السعودية... من الاستثمار في السيارات الكهربائية إلى توطينها

مشروع «سير» يبدأ من حيث انتهى الآخرون
سيارة لوسيد الكهربائية (أرشيف)
محطة شحن السيارات الكهربائية في السعودية

جدة:هل تتخيل نفسك تقود سيارة كهربائية سعودية الصنع؟

لم يعد ذلك بعيد المنال! فقصة السعودية مع صناعة السيارات، قديمة حديثة. ومنذ عشرات السنين، سال كثير من الحبر والنقر على أزرار لوحة المفاتيح حول غياب صناعة سيارات سعودية وطنية، سيما أنها لم تعد سرا تقنياً خفياً، فدول كثيرة، قريبة وبعيدة، بدأت بالتجميع وابتكرت نسخاً محلية تؤدي الغرض، ولو بأضعف الإيمان.

وزادت التساؤلات، بعيد الأزمة المالية العالمية 2008، حيث استحوذت مجموعة صينية وأخرى هندية على العلامات التجارية فولفو (للأولى) وجاغوار ورينج روفر ولاند روفر (للثانية).

ولم يخل تاريخ محاولات صناعة السيارات السعودية من خروج نماذج لسيارات، صنعت في مراكز بحثية، كما حصل مع نموذج سيارة غزال، أواسط العقد الأول من الألفية الثانية. هذا بالنسبة لمركبات الأفراد، أما الصناعات المساندة لسيارات النقل الثقيل مثل البرادات العملاقة والمقطورات، فهي مزدهرة منذ عقد السبعينات.

كان الاستثمار السعودي الأول، الذي كان له شأن في عالم السيارات، في ديسمبر (كانون الثاني) 2018، حيث اشترى صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) 8.3 مليون سهم في شركة تسلا الأميركية بقيمة 2.8 مليار دولار، ثم تخارج منها. وفي عام 2019، اشترى الصندوق 67 في المائة من شركة لوسيد موتورز الناشئة لصناعة السيارات الكهربائية الفاخرة بقيمة 1.3 مليار دولار.

ويبدو أن عقل إدارة السعودية الجديدة، أخذ في الحسبان تلك الرغبة الوطنية في اقتحام عالم صناعة السيارات، لكن من حيث انتهى الآخرون عبر إطلاق علامة تجارية سعودية لصناعة السيارات الكهربائية تحت اسم «سير»بشعار مستوحى من مستقبل النقل. وبذلك، انتقلت المملكة من الاستثمار في السيارات الكهربائية في أسواق وول ستريت إلى صناعتها في قلب المدن الصناعية السعودية. فما هي رمزية الخطوة وما تأثيرها المحلي والإقليمي والعالمي.

 

 من الطاقة الأحفورية إلى الكهربائية

يركز العقل الاقتصادي والصناعي للمملكة على الابتكار. ولعل السؤال، الذي خالط ذهن صانع القرار السعودي في أكثر من مرحلة: ما الفائدة من المنافسة في سوق السيارات العاملة على الوقود الأحفوري؟

فكان الحل في حرق المراحل والبدء في تكوين الخبرة والتجربة الوطنية في هذه الصناعة باستثمارات أجنبية، تدعم المحلية، بقيمة تصل إلى نحو 150 مليون دولار.

ويقول تقرير سابق لوكالة الطاقة الدولية إن عدد السيارات الكهربائية المتوقع عام 2030 سيكون بحدود 145 مليون سيارة كهربائية من أصل 1.5 مليار سيارة تقريباً، تجوب شوارع العالم حالياً، تمثل العدد الإجمالي لجميع السيارات حتى ذلك الوقت، أي إن النسبة تصل إلى نحو 10 في المائة.

ويبقى السؤال إن كانت السيارات الكهربائية عدواً للطاقة الأحفورية؟

الجواب يأتي في توقعات الوكالة، التي تقول إن استهلاك الوقود الأحفوري في قطاع النقل، سيزيد بنحو 30 في المائة من 54 مليون برميل يومياً في الوقت الحالي إلى 70 مليون برميل يومياً خلال أقل من 10 سنوات من الآن، علماً بأن نصف استهلاك الإنتاج العالمي من النفط، يذهب إلى قطاع النقل البحري والجوي والأرضي.

إذن، ليس هناك خطر أبداً، فالسيارات الكهربائية غالية الثمن، ولا تنتمي للفئات الشعبية من السيارات. وعلى سبيل المثال، فإن أرخص نموذج من سيارات تسلا الأميركية يبدأ من نحو 47 ألف دولار!

ومن غير المتوقع أن يبلغ ثمن سيارة «سير»الكهربائية السعودية ضمن تلك الحدود، صعوداً أو هبوطاً، ربما مع ميل للهبوط بعد توطين التقنية.

 

توطين التقنية

يقول خبر وكالة الأنباء السعودية (واس): «وتُعد شركة (سير) مشروعاً مشتركاً بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة فوكسكون Foxconn))، حيث ستحصل (سير) على تراخيص تقنية المكونات المتعلقة بالسيارات الكهربائية من شركة بي إم دبليو (BMW) لاستخدامها في تطوير المركبات، فيما ستُطور شركة فوكسكونFoxconn  النظام الكهربائي للسيارات، والتي سيتم تصميمها وتصنيعها بالكامل داخل المملكة، وستخضع السيارات لفحص الجودة وفق أعلى المقاييس العالمية، ومن المقرر أن تكون سيارات شركة (سير) متاحة للبيع خلال عام 2025».

لقد دخل صندوق الاستثمارات العامة التحدي بقوة، واعداً بإنتاج وطرح السيارات الكهربائية السعودية خلال 3 أعوام من الآن.

وقد يقال إن ما يحصل هو مجرد عمل تجميعي، لمكونات صنعتها «فوكسكون»وهي مجموعة تايوانية، مقرها العاصمة تايبيه (تأسست 1974)، تسخر التقنية العالية لشركة «بي إم دبليو»الألمانية (تأسست 1916).

وهذا كلام صحيح، ولا غبار عليه، فالابتكار يبدأ بالتقليد ومعرفة أسرار الصناعة وتطوير جيل أو أكثر، يتقن فنون صناعة سيارات المستقبل، ثم يبدع ما هو سعودي خالص بعد توطين المعرفة التقنية بالكوادر السعودية والعالمية اللامعة.

 

تحدي السعودية الخضراء!

تعهدت السعودية العام الماضي ضمن مبادرة السعودية الخضراء، بالوصول إلى تصفير الانبعاثات الحرارية بحلول عام 2060. تبقى 38 عاماً على تحقيق الوعد. وقد يبدو أن الموعد بعيد، لكن الاستعداد المبكر هو أفضل دائماً، فتجارب الدول، تمر بالاختبارات وفرض التشريعات، وقياس مؤشرات الأداء (والأخيرة كلمة السر في تقييم ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان، لأداء الدولة ككل وكبار موظفيها وصغارهم).

إن وجود مشروع «سير»هو خطوة تكاملية واستباقية لتنفيذ المبادرة الخضراء، التي تتضمن تقليص الانبعاثات الحرارية بالتدريج، من خلال استبدال جزء من السيارات العاملة بالوقود الأحفوري بأخرى كهربائية سعودية الصنع. 

وينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن بعض الدول حول العالم، اتخذت قراراً بإيقاف استخدام السيارات العاملة على البنزين أو الديزل بحلول عام 2040 مثل المملكة المتحدة وفرنسا، فيما قرر بعض مصنعي السيارات تعزيز إنتاج السيارات الكهربائية مثل صانع المركبات الألماني العملاق «بي إم دبليو»أو قرار صانع المركبات السويدي فولفو بالاقتصار على إنتاج السيارات الكهربائية بحلول 2030.

ويظهر أن الدول الأوروبية هي الأكثر تشدداً واتخاذاً للمبادرات المحفزة على استخدام السيارات الكهربائية، لكنها، في الوقت نفسه، لم تعد مركز النمو العالمي في الاستهلاك والإنتاج، فدول الاتحاد الأوروبي، تحسب نموها الاقتصادي بالهوامش العشرية، ولا تزال بعيدة عن النمو المضاعف المتحقق في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

 

نظرة إلى المستقبل

لا يزال تواجد السيارات الكهربائية محدوداً في المملكة؛ رغم أن المزيد من وكلاء السيارات السعوديين، باتوا يبيعون عدداً أكبر من السيارات الكهربائية، وبخاصة أن تلك السيارات تحتاج إلى بنية تحتية واستثمارات ضخمة في محطات الشحن. كما أن عدد المختصين في المحركات العاملة على الكهرباء من التقنيين والميكانيكيين، لا يزال محدوداً.

ويوضح خبر (واس) المساهمة المتوقعة للمشروع السعودي الرائد «سير»في الاقتصاد وتوليد الوظائف بالقول: «ومن المتوقع أن تجذب (سير) استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 562 مليون ريال لدعم الاقتصاد الوطني، وأن تصل مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي بشكل مباشر إلى 30 مليار ريال (8 مليارات دولار)، مع توفيرها لـ30 ألف وظيفة بشكل مباشر وغير مباشر بحلول عام 2034».

الأهم أن السيارة السعودية المرتقبة، ستجد أسواقاً غير السوق المحلية، فالأسواق الإقليمية متعطشة لهذا النوع من السيارات، سيما أن مصنع «سير»ومنتجاته من المركبات الفردية (السيدان) ومركبات الدفع الرباعي (4X4) قريب من الأسواق العربية والخليجية، مما يخفف أجور النقل والشحن، ويقرب مراكز الدعم التقني، التي تساعد السائقين على استخدام السيارة الكهربائية بسلاسة.

كما أن هناك أمراً هاما يتعلق ببناء البنية التحتية لهذا النوع من السيارات، الأمر الذي يجعل السعودية رائداً إقليمياً في صناعة السيارات الكهربائية وبنيتها التحتية أيضاً، وتنفيذ مشاريع داخلية وخارجية في هذا المجال.

يبقى أمر أخير، هو أن مشروع «سير»أمامه آفاق تطويرية نحو السيارات العاملة بالهيدروجين الأخضر أو حتى السيارات الطائرة. ما المانع؟ فالخيال السعودي الخلاق لا يعرف حدوداً أو زماناً!