«كوب 27».. ضحايا تغير المناخ يصدحون في شرم الشيخ

ضغوط على الدول المتقدمة.. والسعودية نقطة ضوء
الصورة التذكارية للمشاركين في قمة المناخ في مصر

شرم الشيخ: تميزت قمة المناخ في شرم الشيخ «كوب 27» عن النسخ السابقة لها، في منحها الفرصة الكاملة للدول المتضررة من التغير المناخي لتوصيل صوتها، وانتزاع المزيد من تعهدات العالم المتقدم الأكثر تلويثاً للبيئة بالوفاء بالتزاماته المالية تجاه الدول الفقيرة ومتوسط الدخل، خاصة الواقعة في قارة أفريقيا.
استحوذت متلازمة «الفقر والتغير المناخي» على الكثير من نقاشات القمة، التي استمرّت حتى 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، بتمثيل من 197 دولة وأكثر من 120 قائدًا وزعيمًا ومسؤولًا ورئيسًا، والذين اتفقوا جميعًا على أن  أرزاق الملايين من الفقراء والضعفاء مُهدَدة بسبب خسائر الطبيعة وتغير المناخ، كما تعهدت النرويج بتقديم ثلاثة أضعاف التمويل الخاص بالتكيف إلى أفريقيا.

جانب من الاجتماعات


حاولت «كوب 27»، منذ اليوم الأول لانطلاقها، العمل على توفير حزم تمويلية للدول الفقيرة لمواجهة تداعيات الاحتباس الحراري، في ظل عدم وفاء الدول المتقدمة بتعهداتها في اتفاق باريس، فيما يتعلق بتوفير 100 مليار دولار سنويًا، يتم تخصيصها للدول النامية لمواجهة نتائج تغير المناخ من حدوث فيضانات أو الجفاف، أو ارتفاع مستوى سطح البحر.
أكد المشاركون في الجلسات النقاشية في المؤتمر أن التراخي في توفير ذلك التمويل، سيؤدي إلى انزلاق 130 مليون شخص في دائرة الفقر بحلول عام 2030 وهجرة نحو 200 مليون شخص بحلول عام 2050، وبالتالي فإن الاستثمار في أنشطة التكيف مع تغير المناخ «فرض عين» لا يمكن تأجيله أو تسويفه.

الرئيس السيسي في قمة المناخ

خسائر هائلة للقارة السمراء
الدكتور أكينومي أديسينا، رئيس البنك الأفريقي للتنمية، أكد أن تغير المناخ يكبد القارة السمراء خسائر هائلة تتراوح بين 7 و15 مليار دولار سنويًا من المرجح ارتفاعها إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2050 رغم أنها تمثل 3 في المائة فقط من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري هي الأقل استعدادًا لمواجهة آثاره المدمرة.
أضاف أديسينا أن 5 ملايين أفريقي نزحوا بسبب تغير المناخ والذي يتفاقم مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة بها أسرع من أي منطقة أخرى في العالم ومع ذلك لا تتلقى أفريقيا سوى 3 في المائة من إجمالي التمويل المتعلق بالمناخ على مستوى العالم بما لا يزيد على 18 مليار دولار سنويًا لا تتماشى مع الاحتياجات التمويلية المطلوبة لمواجهة مشكلاتها التي تناهز 125 مليار دولار سنويًا.
انتقد غالبية ممثلي أفريقيا من رؤساء ومسؤولين الدول الكبرى، وشددوا على أن مساعدة القارة على التكيف مع تغير المناخ ينبع من العدالة والإنصاف والمسؤولية المشتركة، خاصة بعدما ضاعف بنك التنمية الأفريقي تمويله المتعلق بالمناخ إلى 25 مليار دولار بحلول عام 2025.
وقال رائد المناخ لمؤتمر «كوب 27» الدكتور محمود محيي الدين، إنه حال عدم توفير التمويل لمشاريع الطاقة المتجددة في أفريقيا، سترتفع نسبة الانبعاثات الضارة مستقبلا، فكل أربعة أفراد حول العالم يعانون من نقص الكهرباء يعيش 3 منهم في أفريقيا، مشيرا إلى أن 600 مليون أفريقي يواجهون نقص الطاقة من بين 800 مليون حول العالم، وبالتالي تعتبر المساعدات خط الدفاع الثالث بعد خط الدفاع الأول الممثل في خفض الانبعاثات والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، والثاني الممثل في التكيف بضخ استثمارات في البنية التحتية الأساسية.
تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بممارسة ضغوط على الدول الغنية غير الأوروبية، لتدفع حصتها في مساعدة الدول الفقيرة على مواجهة التغير المناخي، وخص ماكرون بالاسم الولايات المتحدة والصين، فيما يتعلق بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة والتضامن المالي.
كما تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن بمضاعفة تمويل صندوق المناخ 4 مرات من الحد الأقصى الذي بلغته إدارة باراك أوباما، وتقديم 11 مليار دولار من التمويل سنوياً بحلول 2024، بحسب حديث ساميويل وربيرج المتحدث الإقليمي للخارجية الأميركية الذي قال أيضًا إن ذلك التمويل سيكون مقدماً لدعم جهود الدول الرامية لإزالة الكربون من اقتصاداتها، وتعزيز ممارسات استخدام الأراضي الصديقة للمناخ وتعزيز التكيف والمرونة.
وركز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزراء حكومته في كلماتهم على ضرورة أن ترفع قمة المناخ في مصر شعار الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، وهو ما يعني ضرورة وجود مشروعات ودراسة جدوى، وأن تفي الدول الكبرى بتعهداتها.

الرئيس السيسي مستقبلاً المشاركين في القمة

نقطة ضوء
في ظل محاولات الحصول على دعم من العالم المتقدم للدول النامية لمواجهة التغير المناخي، كانت السعودية بمثابة نقطة ضوء، إذ أعلن ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان مساهمة المملكة بمبلغ 2.5 مليار دولار لدعم مشروعات مبادرة الشرق الأوسط الأخضر على مدى السنوات العشر المقبلة.
وقال الأمير محمد بن سلمان في افتتاح النسخة الثانية من قمة مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» بمدينة شرم الشيخ التي تم عقدها بالتزامن مع المؤتمر، إن المبادرة تسعى إلى «دعم الجهود والتعاون في المنطقة لخفض الانبعاثات وإزالتها بأكثر من 670 مليون طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون»، بجانب زراعة 50 مليار شجرة وزيادة المساحة المغطاة بالأشجار إلى 12 ضعفاً، واستصلاح 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة مخفضة بذلك 2.5 في المائة من معدلات الانبعاثات العالمية.
الأمير محمد بن سلمان أكد أيضًا أهمية تطبيق نهج الاقتصاد الدائري للكربون، وإطلاق العديد من المبادرات الأخرى، منها منصة تعاون دولية لتطبيق هذا النهج، وصندوق استثمار إقليمي مخصص لتمويل حلول تقنيات الاقتصاد الدائري للكربون، ومبادرة حلول الوقود النظيف لتوفير الغذاء بجانب تسريع وتيرة تطوير وتبني تقنيات ومصادر الطاقة النظيفة، المتمثلة في استخدام الطاقة المتجددة، بهدف إدارة الانبعاثات من المواد الهيدروكربونية.
أشار ولي العهد أيضًا إلى تنويع مزيج الطاقة المستخدم في توليد الكهرباء بحيث يتم إنتاج 50 في المائة منها بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 ما يزيل 44 مليون طن من الانبعاثات الكربونية أي ما يعادل 15 في المائة من إسهامات المملكة المحددة وطنياً حالياً بحلول عام 2035، مذكرا أيضًا بمبادرات عديدة للمملكة منها تأسيس مركز إقليمي للتغير المناخي، وبرنامج إقليمي لاستمطار السحب، بجانب استهداف زراعة 10 مليارات شجرة، وزيادة المناطق المحمية البرية والبحرية إلى 30 في المائة من إجمالي المساحة الوطنية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمة المناخ

مبادرات للغابات والجفاف
مبادرة الشرق الأوسط الأخضر كانت وازعًا لنحو 25 دولة لإطلاق مجموعة لمساءلة بعضها البعض بشأن حماية الغابات والتوقف عن إزالتها بحلول 2030، لتنضم إلى تعهدات سابقة لنحو 140 دولة في «كوب 26» ببريطانيا العام الماضي.
كما كانت تعهدات حماية الغابات على مستوى التمويل أفضل من الاحترار والاحتباس الحراري، فنحو 22 في المائة من 12 مليار دولار تعهدت الدول بمنحها للحفاظ على الغابات بحلول عام 2025 في غلاسغو دُفعت بالفعل، كما ضاعفت ألمانيا تمويلها للغابات بملياري يورو حتى 2025.
وقد تم تدشين تحالف دولي للصمود في وجه الجفاف ضم أكثر من 25 دولة و20 هيئة وهدفه تحسين الاستجابة المسبقة، من المقرر استفادتها من تمويل أولي من خمسة ملايين يورو توفرها إسبانيا لإطلاق المشروع ولحشد الدعم الإضافي، خصوصًا مشروع كيني لغرس خمسة مليارات شجرة خلال خمس سنوات ترتفع إلى 10 مليارات خلال عقد واحد.
اعتبر شريف الرفاعي، الباحث في السياسات المناخية بجامعة بكين في حديث لـ «المجلة»، أن التركيز على مناقشة تحديات المناخ بأفريقيا أمراً طبيعيًا في ظل استضافة مصر القمة، كممثل للقارة التي تحتاج تمويلاً ضخمًا من أجل مجابهة ظاهرة التغير المناخي.
قال الرفاعي إن عقد القمة في ظل الأجواء العالمية المشتعلة، حاليًا، دفعها للتطرق لقضايا مغايرة عن قمم المناخ السابقة خاصة في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي انعكست آثارها على العالم، وسببت أزمة طاقة كبيرة في أوروبا، علاوة على ظهور مشكلات خطيرة للمناخ أهمها جفاف الأنهار (بشكل كلي أو جزئي) في قارة أوروبا ما جعل المؤسسات الدولية تدق جرس إنذار أخير بخصوص مستقبل الأرض.
ولاقت دعوة الرئيس السيسي في كلمته في افتتاح قمة المناخ بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية صدى كبيرا وتركيزا من المتحدثين في كلماتهم، الذين أشاروا لتدمير الحرب 5 ملايين فدان من الغابات، بينما ركز المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون المناخ روسلان ايديلغيرييف على أثر تغيير المناخ على إمدادات المياه في العالم.

تحركات مصرية
بعيدًا عن مكاسب مصر السياحية والدعاية المجانية لشرم الشيخ، نجحت مصر خلال المؤتمر في التركيز على تلك النقطة في جذب الاستثمارات داخلها، فعلى هامشه تم توقيع اتفاقية لتطوير مشروع لطاقة الرياح البرية بقدرة 10 غيغاواط بمصر بين شركة إماراتية والحكومة المصرية وهو مشروع سيكون الأضخم في طاقة الرياح عالميًا إذ يسهم وحده في تفادي انبعاث 23.8 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، ما يعادل 9 في المائة تقريبًا من انبعاثاته الإجمالية بمصر.
وتوفر الطاقة المنتجة من المحطة الجديدة 5 مليارات دولار من تكاليف الغاز الطبيعي السنوية إضافة إلى توفير نحو  100 ألف فرصة عمل، بينها عمالة مباشرة في البناء تقدر بحوالي 30 ألف شخص بجانب 70 ألفًا من العمال بشكل غير مباشر و3200 وظيفة  ثابتة في أعمال التشغيل والصيانة بعد انتهاء عمليات تأسيسها.

استثمارات مشتركة
وقد وقعت الحكومة المصرية أيضًا مذكرة تفاهم مع شركة أوراسكوم للإنشاءات المصرية وشركة كهربل التابعة لشركة إنجي الفرنسية، وشركة تويوتا تسوشو كوربريشن، لتنفيذ محطة كهرباء بقدرة 3 غيغاواط، بجانب مذكرة تفاهم مع  شركة «سكاتك إيه إس إيه» النرويجية لتنفيذ محطة لإنتاج الطاقة الكهربائية من الرياح بقدرة 5 غيغاواط أيضًا.
كما أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، المرحلة الأولي لمشروع إنشاء محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في العين السخنة بقدرة 100 ميغاواط، ضمن منظومة الطاقة المتكاملة لعام 2035 المخطط انطلاقها بقيمة 40 مليار دولار والتي تعتبر الهيدروجين الأخضر وقود المستقبل الصديق للبيئة.
مع إطلاق المشروع الجديد، يرتفع عدد مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر، المتوقع تنفيذها في نطاق المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى 15 مشروعًا، تشارك فيها الشركات العالمية المتخصصة في الطاقة المتجددة.

الرئيس السيسي مستقبلاً ولي العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان


ويقول الدكتور أحمد سلطان، مدير إدارة الدراسات البتروفيزيقية بشركة ثروة للبترول ورئيس لجنة الطاقة بنقابة المهندسين في القاهرة، إن مصر لديها استراتيجية للطاقة المتجددة منذ 2015، وتستهدف نسبة الطاقة المتجددة وتنويع مصادرهاـ وفي القلب منها الهيدروجين الأخضر إذ يتم العمل على 15 مشروعًا، تعادل 35 في المائة من تلك النوعية من المشروعات بالوطن العربي.
ويضيف في حديثه لـ «المجلة» أن مصر لديها الإمكانيات اللازمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر كما أن لديها الرغبة في تحقيق قفزات بمجال الطاقة الذي يمثل العبور الآمن للجمهورية الجديدة، وهو توجه دولي، فالعالم ينتج من 120 إلى 150 مليون طن سنويًا من الهيدروجين الأخضر من المستهدف ارتفاعها لـ200 مليون طن عام 2050.
وأشار سلطان لامتلاك مصر الخبرة الكفيلة بإنتاج الهيدروجين الأخضر، فمصر امتلكت مصنعا لإنتاجه قبل سنوات كوقود للنقل البحري، في مصر، وتم غلق المصنع لارتفاع التكلفة وقلة التنافسية وهو أمر تغير حاليًا، فالطلب الكبير دفع 40 دولة على مستوى العالم حاليًا لوضع استراتيجيتها لصناعة الهيدروجين.