تقرير جديد يكشف فظائع ارتكبها النظام السوري: لم يتركوا أثراً بعدما أحرقوا جثث الضحايا

مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة لـ«المجلة»: هدفنا إخبار السوريين والمجتمع الدولي بما يحدث
جنود من قوات النظام السوري

القامشلي:  أحدث تقرير نشره أخيراً «المركز السوري للعدالة والمساءلة» والمعروف اختصاراً بـ(SJAC)، صدمة لدى الرأي العام بعد أن كشف عن قيام جهازٍ أمني يتبع لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بإحراق جثث مدنيين وعسكريين منشقّين وآخرين ينتمون للمعارضة في إعدامات ميدانية، فأين تمّ ذلك؟ وما هي الطريقة التي أنهى بها النظام السوري حياة المحتجزين لديه؟
تمّت تلك الإعدامات الميدانية في العام 2012، أي بعد مرور حوالي عامٍ من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا والتي طالبت برحيل رئيس النظام قبل أن تتحول لحربٍ طاحنة شاركت فيها أطراف دولية وأخرى إقليمية، لكن طريقة تنفيذ تلك الإعدامات كانت مختلفة عن سابقاتها التي كُشفت خلال السنوات الماضية.

إحراق رفات الضحايا والتخلص منها
كشف تقرير «المركز السوري للعدالة والمساءلة» والذي نُشر قبل أيام تحت عنوان (لا تتركوا أثراً: إحراق الحكومة السورية لرفات الضحايا والتخلص منها)، من خلال الجمع بين البيانات المفتوحة المصادر والتوثيق الميداني، النقاب عن أدلة تربط عناصر من الفرقة التاسعة بارتكاب ممارسات التعذيب والإعدام الميداني بحق المدنيين والمقاتلين المنشقين في عام 2012، وذلك في مكان يقع بين قرية القنية ومدينة الصنمين في محافظة درعا.
كما حصل المركز على مقاطع فيديو تُظهر عناصر من فرع المخابرات العسكرية في المسمية في درعا، وآخرين من اللواء 34 مدرع التابع للفرقة التاسعة وهم يتخلصون من جثث أولئك الضحايا، إذ حرص الجناة على التقاط صور فوتوغرافية وتصوير مقاطع فيديو للعملية برمتها، بما في ذلك تصوير عملية سكب البنزين على وجوه جثث الضحايا وأياديهم قبل أن يضرموا فيها النيران.
وعلى الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها مادة توثّق هذه الجرائم إلى العلن، فمن المرجح أن حرص الجناة وطريقة تعاملهم مع عملية إتلاف الرفات البشري بشكل منهجي بحضور ضباط كبار يشير إلى اعتماد ممارسات ممنهجة على نطاق واسع من طرف الحكومة السورية تهدف من خلالها إلى إتلاف الأدلة التي تثبت ارتكابها لتلك الجرائم، وحرمان ذوي الضحايا من معرفة مصير أحبتهم، أو استلام رفاتهم، وفق ما جاء حرفياً في التقرير.
ويبلغ عدد مقاطع الفيديو 131 مقطعا، إلى جانب 440 صورة فوتوغرافية، واثنين من ملفات التسجيل الصوتي، ويوفر هذا التوثيق أدلة واضحة على حرق رفات الجثث ودفنهم في مقابر جماعية من طرف عناصر فرع المخابرات العسكرية في المسمية، وعناصر اللواء 34 مدرع التابع للفرقة التاسعة، بحسب ما جاء في التقرير.

صورة توثق إحراق جثث الضحايا (حصل عليها المركز السوري للعدالة والمساءلة ونشرها يوم 31 أكتوبر 2022)

إخبار السوريين والمجتمع الدولي بما يحدث
إلى ذلك، أكد محمد العبد الله، المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة» أن «العمل على هذا التقرير استغرق حوالي ستة أشهر»، مضيفاً: «لقد عمل عليه أحد محققي المركز، وكبير محللي البيانات، والمدير التنفيذي للمركز. وتمّت الاستعانة بعدة زملاء في قسم التكنولوجيا وخصوصاً بما يتعلق بصور الأقمار الصناعية، كما تمّت الاستعانة بزميل من قسم وثائق أجهزة الأمن».
وأضاف لـ«المجلة» أن «لا أحد من العاملين على التحقيق مقيم داخل سوريا»، مشيراً إلى أن «المركز شارك التقرير مع لجنة التحقيق الدولية، ومع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ومع مجموعة من مكاتب جرائم الحرب في النيابات العامة الأوروبية أيضاً».
وكشف العبد الله أن «الهدف الأساسي لنشر التقرير أولاً هو إخبار السوريين والمجتمع الدولي عما يحصل، ومن ثم محاولة مساعدة العائلات معرفة مصير أبنائها»، لافتاً إلى أن «هناك ثلاثة مفقودين من عائلة واحدة نجح المركز بالتواصل معهم. إضافة إلى أننا نحاول أيضاً التعرّف على هوية بعض الضباط الذين ظهروا بالفيديوهات لكن لم نستطع التعرّف عليهم».

محمد العبد الله، المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة»

كيف حصل المركز على الأدلة والوثائق؟
في أواخر العام 2021، تواصل مع «المركز السوري للعدالة والمساءلة»، أحد الناشطين الإعلاميين السوريين من ضواحي دمشق، وقد عرّفه المركز في التقرير باسم «المصدر»، وهو يقيم في الوقت الحالي خارج البلاد، وكان قد تحدّث عن حيازته لمجموعة من مقاطع الفيديو والصور الفوتوغرافية التي تظهر عمليات إعدام معتقلين، وحرق جثثهم قبل دفنها.
وقال الناشط للمركز إنه تمّ العثور على تلك المقاطع المخزنة أصلاً على هاتفٍ نقّال وحاسوب محمول يعودان إلى إحدى المجموعات التابعة لقوات الحكومة السورية عقب تعرضها لكمين على طريق الشقرانية بدرعا على يد إحدى جماعات المعارضة المسلحة (لواء أمهات المؤمنين). وتواصل أحد أعضاء اللواء مع «المصدر» عقب الكمين، وعرض عليه أن يبيعه جهاز حاسوب محمول استولى عليه من إحدى المركبات التي وقعت في الكمين. واشتراه هذا بالفعل، وقام بتنصيب برمجية لاستعادة الملفات التي كانت مخزنة على الذاكرة، وتمكّن من استرجاع 131 مقطع فيديو، و440 صورة فوتوغرافية، واثنين من ملفات التسجيل الصوتي.
ومن ثم لاحقاً، تولى محللو المركز إدخال 147 مادة توثيقية إلى قاعدة تعرف باسم «بيانات» وشملت 94 صورة، و52 مقطع فيديو، وملفاً صوتيا واحداً، وذلك عقب جولات عدة من النقاش واستعراض بعض العينات، حيث وافق «المصدر» على مشاركة كامل مجموعة البيانات الموجودة بحوزته مع المركز الذي حذف المقاطع المكررة، والملفات التالفة، والمواد التي لا تربطها أي صلة بتوثيق تلك الجرائم الخطيرة.
وتصف أربعة مقاطع ضمن مجموعة البيانات، تلك الواقعة الرئيسية التي يوردها التقرير وتتمثل في حرق رفات بشري ودفنه. كما يوفر 30 فيديو آخر توثيقاً إضافياً لقيام عناصر الوحدة العسكرية ذاتها بالتخلص من الجثث. وعقب إجراء تحليل أكثر عمقاً، تمّ الجزم بأن آخر 18 مقطعاً من مقاطع الفيديو، والصور الفوتوغرافية الـ94، والملف الصوتي الثاني لم تكن على صلة بالواقعة الرئيسية محط التحقيق والاستقصاء والتي تتمثل بحرق الجثث والتخلص منها.

تصوير متعمد
وقد وجدت العشرات من مقاطع الفيديو المسربة من تصوير مرتكبي الجرائم من عناصر قوات النظام طريقها إلى الرأي العام في مراحل مختلفة خلال النزاع. وبدا الأمر في بعض الأحيان وكأن تصوير مقاطع التعذيب أو الإعدامات الميدانية كانت ممارسات مرتجلة قد تندرج تحت بند «تباهي» الجناة بما اقترفته أيديهم وتبجحهم بشأنها بين رفاقهم الجنود والضباط، أو أنها تأتي في سياق إثبات الولاء للحكومة السورية. إلا أن مقاطع الفيديو التي تحدّث عنها تقرير المركز السوري تخالف ذلك التوجه، ويظهر أن التصوير كان في هذه المرة تحديداً ضمن عملية ممنهجة لتصوير الواقعة بشكل مقصود، وبأوامر صادرة عن فرع المخابرات العسكرية، وفق ما يصف التقرير.

صور من قرب لوجوه أصحاب الجثث باستخدام كاميرا رقمية صغيرة وتوثيق هوياتهم بطريقة «ممنهجة» بعد أن قتلتهم قوات النظام في درعا، وجرى حرقهم ودفنهم في مقبرة جماعية بمنطقة نائية بدرعا (صور حصل عليها المركز السوري للعدالة والمساءلة ونشرها يوم 31 أكتوبر 2022)

المصوّر عسكري يحمل رتبة مساعد
وجزم محللو «المركز السوري للعدالة والمساءلة» بأن الشخص الذي قام بتصوير مقاطع الفيديو يُدعى محمد طاهر الإبراهيم الملقب بـ(أبو طاهر)، ويحمل رتبة مساعد في فرع المخابرات العسكرية في المسمية. ويبدو أن ضابطاً رفيع المستوى قد كلّف أبو طاهر بتصوير مقاطع الفيديو. وتُظهر الكثير من المقاطع التي صورها أبو طاهر ضباطا آخرين أبدوا انزعاجهم من ظهورهم أمام عدسة الكاميرا، ولكن لم يأمره أحد، بما في ذلك الضباط الأعلى رتبة منه، أن يتوقف عن التصوير. كما يظهر طاهر في إحدى الوقائع وهو يصور بالفيديو جميع الموجودين عند أحد الحواجز العسكرية أو نقاط التفتيش، ويحرص على منع أي أحد آخر سواه من التصوير.
ويمكن بعدها سماع صوت الرائد فادي القوزي (وهو أعلى رتبة من أبو طاهر) وهو يطلب منه التوقف وعدم تصويره في المقطع بزعم أنه لا شأن له بما كان يحصل حينها (وذلك على الرغم من أنه بالإمكان مشاهدة الرائد القوزي وهو يشارك في ارتكاب تلك الانتهاكات).

فرع أمني طلب تصوير عمليات الإعدام الميدانية
ويظهر في واقعة مصورة ثالثة المقدم إسماعيل محمود إسماعيل وهو يسأل أبو طاهر عما إذا كان يصورهم بشكل رسمي. ثم سرعان ما شرع الرائد فادي وآخرون بتبادل النكات والتهكم على أبو طاهر الذي سرعان ما حذرهم قائلا: «بده ينزع المقطع بس شو بدي أعمل. هاد مقطع الفيديو للفرع» وهو يشير هنا على الأرجح إلى فرع المخابرات العسكرية الذي ينتمي إليه، أو لعله يكون فرعا آخر أعلى مستوى، بحسب التقرير.
وتُظهر الحوارات في هذه المقاطع المصورة أن جهاز المخابرات العسكرية السوري أراد أن يوثّق تلك العمليات ومرتكبيها الى جانب ضحايا أعمالهم الوحشية، علما بأنه لم يتم تصوير تلك العمليات بشكل سرّي، أو بتقدير وتصرف شخصي من أحد الشهود عليها. ومن الجليّ أن بعض عناصر المخابرات العسكرية كانوا مسؤولين عن توثيق تلك الجرائم بما في ذلك توثيق هوية الضحايا عن كثب.
وتُظهر المجموعة الأولى من مقاطع الفيديو قوات النظام وهي تجري التحضيرات والاستعدادات وتقوم بالتعبئة لما يبدو أنها عملية عسكرية على وشك أن تشنها. وباستخدام مقاطع الفيديو في هذه المجموعة، تمكن فريق التحقيق في «المركز السوري للعدالة والمساءلة» من تحديد المواقع الجغرافية للمناطق التي نشط الجناة فيها، وأكد انتماءهم لجهاز المخابرات العسكرية، ولتشكيلات تابعة للفرقة التاسعة في منطقة اللجاة.
واعتمد المركز على مقطعي فيديو التُقطا داخل أحد المباني للتحقق من أن المبنى عائد لفرع المخابرات العسكرية في المسمية، ويظهر عدد من المقاتلين يقفون في ساحة المبنى وهم يتلقون أوامر من أحد قادتهم الذي تم تحديد هويته، وهو الرائد فادي القوزي.
وتعيد مقاطع الفيديو هذه إلى الأذهان ما بات يُعرف اليوم بـ«مجزرة التضامن»، التي كشف عنها تقرير لمجلة «نيولاينز» والذي أظهر ارتكاب قوات النظام لإعدامات جماعية بحق عشرات المعتقلين في حي التضامن الواقع في ريف العاصمة دمشق، حيث قادوا 41 معتقلاً إلى حفرة قبل قتلهم، بحسب مقاطع الفيديو التي نشرتها صحف عالمية في أواخر أبريل (نيسان) الماضي.