إيران وسياسة قطاع الطرق

لم تبق موبقة سياسية وأمنية منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران في العام 1979 إلا ومارستها إيران بحق جيرانها من الدول العربية. وإن كانت الانتهاكات الإيرانية لأمن الدول العربية قد ارتفعت وتيرتها في العقدين الأخيرين، إلا أن مخطط السيطرة على دول عربية وزعزعة استقرار دول أخرى بدأ منذ لحظة وصول الملالي إلى السلطة تحت شعار تصدير الثورة مرة وشعار تحرير فلسطين مرات.

شكل لبنان موطئ قدم أساسيا لسياسة إيران العدائية تجاه العرب، وساهمت الحرب الأهلية المندلعة هناك والاحتلال الإسرائيلي لأراض لبنانية ذريعة لإنشاء ميليشيا مسلحة هي ميليشيا حزب الله التي تتبع بالكامل سياسياومالياوعقائديا للجمهورية الإسلامية في طهران، كثيرون لم يعطوا الأمر الاهتمام اللازم، فوضعت الحرب أوزارها وسلمت الميليشيات المتقاتلة سلاحها، إلا حزب الله،فبحجة مقاومة الاحتلال حافظ الحزب على سلاحه بل قام منذ ذلك الحين ودون توقف بزيادة ترسانته الحربية وعديد مقاتليه. جاء العام 2000 وانسحب الإسرائيلي من جنوب لبنان وكان من البديهي أن تنتهي حجة المقاومة إلا أن سوريا الأسد كانت جاهزة لتعطي الحزب مبررا جديدا للحفاظ على سلاحه، هذه المرة بحجة مزارع شبعا التي قيل يومها إنها لبنانية دون أن تقدم سوريا أي وثيقة رسمية بذلك، فكانت الذريعة الشفهية كافية لغض النظر مرة جديدة عن سلاح الحزب، وخصوصا مع التطورات الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول).

تتالت الأحداث مرورا باغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في العام 2005 وحرب تموز 2006 واجتياح ميليشيا الحزب لبيروت 2008، ليصبح الحزب هو الأقوى في لبنان وليتحول لبنان إلى منصة لإطلاق العداء تجاه الدول العربية كافة، فتدخل الحزب أمنيا وسياسيا في مصر وعسكريا في العراق وسوريا واليمن، وتحول لبنان مع ذلك إلى منصة إعلامية في كثير من الأحيان للتحريض على أي دولة أو جهة لا تسير في الركب الإيراني وعلى رأسهم السعودية. بل صار لبنان وسوريا المصدر الأول والأساسي للمخدرات لإغراق المجتمعات العربية بهذه السموم بهدف تدميرها.

في خطاب ألقاه الخميني في العام 1987قال فيه: «أن نتنازل عن القدس ونسامح صدام ونغفر لكل من أساء لنا أهون علينا من الحجاز (السعودية) لأن مسألة الحجاز هي من نوع آخر.هذه المسألة هي أهم المسائل، علينا أن نحاربها بكل طاقاتنا ونحشد كافة المسلمين والعالم ضدها فكل بطريقته».

قبل أيام اتهمت طهران السعودية بدعم الاحتجاجات الشعبية في إيران، في حين لم تصدر الرياض أي تعليق رسمي ضد طهران أو تتحدث عن الاحتجاجات التي تعم البلاد.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) عن قائد الحرس الثوري، حسين سلامي قوله إن «من يسلب الهدوء من شعبنا لن ينعم بالراحة أبدا».

ومن ضمن الاتهامات التي تسوقها إيران بحق السعودية هو اتهام الرياض بدعم وتمويل قناة تلفزيونية معارضة تتخذ من لندن مقرا لها.

وكان سبق الاتهامات الإيرانية تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»الأميركية حول مشاركة الرياض معلومات استخباراتية مع واشنطن، تحذر من هجوم إيراني وشيك على أهداف في السعودية. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين، أن السعودية والولايات المتحدة وعدة دول مجاورة أخرى رفعت مستوى التأهب لقواتها العسكرية، ردا على التحذيرات الاستخباراتية.

ورغم أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مقطوعة منذ العام 2016 بعد اقتحام متظاهرين إيرانيين لسفارة السعودية في طهران، إلا أنه في العام الماضي 2021 بدأت الرياض وطهران محادثات مباشرة في محاولة لتحسين العلاقات بوساطة عراقية. غير أن إيران لم تتوقف عن محاولاتها المستمرة لزعزعة الاستقرار، وتصدير المخدرات والتحريض من خلال عشرات الصحف والقنوات الإعلامية والمواقع على السعودية وكل من لا يدور بفلك طهران، إضافة طبعا إلى دعم الميليشيات.

واليوم مع دخول الاحتجاجات في إيران شهرها الثاني، تستشيط إيران غضبا بسبب الإعلام وتكيل الاتهامات للسعودية بتمويل تلفزيون إيراني، إيران التي لم تتوقف عن التحريض ودعم الميليشيات وإيواء الإرهابيين وتصدير المخدرات، إيران التي لم تترك وسيلة إلا واتبعتها: فرض سيطرتها على دول عربية، وقتل شعوبها، وتهجيرهم، والاستيطان مكانهم.

تركز إيران على قضية الإعلام ودوره في احتجاجات إيران للقول بأن ما يحدث في الداخل مجرد مؤامرة يتم تدبيرها في الخارج، وهذه السردية تتكرر باستمرار في أنظمة محور إيران للتغطية على سياسات القمع الداخلي الممنهج.

أما التحرش بالسعودية وتهديدها فالهدف واضح منه،فإيران تريد ابتزاز الولايات المتحدة بملفها النووي وبملفات أخرى وهي تعلم حساسية أسواق الطاقة في هذا التوقيت تحديدا، وتعلم أن أي هجوم على منشآت النفط السعودية سيؤدي لارتفاع كبير في أسعار النفط مما سيضع الغرب عموما والولايات المتحدة تحت ضغط اقتصادي واجتماعي وسياسي كبير ولا سيما أن أزمة الطاقة ما تزال تتفاقم في كل أنحاء أوروبا بعد العدوان الروسي على أوكرانيا وسيزيد تفاقمها بشكل كبير مع دخول الشتاء ذروته في نهاية هذا العام.

إيران لا تتصرف كدولة بل كقاطع طريق يحاول أن يبتز الآخرين والمشكلة أن هناك في واشنطن من لا يزال يصر على التعامل مع النظام الإيراني وكأنه هو الدولة الوحيدة على ضفتي الخليج.