حرب «تويتر» 

المال والكذب والسلطة والدم
إيلون ماسك يطرد 50 في المائة من موظفي «تويتر» ويندد بتراجع «هائل» في الإيرادات

القاهرة: «وادي السيليكون عقلية وليس موقعًا».  ريد هوفمان مؤسس موقع «لينكد إن»    

الإنترنت الذي أصبحنا نعرفه ونحبه، بدأ كمشروع تموله الحكومة الأميركية، وفي أوائل التسعينات ظهرت نسخة عامة من الويب أنشأها فريق يقوده الفيزيائي من جامعة أكسفورد تيم بيرنرز لي. وكان الإنترنت، كما تصوَّره مؤسسه، مكانًا يوفر معلوماتٍ موثوقة ووسيلةً للوصول إلى خدمات مفيدة: «مساحة حرة ومفتوحة وخلاقة» يمكنها خدمة البشرية، وبدايات الشبكة كانت مدعومة بتوقعات جماعية متفائلة. وهذه الرؤية الديمقراطية الطوباوية للويب استمرت سنوات ثم بدأت في الانهيار مع تسليع الإنترنت في أوائل القرن الحادي والعشرين. والآن يصف تيم بيرنرز شبكة الإنترنت بأنها معادية للإنسان، ويعترف بأن وعد وادي السيليكون بجعل العالم مكانًا أفضل يتحول إلى كلام فارغ بشكل متزايد، حيث يتضح أن قيمه ونواياه أفسدها نظام يواصل إعطاء الأولوية للأشياء الخاطئة وأولها: الأرباح!
بهذه المصارحة القاسية يتحدث كثيرون من تخصصات شتى... فما القصة؟
القصة يرويها هذا الكتاب: (كاتي كوك، علم نفس وادي السيليكون: التهديدات الأخلاقية والذكاء العاطفي في صناعة التكنولوجيا، Springer Nature, Switzerland, 2020، ترجمه إلى العربية ممدوح الشيخ ويصدر قريبًا في مصر).

عالم المعادين للمجتمع
مخترع شبكة الإنترنت يرى أن السبب الجذري لهذا يعود إلى الشركات التي تعمل للربح إلى أقصى حد بدلاً من الصالح العام، وصناعة التكنولوجيا الحديثة، وبالتحديد منصات الوسائط الاجتماعية والبيانات الضخمة تهيمن بشكل متزايد على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهذه الشركات، في البداية، كان من الصعب عليها معرفة المهارات المطلوبة لهذه المهنة الجديدة بوضوح. لقد كانوا بحاجة إلى مبرمجين جيدين ولم تكن لديهم فكرة محددة عن المهارات اللازمة. وفي منتصف الستينيات عينت شركة برمجيات اثنين من علماء النفس: ويليام كانون وداليس بيري، لبناء مقياس مهني، ونُشرت النتائج التي توصلوا إليها في ورقة بحثية عام 1966، تناولت سمة رئيسية في المبرمجين: عدم الاهتمام بالناس! 
وكان الغالب على الجيل الأول منهم أن يكونوا: ذكورًا معادين للمجتمع. والمصابون بالتوحد أو أصحاب سمات مصابي التوحد (أسبرجر) مُـمثَّلون بشكل كبير في هذه الصناعة. وفي عام 2012، وكشف أحد مستثمري سيليكون فالي أن مرض أسبرجر متفشٍ. وهناك فوائد يجلبها تعيين أشخاص عقلانيين للغاية، لكن أخطر عيوبهم نقص التعاطف. والتعاطف قدرة على إدراك مشاعر الآخرين وعلى وضع الذات بشكل افتراضي مكانهم. ويقرر بيتر بازالجيت في كتابه «غريزة التعاطف» أن من يملكون مهارات تحليلية أكثر من المهارات العاطفية، يعانون غالبًا، نقصًا في نشاط أجزاء الدماغ المرتبطة بالتعاطف. وأشارت دراسات حديثة إلى أن مرض ألكسيثيميا، وليس التوحد نفسه، هو المسؤول عن تناقص التعاطف. وتوصف ألكسيثيميا بأنها العجز عن تحديد المشاعر تجاه الذات والآخرين، وبينما يصاب به 10 في المائة من البشر، فإن حوالي 50 في المائة من التوحديين يصابون به، والعاملان اللذان أثبتا أنهما أكثر أهمية: انعزال الصناعة وغطرستها. وترجع الغطرسة المتزايدة إلى الاعتقاد بأن التكنولوجيا يمكنها حل أية مشكلة. وبناءً على هذه القناعة يعتقد كثير من العاملين بأنهم «الأذكى... وبالتالي هم في غنى عن تعلُّم أيِّ شيءٍ من أي شخص آخر». وخلال سنوات أصبحت نخبة وادي السيليكون رجال قبيلة «تضامنوا معًا لتعزيز قيم مشكوك في جدارتها»!!

إيلون ماسك يدعي شراء «تويتر» من أجل «مساعدة الإنسانية» (رويترز)

الصناديق السوداء اللامعة
بدأ الاهتمام الغربي بـ«فقاعة سيليكون فالي» في الأوساط الأكاديمية، أولًا، وأصبح هناك قلق بشأن وتيرة التكنولوجيا ونطاقها، وكيف بدت غير مُـختَبَرةٍ، ومدى إغرائها، ووجودها في كل مكان، وأصبحت تأثيرات الصناديق السوداء اللامعة في صحتنا العقلية ورفاهيتنا تشغل أفرادًا ومؤسسات. ومع الوقت أصبحت هناك قائمة كبيرة من التأثيرات الاجتماعية الرئيسية المرتبطة بانتشار التكنولوجيا: المعلومات الخاطئة، وتدهور الديمقراطية، واللامساواة الاقتصادية، والصحة العقلية. ويشير باحثون عديدون إلى صناعة التكنولوجيا الحديثة بوصفها: «على وجه التحديد [مثل] التقنيات الرقمية المرتبطة بوادي السيليكون: منصات الإعلام الاجتماعي، والبيانات الضخمة... التي تتزايد هيمنتها على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية». وكما يشير مؤسس الإنترنت لم ينتهِ وادي السيليكون، حيث وعد الناس. وقد تقدَّم، لكن ليس في الاتجاه الذي تخيله أيٌّ منا، ما أدى إلى أزمة هوية على مستوى الصناعة ومجموعة من التأثيرات الاجتماعية التي نواجهها الآن. والنوايا الحسنة في أول فصول القصة لم تصمد أمام انقضاض الشركات على قيمها الأصلية. ولعل أحد العوامل التي فاقمت الأزمة تَبنِّي آيديولوجيا «افعلها الآن، واطلب الصفح لاحقًا». والتحول من القيم الأصلية للإنترنت: المشاركة، والحرية، والمنصات مفتوحة المصدر، والاتصال، والمعرفة، حلت محلها دوافع جديدة أقل اكتراثًا بما هو اجتماعي: الربح ومصالح المساهمين وهيمنة السوق، وهذا ما قد نتوقعه من «أي شخص أو مجموعة في موقع سلطةٍ بلا رادع».
وفي إشارة إلى إيلون ماسك بالتحديد تقول الباحثة كاتي كوك إن ما قد يميزه «الاعتقاد، بأنه نظرًا لأن (إحداث الخلل) يتم من خلف جهاز كمبيوتر، فهو ليس بأمر جلل. إن ذلك لا يساوي الخلل الذي يحدثه: الفحم أو الزيت أو الفولاذ». وتضيف كوك أن وادي السيليكون يجب أن يكتشف «طريقة تحل محل آيديولوجيته... شيء مشابه لروح المجتمع الطبي: أولًا، لا تؤذِ». والموقف الأبوي الإشكالي لمنصات التواصل يمكن التعبير عنه بالقول: «نحن نعرف ما الأفضل لك، أفضل مما تفعله في الواقع، لذا ثق بنا»، وقد استمرت هذه الديناميكية، إلى حدٍّ كبيرٍ، بفضل الصورة العامة الإيجابية لوادي السيليكون. وعندما نفكر في قادة شركات التكنولوجيا، وبخاصة إيلون ماسك، ننظر إليهم كشخصيات بطولية، وهكذا يرون أنفسهم «قادرين على تحرير البشرية». ومن جانب آخر لعبت جماعات الضغط دورًا كبيرًا في ما طرأ على الظاهرة من تحولات درامية، وعلى سبيل المثال، تنفق أكبر 5 شركات تكنولوجية الآن ضعف ما تنفقه «وول ستريت» على جماعات الضغط في واشنطن، وهذا يشتري الكثير من التأثير، ومما يجعل النفوذ أسهل حقيقة أن كثيرًا من الناس مقتنعون بأن صناعة التكنولوجيا قوة خير. ومالكو الشركات ومديروها يرفضون الاعتراف بالقوة التي يحوزونها والمسؤولية التي تنطوي عليها، لذا فإن آثار رفضهم ستصبح أكثر عمقًا وإشكالية. والتدهور التدريجي الشامل، للدوافع الأصلية لوادي السيليكون أظهر غالبية نقائصه. والصناعة التي بدت مستعدة بالفعل لتغيير العالم للأفضل، ساعدت بدلًا من ذلك على دخول عصر الفردية والاستهلاك، وأطلق تأثيرات اجتماعية مضادة لكل شعاراته.

الكذب والمال الدم
الرئيس الأميركي جو بايدن قال إن الملياردير إيلون ماسك اشترى منصة «تنشر الأكاذيب في أنحاء العالم»، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن «بايدن كان واضحاً بشأن الحاجة للحد من خطاب الكراهية والمعلومات الكاذبة... هذا الأمر يمتد إلى تويتر». وبسبب المخاوف من عواقب توجهات ماسك، علقت شركات عالمية إعلاناتها على «تويتر» أولها «جنرال موتورز» التي بادرت بتعليق إعلاناتها. والمعلنون مصدر العائدات الرئيسي لـ«تويتر»، وحض تجمع يضم حوالي 50 جمعية مدافعة عن الديمقراطية أكبر المعلنين على «تويتر» (بينهم كوكاكولا، وغوغل، وديزني)، على تهديد ماسك بوقف إعلاناتهم على الشبكة إذا قضى على الإشراف على مضمون التغريدات. وطلب ماسك في استطلاع لآراء متابعيه اختيار ما إذا كان على المعلنين «دعم حرية التعبير»، أو «الصوابية السياسية».

«جنرال موتورز» توقف إعلاناتها في «تويتر» بعد استحواذ ماسك على المنصة


وأحد الجوانب الأهم في صفقة «تويتر» بحسب ورقة تحليلية لمعهد بروكنغز تتعلق بتأثيراتها المحتملة على الأمن القومي الأميركي، مع جذب ماسك مستثمرين أجانب للمساعدة في تمويل شراء الشركة، وبينها كيانات اقتصادية ترتبط بحكومات أجنبية. وكون «تويتر» منصة رئيسية، لتداول الخطاب السياسي في أميركا يستوجب فتح تحقيق في «لجنة الاستثمار الأجنبي» (لجنة مشتركة تراجع عمليات استحواذ الأجانب على الشركات الأميركية ولها الحق في إيقاف أية صفقة تثير أية مخاوف متعلقة بالأمن القومي. و«تويتر» يضم المعلومات الشخصية والحساسة لعشرات الملايين من الأميركيين، ما يطرح احتمالية التأثير الأجنبي في الانتخابات قائمة. ودفع ماسك 27 مليار دولار من قيمة الصفقة، و5.2 مليار دولار من مجموعات استثمارية، فضلًا عن مساهمة بـ500 مليون دولار من شركة بينانس أكبر بورصة عملات رقمية في العالم، المرتبطة بالسلطات الصينية.
وأحد المنعطفات الحاسمة في مسار وادي السيليكون جاء من تداعيات الأزمة المالية العالمية (2008)، حيث انهارت أسواق عديدة في مقدمتها العقارات، فتدفقت أنهار من الأموال من وول ستريت إلى وادي السيليكون. وبدعم هذا التدفق لرأس المال المغامر ولد عدد غير مسبوق من شركات التكنولوجيا، تعمل كل منها على أساس الاعتقاد بأن التطبيق أو نظام التشغيل الخاص بهم سيغير العالم. وفي عام 2014، شق 48 مليار دولار طريقه إلى الشركات التكنولوجية الناشئة تلقت معظمها شركات وادي السيليكون. ويشير سايمون جاك إلى تناقضٍ مُقلِقٍ، فبغض النظر عن تجاوزات شركات التكنولوجيا الرائدة مثل: «فيسبوك» و«تويتر»، ورغم الدعاوى القضائية والغرامات وجلسات الاستماع في الكونغرس «يتمتع عمالقة التكنولوجيا بولاءٍ لا يُصدَّق من العملاء، وربما يكون هذا سببا في أنهم لا يعتقدون أنهم الأشرار في قصة الثورة الصناعية الجديدة»، لكن الناس في السنوات القليلة الماضية بدأوا «يطرحون أسئلة صعبة حول ما إذا كانت منصات التكنولوجيا تضعف الديمقراطية، وتعزز الجهل، وتعزز موجة جديدة من القومية الاستبدادية». والقدرة على توجيه السياسة والرأي العام بالتلاعب بالمعلومات ديناميكية إشكالية هائلة في وادي السيليكون.  
وربما يكون أول ما يجب فهمه بشأن المعلومات الخاطئة قدرتها المذهلة على الانتشار، مثل الفيروسات، وأظهرت دراسة أجريت عام 2018 حول انتشار الأخبار المزيفة، هي الأكبر من نوعها على الإطلاق، فإن الأكاذيب أسرع انتشارًا من الحقيقة. وبحسب الدراسة تستخدم الروبوتات المبرمجة لنشر المحتوى التفاعلي إلى نشر القصص المزيفة. وباستخدام 11 عامًا من بيانات «تويتر» تضمنت أكثر من 4.5 مليون تغريدة، بالإضافة إلى معلومات من 6 منظمات مستقلة مختلفة للتحقق من الحقائق، أظهر الباحثون مدى فشل الحقائق مقارنة بالخيال. تصل القصة الخاطئة أسرع بـ6 مرات، في المتوسط من القصة الحقيقية. ورغم أن القصص الكاذبة تتفوق على الحقيقة في كل موضوع، فإن الأخبار الكاذبة حول السياسة هي الأوسع انتشارًا، و«يبدو أن مستخدمي تويتر يفضلون غالبًا مشاركة الأكاذيب»، وحتى عندما تحكم الباحثون في كل اختلاف بين الحسابات التي نشأت عنها الشائعات، كان احتمال إعادة تغريد الأكاذيب أكثر بنسبة 70 في المائة من الأخبار الدقيقة. ووفقًا لتقرير الديمقراطية السنوي لعام 2018 الصادر عن جامعة غوتنبرغ، بدأت الديمقراطية بالتراجع في عامي 2006 و2007 في مناطق عدة، وهاتان السنتان، من قبيل الصدفة أساسيتان في تاريخ التكنولوجيا، والعام 2006 عام إطلاق «تويتر». وقد كانت المنطقتان الوحيدتان اللتان وجد التقرير أن الديمقراطيات فيهما تتحسن بدلاً من التراجع هما أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وآسيا، التي، وفقًا لتحليل التقرير، المنطقتان الوحيدتان اللتان تقل معدلات انتشار الإنترنت فيهما عن المتوسط العالمي.

ماسك زار مقر «تويتر» حاملا حوض غسيل في إشارة إلى عزمه تنظيف الشركة

الثقة والبيئة الأخلاقية
البشر يحبون القصص، وتؤكد معطيات علم النفس أننا نربط أنفسنا بالسرديات أكثر من الحقائق وبالرموز أكثر من الواقع. وبينما تساعدنا هويتنا على فهم أنفسنا، وتساعدنا ثقافتنا على فهم بيئتنا، تساعدنا السرديات على إدراك مكاننا في العالم، وأفعالنا ومعتقداتنا وسلوكياتنا تسترشد، إلى حدٍّ كبيرٍ، بالسرديات التي نعتقد أنها صحيحة عن العالم. وسردياتنا تساعدنا في شرح العالم بطريقة تتفق مع معتقداتنا. وتاريخيًا نقل البشر سردياتهم عبر الأجيال كقصص شفهية ومع المنعطف الرقمي انتشرت أساطيرنا في ركن حولنا، ومع الأجهزة الرقمية المحمولة أصبحت لا تفارقنا. والتغيير الاجتماعي الإيجابي الذي وعدت به صناعة التكنولوجيا وهمٌ واهٍ تحرسه وعود غامضة.
ومن هنا، تثير صفقة «تويتر» قضية تأثيرات محتملة لوسائل التواصل تتناولها دراسات ما يسمى «البيئة الأخلاقية». ونقطة الارتكاز في هذا السياق، حقيقة أن «ثقافةً أمنيةً ومحبةً للحقيقة ومستقيمة تجعل من السهل على المرء أن ينضج باعتباره كائناً أخلاقياً؛ وضمن ذلك أن نسلك في هذه الدنيا مزوَّدين بالحماس والاستقامة والثقة والأمل. أما النشوء في بيئاتٍ ثقافيةٍ رديئةٍ أو فاسدة أو كارهة للحقيقة؛ فإنه لا يجعلُ من هذا التطور المتقدم صعباً فقط؛ بل إنه يجعلُ النجاح نادراً أيضاً». وأحد العواقب الوخيمة لازدياد الوزن النسبي للأكاذيب في حياة مرتادي المنصات أن يتحول الأمر إلى حالة إنكار، والإنكار لا يمثل تآكلًا للمعلومات فحسب، بل يمثل أيضًا انهيارًا جماعيًا للنظام والحقيقة، والقضاء على الثقة، خطر مؤكد على المؤسسات، كما أن تحدي ممارسة الديمقراطية في العصر الرقمي معقد للغاية. ويقرر الدكتور إدوارد شورتر، أستاذ تاريخ الطب في جامعة أونتاريو أن وسائل التواصل «خلقت مناخًا عالميًا من القلق»، وهو ما أكده تقرير غالوب العالمي عن العواطف (2019)، الذي يشير إلى أن الأميركيين أحد أكثر شعوب العالم توتراً. 
وهناك خطر جسيم يتمثل في أن الغضب الأخلاقي في العصر الرقمي سيؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية. وتشير دراسة حديثة إلى أن الرغبة في معاقبة الآخرين تجعلهم يبدون أقل إنسانية. وبالتالي، إذا أدت وسائل الإعلام الرقمية إلى تفاقم الغضب الأخلاقي، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الاستقطاب الاجتماعي عبر المزيد من نزع الصفة الإنسانية عن المغضوب عليهم. وفي أميركا يتسارع الاستقطاب بوتيرة تنذر بالخطر، مع تراجع واسع النطاق ومتزايد في الثقة ورأس المال الاجتماعي، والوسائط الرقمية زادت سرعة هذه العملية. وبحسب دراسة حديثة ثمة قسوة متزايدة وبربرية على الإنترنت، «شبكات التواصل الاجتماعي مثل: فيسبوك وتويتر تشجع مظاهر القبائلية الرقمية»، ويصنفها باحثون كـ«خطرٌ عالميّ شامل». إن ميلنا نحو الاستقطاب ينبع من نزوعنا إلى التصنيف، وأدمغتنا تطورت لمراقبة شيء ما، وتسميته، وتخزين تلك المعلومات بعيدًا لاسترجاعها لاحقًا. وهذا يوفر علينا عناء تقييم كل موقف، وكل شخص، وكل كائن من الصفر في كل مرة نواجه فيها شيئًا أو شخصًا جديدًا.

الرئيس الأميركي جو بايدن اتهم «تويتر» بنشر الأكاذيب في العالم 


وفي النهاية
فإن صفقة «تويتر» زلزال سياسي/ ثقافي/ معرفي يعيد طرح الأسئلة الشائكة المتصلة بالكذب والصدق والسلطة والمال، وفي عمقها تفرض على النخبة الأميركية ما تجنبت الإجابة عنه خلال السنوات الماضية، حيث تتقاطع مفاهيم الحرية «الصوابية السياسية» ودولة القانون والشفافية، والانقسام الكبير الذي يشهده المجتمع الأميركي، يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا، وفي كثير من أنحاء العالم تشير أصابع اتهام عديدة إلى منصات التواصل كمسبب لزلزال سياسية بدأت منذ نهاية العقد الأول من القرن، وما تزال موضوع جدل سياسي وقانوني، واليوم ينتقل الجدل إلى قلب الديمقراطية الأهم في العالم، على خلفية صعود لليمين الشعبوي لعبت هذه المنصات دورًا كبيرًا فيه، واليوم يمتلك أحد رموز الشعبوية الأميركية واحدة من أقوى هذه المنصات تأثيرًا.

* باحثة في العلوم السياسية- مصر.