روناتشر وزيرة تحول الطاقة الفرنسية، بهدف التأكيد على الحاجة لزيادة استقرار سوق النفط العالمية، عبر البحث عن بدائل أخرى. ولذا اتجهت كل من السعودية وفرنسا إلى التعاون في مجالات الهيدروجين النظيف والطاقة المتجددة، والذي تشارك فيه الشركات الفرنسية بدرجة فاعلة. ومن الجدير بالذكر أن هذا الاتفاق جاء استكمالا لما ورد في البيان السعودي الفرنسي الصادر في يوليو (تموز) الماضي (2022) خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، إذ أكد الطرفان على أهمية تعميق الشراكة الاستثمارية بينهما عبر رفع وتيرة التعاون الاستثماري والاقتصادي، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتعاون في مجال الهيدروجين النظيف، والالتزام بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي واتفاقية باريس، وضرورة تطوير وتنفيذ الاتفاقيات المناخية بالتركيز على الانبعاثات وليس على المصادر.

توقيع مذكرة تفاهم بين السعودية واليونان حول الطاقة يوليو الماضي

المملكة واليونان... ديمومة التواصل فى مجال الطاقة

تمتد أزمة الطاقة إلى اليونان والتي أسرعت هي الأخرى إلى التوجه صوب المملكة العربية السعودية بما تحرص عليه في سياستها الخارجية بضرورة بذل العطاء والدعم للجميع، وهو ما دفع وزير الطاقة اليوناني كوستاين سكريكاس، إلى تواصله مع وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، للعمل على تعزيز علاقاتهما في مختلف مجالات الطاقة، مع الاستعداد للتعاون في دعم استقرار أسواق البترول العالمية، واستمرار التواصل الوثيق، فضلا عن أمن وموثوقية إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية بصفة عامة وإلى السوق اليونانية على وجه الخصوص. وجدير بالإشارة أن هذا التعاون جاء مكملا لما سبق وأبرمه البلدان من مذكرة تفاهم في مجال الطاقة على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء إلى اليونان في أواخر يوليو الماضى (2022)، حيث وقع الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة، ووزير الخارجية اليوناني نيكولاس جيورجيوس دندياس، مذكرة تفاهم للتعاون في عدة مجالات ذات علاقة بقطاع الطاقة، شملت مجالات الطاقة المتجددة، والربط الكهربائي، وتصدير الكهرباء إلى اليونان وأوروبا، والهيدروجين النظيف ونقله إلى أوروبا، وكفاءة الطاقة، وصناعة البترول والغاز والبتروكيماويات، وتبني نهج الاقتصاد الدائري للكربون وتقنيات الحد من آثار تغير المناخ، مثل التقاط الكربون، وإعادة استخدامه ونقله وتخزينه، والتقاط الكربون من الهواء مباشرة، فضلا عن العمل على البحوث المشتركة في مجالات الطاقة مع الجامعات والمراكز البحثية، إضافة إلى بناء القدرات البشرية عن طريق التدريب، وتبادل الخبرات والمعلومات ذات الصلة بمجالات الطاقة المختلفة.

نهاية القول إن دبلوماسية الطاقة ليست نمطا جديدا في المجال الدبلوماسي بالنسبة للمملكة العربية السعودية، إذ اعتمدت عليها في عديد المواقف الإقليمية والدولية، بهدف تحقيق الأمن والاستقرار ليس فقط سياسيا وإنما أيضا اقتصاديا. وإذا كانت تلك الدبلوماسية تركزت سابقا في مجال الطاقة الأحفورية، فإنها اليوم اتسعت دائرتها لتشمل مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة وذلك في ظل التحولات التي يشهدها هذا القطاع تماشيا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، والتي ترتكز بشكل رئيسي على أهمية العمل على تنويع مزيج الطاقة، بما يعزز من جهود المملكة في الحفاظ على البيئة والتعامل مع تغيرات المناخ من ناحية، وتحقيق الاستقرار في سوق الطاقة بنوعيها (الأحفورية والجديدة والمتجددة) من ناحية أخرى، تلك هي المعادلة الجديرة بالتحقق في عالم اليوم على النحو الذي تسعى إليه المملكة العربية السعودية والتي أضحت الشريك المفضل للتعاون الاستراتيجي مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية في مجال الطاقة بنوعيها، ليؤكد كل ذلك على الثقة العالمية في القدرات السعودية لإدارة أزمة الطاقة العالمية التي تتفاقم أبعادها وتتشابك عناصرها.