المجلس الأعلى للفضاء.. رؤية سعودية لرفد اقتصادها الوطني واندماجها العالمي

حجر الزاوية في تنظيم وحوكمة هذا القطاع
أقر مجلس الوزراء إنشاء مجلس باسم «المجلس الأعلى للفضاء» برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان

باكو: في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري (2022) كانت المملكة العربية السعودية على موعد مع تأسيس كيان جديد يتعلق ببناء المستقبل، إذ أقر مجلس الوزراء إنشاء مجلس باسم «المجلس الأعلى للفضاء» برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، مع تعديل اسم «هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات» لتصبح «هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية»، وهو ما مثل خطوة رائدة في مسيرة الاهتمام السعودي بقطاع الفضاء واقتصادياته والعمل على تطويره بما يعزز روافده الداعمة لمختلف القطاعات الاقتصادية والتنموية والخدمية، وذلك على النحو الذى عرفت به منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) مفهوم اقتصاد الفضاء بأنه: «أنشطة استخدام الموارد التي تصنع قيمة وفوائد للبشر، في سياق استكشاف الفضاء والبحث فيه وفهمه وإدارته واستخدامه، وبما يمكن من تطوير خدمات جديدة تتيح بدورها تطبيقات جديدة، في قطاعات مثل الأرصاد الجوية والطاقة والاتصالات والتأمين والنقل والبحرية والطيران والتنمية الحضرية، مما يؤدي إلى فوائد اقتصادية ومجتمعية إضافية»، وهو ما يعني أن الفضاء لا يمكن ان يكون قطاعا مستقلا في مجال الاهتمام به كما يتصور البعض، وإنما هو قطاع متداخل مع كافة القطاعات الأخرى، إذ تشير تقارير وكالة الفضاء الأوروبية إلى أن صناعة الفضاء يمكن أن تبلغ قيمتها تريليون دولار بحلول 2040، كما أصبحت تكنولوجيا الفضاء منصة أساسية خلف عديد الخدمات والمنتجات التي أصبح لا غنى للناس عنها كما اتضح ذلك جليا في الآونة الأخيرة خلال جائحة كوفيد-19، فعلى سبيل المثال منحتنا أنظمة الأقمار الاصطناعية والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية فرصة للتواصل والحياة، وضمان وصول الإمدادات رغم حالة الإغلاق التي شملت العالم بأسره، وهو الأمر الذي كان مستحيلا أن يحدث بمثل هذه الصورة في أزمان سابقة، إذ إن من شأن استخدام الفضاء أن يسهم بشكل إيجابي في عديد المجالات بدءا من  مراقبة المناخ والطقس، مرورا بالحصول على الرعاية الصحية والتعليم، وإدارة المياه، والكفاءة في النقل والزراعة، وصولا إلى حفظ السلام، والأمن، والمساعدة الإنسانية، وغيرها من قائمة التطبيقات الفضائية المؤثرة على الأرض، والتي لا تنتهي، بل ثمة عديد المساهمات القيمة الأخرى التي لا تزال قيد التطوير أو البحث.
وفي ضوء كل ما سبق، برز الحديث عن الاهتمام السعودي بقطاع الفضاء، ذلك الاهتمام الذي يعود إلى أكثر من ثلاثين عاما وتحديدا عام 1985، حينما بدأت المملكة العربية السعودية مشوارها الطويل نحو الفضاء الخارجي، مع وصول الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز إلى الفضاء على متن مكوك ديسكفري التابع لوكالة الفضاء الأميركية، ومكث في الفضاء 7 أيام وساعة واحدة و38 دقيقة، حاملًا معه القمر العربي الثاني الذي كان مكلفًا بإطلاقه. وقد صنعت المملكة بهذه الرحلة أول توجهاتها صوب الفضاء، إذ انتقل العالم العربي مع الأمير سلطان كأول رائد فضاء عربى مسلم، من مرحلة مراقبة الفضاء، إلى مرحلة المشاركة والتطوير في مسيرة هذا المجال دوليا ووطنيا.

على هامش معرض البحرين الدولي للطيران الهيئة السعودية للفضاء تشارك في اجتماع المجموعة العربية للتعاون الفضائي


ومنذ تلك اللحظة، تابعت المملكة مجهوداتها المستمرة لتطوير الفضاء ومنحه أولوية وطنية بما يسهم فى تحول المملكة نحو اقتصاد قائم على الابتكار، ومحفزا للاستثمار عبر إيجاد أسواق جديدة تكون رافداً للتنوع الاقتصادي وخلق وظائف جديدة، وهو ما جعل من هذا القطاع قطاعا محوريا ضمن رؤيتها التنموية المعروفة برؤية المملكة 2030 والتي أطلقتها في أبريل 2016، مؤكدة فيها على أهمية العمل على تطوير القطاع وتنظيمه وتوفير الممكنات لتحقيق إنجازات رائدة فيه تنعكس على الاقتصاد المحلي وتخلق قطاعات وأسواقا جديدة.
وفي سبيل تحقيق ذلك، أطلقت المملكة البرنامج الفضائي السعودي في العام ذاته (2016) تأكيدا على الأهمية التي يشغلها قطاع الفضاء في وضع الرؤية التنموية موضع التنفيذ، حيث تحددت أهداف هذا البرنامج فيما يأتي:
توطين صناعة الفضاء ومواكبة رؤية 2030.
تلبية الاحتياج المحلي لمختلف الأغراض.
تطوير وتصنيع أحدث الأنظمة لمراقبة الأرض.
تعزيز خدمات المعلومات الجغرافية.
إشراك القطاع التجاري المحلي.
تشجيع تعزيز التعاون الدولي في استكشاف الفضاء.
المساهمة في تعزيز سلامة وأمن الفضاء، وتنفيذ معاهدات الفضاء وقانون الفضاء الدولي عبر برنامج علوم واستكشاف الفضاء وبرنامج استكشاف القمر، وبرنامج الاتصالات الفضائية ونقل البيانات، وبرنامج تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد.
أن يكون للمملكة العربية السعودية دور في بعثات المهام الفضائية الجوية الدولية أو الإقليمية.
استغلال الفرص التي يتيحها إدخال النظم الفضائية التي تقدمها منظمات أخرى في القطاع الجوي.
تعزيز مستوى التعليم العالي في علوم الفضاء والطيران والبرامج التدريبية في المملكة، وتنمية الموارد والاهتمام بقطاع الطيران والفضاء.
التشجيع على انتشار واستخدام مشاريع وخدمات قطاع الجو والفضاء على الصعيد الوطني في الحكومة، والقطاع الصناعي وعامة الجمهور.
واستكمالا لهذه الخطوة الرائدة، وحرصا على تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي وضعها البرنامج الفضائي، نجحت المملكة في تحقيق عديد الإنجازات في هذا المجال، من أبرزها ما يأتي:
توقيع العديد من الاتفاقيات المعنية مع مختلف دول العالم التي حققت تقدما في مجال الفضاء، ومن أهم ما وقعته المملكة في هذا الشأن اتفاقية «أرتميس» بين السعودية ووكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في يوليو (تموز) 2022، للانضمام إلى التحالف الدولي في مجال الاستكشاف المدني واستخدام القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات للأغراض السلمية، وتتضمن الاتفاقية 13 بندًا، وتهدف في مجملها إلى تعزيز حضور المملكة دوليًا والمساهمة الفاعلة في المشاريع الدولية المشتركة، وترسيخ مكانة المملكة دولة رائدة في مجال «الفضاء الجديد» من خلال مساهمتها في أنشطة الفضاء الناشئة من خلال المهمات العلمية والاستكشافية وتعزيز اقتصاد الفضاء، وتطوير القدرات البحثية ورأس المال البشري. وجدير بالذكر أن اتفاقية «أرتميس» هي اتفاقية دولية حول مبادئ التعاون في الاستكشاف المدني واستخدام القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات للأغراض السلمية وفقاً لما ورد في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967.
إنشاء معهد بحوث الفضاء في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، الذي عمل على عدة مشاريع ضخمة مع شركاء من دول العالم المتقدم في هذا المجال، حيث تضم المدينة عديد المحطات التي تتركز مهمتها في استقبال الصور والبيانات الفضائية لتغطية 2.7 مليون كم مربع من جنوب روسيا إلى جنوب الصومال، ومن غرب باكستان إلى شرق ليبيا. يذكر أن تاريخ إنشاء هذه المدينة يعود إلى سبعينات القرن المنصرم وتحديدا عام 1977، حينما تأسس «المركز الوطني العربي السعودي للعلوم والتقنية» ليضطلع بدوره في إجراء البحوث العلمية التطبيقية لخدمة التنمية والتطور، واستمر في عمله حتى تحول اسم المركز بمرسوم ملكي عام 1985 إلى مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، والتي عملت على النهوض بهذا القطاع الحيوي ومنه رسم خطة نقل وتوطين تقنية الأقمار الصناعية. وقد أبرمت المدينة عديد الاتفاقيات مع مراكز ومؤسسات عالمية رائدة في مجال الفضاء. وجدير بالذكر أن الأمر لم يتوقف على هذا المعهد فحسب، بل تم إنشاء عدد من المراكز المتخصصة بالشراكة مع مؤسسات عالمية متقدمة، فعلى سبيل المثال تم تأسيس مركز تميز الفضاء والأرض، وذلك بالتعاون مع معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك Caltech)، كما تم تأسيس مركز تميز أبحاث الفضاء والطيران المشترك مع جامعة ستانفورد الأميركية.
إطلاق 17 قمرا اصطناعيا بين 2000 و2021، كان أول تلك الأقمار هما «سات-1» وسات-1ب»، وذلك لأغراض إرسال وتخزين البيانات، ثم توالت الإرساليات من بينها إطلاق منظومة أقمار اصطناعية «كومسات» 2007 التي بلغت خمسة أقمار اصطناعية تهدف إلى تتبع السفن التجارية ومعالجة بياناتها، كما تم في 2014 إطلاق قمر «سات-4» لإجراء تجارب علمية فيزيائية على الأشعة فوق البنفسجية بالتعاون مع جامعة ستانفورد الأميركية ووكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، وفي 2018 تم التعاون مع وكالة الفضاء الصينية لإطلاق القمر الاصطناعي «شانج آي-4»، وذلك في مهمة نادرة لاستكشاف الجانب غير المرئي من القمر. وفي 2021 تم بنجاح إطلاق القمرين الاصطناعيين «شاهين سات-17» التابعين لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، والقمر «CubeSat» التابع لجامعة الملك سعود، وذلك من قاعدة بايكونور في كازاخستان على متن الصاروخ الروسي «Soyouz2».
تأسيس الهيئة السعودية للفضاء بموجب أمر ملكي في ديسمبر (كانون الأول) 2018، كخطوة رائدة نحو بناء مستقبل أكثر ابتكارًا وتطلعًا لأحدث التقنيات والفرص في قطاع الفضاء السعودي، حيث تتوافق أهداف الهيئة مع تطلعات المملكة نحو حياة أكثر جودة وتقدما، وخلق بيئات أفضل وأكثر أمانًا لمواطنيها، مع خلق فرص جديدة لمزيد من الابتكارات المربحة الداعمة للاقتصاد السعودي. كما تقضي استراتيجية الهيئة على وضع مجموعة من الأهداف الأولية التي تخدم مصالح الأمن القومي وتحميه من الأخطار المتعلقة بالفضاء وتشجع النمو والتقدم التراكمي.

تزامناً مع أسبوع الفضاء العالمي نظمت الهيئة السعودية للفضاء بالتعاون مع مدارس مسك لقاء علمي


إطلاق برامج تدريبية للكوادر البشرية، فلم يتوقف اهتمام المملكة بقطاع الفضاء على مجرد توقيع الاتفاقيات المشتركة أو بناء مراكز الأبحاث فحسب، بل عملت جاهدة على تدريب أبنائها عبر تخصصات علمية وافية ليكونوا نواة حقيقية لجيل قادر على الصعود إلى الفضاء، وذلك عبر أقسام متخصصة في عدد من الجامعات السعودية التي تدرس هندسة الفضاء والهندسة الميكانيكية. وجاء تنفيذ هذا الهدف من خلال إطلاق الهيئة السعودية للفضاء أول برنامج لرواد الفضاء (يوليو 2022)، يهدف إلى تأهيل كوادر سعودية متمرسة لخوض رحلات فضائية طويلة وقصيرة المدى، والمشاركة في التجارب العلمية والأبحاث الدولية والمهام المستقبلية المتعلقة بالفضاء، والاستفادة من الفرص الواعدة التي يقدمها قطاع الفضاء وصناعاته عالمياً، والإسهام في الأبحاث التي تصب في صالح خدمة البشرية في عدد من المجالات ذات الأولوية مثل الصحة والاستدامة وتكنولوجيا الفضاء. يتضمن برنامج المملكة لرواد الفضاء، إرسال رواد ورائدات فضاء سعوديين إلى الفضاء في مهام لخدمة البشرية، حيث ستطلق أول الرحلات في العام 2023، وسيضم أول طاقم رائدة ورائد فضاء سعوديين، لتسجل المملكة بذلك حدثًا تاريخيًا مهمًا من خلال إرسال أول امرأة سعودية إلى الفضاء. وجدير بالإشارة أن هذا التوجه جاء في ضوء ما حققته المرأة السعودية من نجاحات ملموسة في هذا المجال، إذ فازت المهندسة مشاعل الشميمري بمنصب نائب رئيس الاتحاد الدولي للملاحة الفضائية (IAF)، بعدما حصدت أعلى الأصوات في مواجهة 14 مرشحا من جميع أنحاء العالم، لتكون أول امرأة سعودية تحقق الفوز بمنصب قيادي في أكبر المنظمات العالمية للفضاء.

جناح الهيئة السعودية للفضاء قدم لزواره رحلة استكشافية نحو تطلعات الهيئة والفرص الواعدة، ضمن المعرض المصاحب لأعمال المؤتمر الدولي للملاحة

مع كل هذا السجل الحافل، أضحت هناك أهمية في أن يكون هناك كيان جامع شامل لكل هذه المنظومة المتعددة. ومن ثم، تبرز أهمية الخطوة المتميزة التي أقدمت عليها المملكة بإنشاء المجلس الأعلى للفضاء برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، ليشكل هذا المجلس حجر الزاوية في تنظيم وحوكمة هذا القطاع على النحو الذي يضمن تكامل مجالاته، بما يقود المملكة نحو تحول جذري في هذا القطاع الحيوي الذي من شأنه أن يُسهم في تحقيق التكامل بين المشاريع الاستراتيجية كافة التي تشهدها المملكة اليوم.
وفى النهاية لم يبق إلا القول إن الخطوات التي اتخذتها المملكة في سبيل النهوض بقطاع الفضاء وجعله قطاعا داعما للاقتصاد الوطني، يتطلب أن تتكلل كل تلك الجهود بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للفضاء متضمنة عرضاً مفصلاً لجميع برامج الفضاء السعودية وأهدافها التي تسهم في خدمة الإنسانية جمعاء.