السوق السورية: نزيف في العمالة... وتجربة التسوق الإلكتروني تنتعش

100 شركة جديدة تمّ تأسيسها في سوريا خلال 3 أشهر
تطبيق «حربوء»

دمشق: «أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً»، هكذا يقول المثل الشعبي، وهذا ما حدث في سوريا بتجربة التسوق الإلكتروني، فبعد انتشار خبر إحصائية أفصح عنها مدير الشركات في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك زين صافي، تفيد بأن «هناك ما يزيد على مائة شركة تم تأسيسها في الأشهر الثلاثة الماضية في سوريا، مقابل حل خمسين شركة في الفترة ذاتها»، دخل هذا الخبر معظم أخبار وسائل الإعلام، دون معرفة أي أسباب حول حل تلك الشركات، والتي لم تقبل الإفصاح عن الأسباب هي أيضاً، لكن ما أثاره هذا الخبر هو أن معظم التطبيقات الإلكترونية في سوريا اليوم تعتبر من ضمن هذه الشركات،  مما جعل الاقتصاد السوري يدخل السوق الإلكترونية بهدوء رغماً عن التضخم، ونزيف العمالة، والاقتصاد المتهرئ ، وربما الكساد قريباً.

نحو اقتصاد ريعي
تعليقاً على خبر إغلاق 50 شركة في سوريا، يتحدث الخبير الاقتصادي عبد القادر حصرية عن سبب الإغلاق لـ«المجلة»: «هذا أمر طبيعي ومتوقع ضمن ظروف الاقتصاد السوري، وبعد عشر سنوات من حرب لها آثار اقتصادية واضحة على الشركات والأعمال، فالشركات هي عبارة عن شكل قانوني لممارسة الأعمال، وتأسيس الشركات، وتصفيتها مرتبط بهذه الأعمال وبالفرص المتاحة في الاقتصاد السوري، ولكن هناك من يرى فرصا جديدة في الاقتصاد. لذلك كان لا بد من أن نرى شركات يتم حلها وتصفيتها، وهناك مشاريع، وشركات، وصناعات مرتبطة بها يتم تأسيسها في المقابل».
لكن رأي الخبير الاقتصادي الدكتور حسن حزوري كان مخالفاً لرأي حصرية، حيث علق على السياسات الحكومية بأنها «دعمت القطاعات الريعية كالسياحة والتجارة على حساب قطاعات الإنتاج الحقيقي من صناعة وزراعة، بمعنى أنها حولت الاقتصاد السوري من اقتصاد منتج إلى اقتصاد ريعي خدمي، وكانت قرارات تشجيع الزراعة والصناعة خجولة جداً، مقارنة بالقطاع السياحي»، مضيفاً إلى المشاكل العديدة التي تواجه الشركات اليوم كنزيف العمالة، ونقص الكهرباء، والطاقة، وضعف التصريف، والطلب، والجباية التي لا تنتهي.
وعن ظاهرة المتاجر الإلكترونية أوضح عبد القادر حصرية قائلاً: «هذه ظاهرة طبيعية، بل سورية متأخرة بالمقارنة مع دول الجوار، أو دول العالم الأخرى، وربما نحن متأخرون بالمقارنة مع الدول الأخرى بسبب ظروف الأزمة، والعقوبات الاقتصادية أحادية الجانب، وظهور مثل هذه التطبيقات قد يكون جيدا نسبة لنقص الطاقة في البلاد مما يوفر الطاقة والمال».  

دمشق معروفة بأسواقها التقليدية وارتياد الناس لها رغم ظروف الحرب (رويترز)

انسحاب أول تطبيق سوري
مؤسس أول تطبيق في سوريا (رفض ذكر اسمه واسم تطبيقه) والذي كان عبارة عن دليل يحتوي على عناوين كافة المهن في سوريا، لكن تم إغلاقه منذ ثلاث سنوات، يروي قصته لـ«المجلة»: «لقد كان هذا التطبيق هو أول تطبيق سوري، ودليل لكافة عناوين المهن في المنطقة، بالإضافة إلى ربطه بـ Google Maps، ليأخذ المستهلك إلى العنوان على الخريطة، أي بمثابة تطبيق إعلاني، أو دليل، وبلغ عدد الموظفين لدي ما يقارب 200 موظف، وذلك بسبب غياب أي قاعدة بيانات حقيقية في دوائر الدولة، مما دفعني إلى إنشاء، وتأسيس قاعدة بيانات خاصة بالتطبيق، وذلك من خلال إنزال فريق من المندوبين على الأرض لجمع البيانات، لكن ثقافة التطبيقات في سوريا كانت ضعيفة آنذاك في عام 2015، على الرغم من أن التطبيق حاصل على ترخيص رسمي ونهائي من وزارة الإعلام، وفي عام 2017 كنت راعيا لمعرض دمشق الدولي، ووصل عدد الموظفين من الفريق 150 موظفا، لكننا لم نحقق 50 في المائة من طموحنا كشركة، وقمت بإغلاق التطبيق لعدة أسباب أولها زيادة الدوران الوظيفي وهو من أقوى الأسباب التي لا تدركها الشركات في سوريا حتى اليوم، بالإضافة إلى سوء إدارة من قبلي، فقد كنت أدفع مبالغ كبيرة من رواتب، وحملات إعلانية، لكن دون مقابل، فكان مقابل كل إعلان 2000 ليرة سورية فقط، مما أدى إلى خسارة كبيرة في التطبيق، وفيما بعد جاء عرض قوي لشراء التطبيق وقمت ببيعه بشكل كامل».
ومن التطبيقات المماثلة لهذا الدليل الإعلاني ظهر بديل له ليشمل الخدمات التي قدمها فكان تطبيق ADDRESS  هو تجربة سورية بامتياز، في ظل التطور الحاصل في سوريا الآن، حيث بدأت شركة LEVANT تساهم في زيادة ثقافة التسوق الإلكتروني في سوريا، للمهندسة رشا عفش، تقول لـ«المجلة»: «هو عبارة عن منصة إعلانية لكافة الأعمال التي تريد تقديم عملها للأسواق المحلية، وهو مرخص من قبل الهيئة الوطنية، وبرأيي تكاليف التراخيص بسيطة جداً اليوم لمثل هذه المشاريع في سوريا».

النمو للشركات الناشئة
«تطبيق حربوء السوري هو منصة تجارة إلكترونية، تسمح لأي شخص بأن يطلب احتياجاته أونلاين عبر التطبيق، ووفقاً لما يوفره حربوء من بضائع، مع إمكانية توصيل الطلب لباب المنزل»، هكذا عرّف أحمد نحاس أحد مؤسسي تطبيق «حربوء» الإلكتروني، والذي تحدث لـ«المجلة» عن تجربته في السوق الإلكترونية إذ يقول: «المتاجر الإلكترونية تدخل إلى السوق السورية كغيرها من الأسواق، لكن ظروف البلاد لم تسمح لها بأن تنمو كما يجب، أو أن تتطور بشكل سريع، ربما لو كان الشعب السوري اعتاد سابقاً على التعامل الإلكتروني لكان الأمر أسهل بكثير، لكنني أظن أن هذه وظيفتنا كمتاجر تسوق اليوم في سوريا، نشر ثقافة التسوق الإلكتروني، وتنمية الحاجة لدى المستهلك في الاعتماد على هذا النوع من الخدمات».
وعن الشركات التي تم إغلاقها في سوريا كان رأي أحمد مخالفاً للخبراء الاقتصاديين، إذ قال إنه «لم تكن سوريا أول بلد يعاني من تضخم في الاقتصاد، وهناك العديد من التجارب على ذلك، على سبيل المثال تركيا التي عانت من انخفاض في قيمة عملتها (الليرة التركية) منذ خمس سنوات، إلا أنها تجاوزت ذلك، بالإضافة إلى أن الشركات الناشئة لها فرصة في النجاح أكثر من الشركات الكبيرة، وأكثر الأوقات المناسبة لنشوئها هو الوقت الحالي، ناهيك عن أنها تبدأ من مرحلة الصفر، وهذا ما يعطيها قابلية، ومرونة أكثر من غيرها في النمو ولو بشكل بطيء، على عكس الشركات الكبيرة، والضخمة اليوم ذات المصاريف الضخمة، والتي من الصعب أن تتقلب بسهولة مع السوق، مما أدى بالعديد من الشركات في سوريا إلى أن تتحول إلى شركات ذات صبغة محلية الصنع، بسبب صعوبة الاستيراد».

يفضل بعض السوريين التسوق إلكترونياً

نزيف العمالة والمعاملة
إحدى المشكلات التي دفعت أحد التطبيقات إلى الإغلاق هي استقالة العديد من الموظفين لديه، دون أن يعرف سبب ذلك، على الرغم من أن الراتب الذي كان يدفعه لموظفيه مرتفع، ومن أحد القصص التي تعرفت عليها «المجلة» حول معاناة الموظفين في سوريا اليوم، والتي تعتبر تجربة مختلفة عما تم تداوله في السابق حول العمل في سوريا، تقول أمل (اسم وهمي): «لقد عملت لدى العديد من الشركات، ولم يكن سلم الرواتب مشكلتي الرئيسية يوما في الاستقالة من العمل، إلا أن مشكلة قلة التقدير، وعدم احترام الإداريين لموظفيهم كانت مشكلتي الكبيرة في سوق العمل السورية».
وعلى سبيل المثال تطرح أمل آخر ما تعرضت له في سوق العمل، إذ تقول: «كنت أعمل في أحد التطبيقات السورية، وكان العمل ممتعا، ومختلفا عن السابق، وبمنصب وظيفي جيد، لكن وبعيداً عن الراتب، وقلة التقدير للجهد المبذول من قبل الإدارة، صادفني موقف دفعني للتفكير في ترك العمل، حيث باغت الشركة فريق من التأمينات الاجتماعية، فهرع المدير إلى (كش) الموظفين كالذباب من شركته لكي يقنع فريق التأمينات بأن عدد الموظفين لديه أقل بكثير من أي شركة يتوجب عليها تسجيل موظفيها لديهم، وذلك بسبب التكاليف التي يتكبدها المدير لقاء ذلك، وأنا في مكتبي، وفريق التأمينات في مكتب المدير، كنت على يقين من أن الفريق سيقبل الرشوة وينتهي الأمر، لكن ما أثار الحنق بداخلي هو أن الموظف يخرج من عمله كذبابة ليأكل المدير حقه، وموظف التأمينات يقبل الرشوة ليأكل المدير حق موظف غيره، تلك المفارقة، والقضية التي لم أستطع أن أنساها، أو أن أتجاوزها في العمل، مما دفعني إلى لاستقالة فيما بعد».
ووفقا لرأي أمل، فإن سوق العمل اليوم في سوريا ليست مشكلته فقط سلم الرواتب، بل استهتار الشركات بالموظف، وسوء الإدارة؛ حيث ختمت حديثها بالقول: «ليس كل من فتح مشروعاً كان جديراً بإدارته»، لكن أحمد نحاس مؤسس تطبيق «حربوء» رأى ضعف العمالة محصوراً بسلم الرواتب، حيث أوضح لـ«المجلة» أنه «لو كان بمقدور أي شركة أن ترفع سلم رواتبها لفعلت ذلك دون تردد، لكن نظراً للظروف الصعبة، لم تعد تبحث الشركات عن ازدهارها، ونموها، وإنما بات هدفها الوحيد اليوم هو الحفاظ على البقاء».
وعن المعايير التي يتبعها مع موظفيه يقول: «هناك معياران لتحديد سلم الرواتب، الأول يتمثل في متوسط الرواتب بالسوق، أما الثاني يعتمد على نوعية العمل، فموظف خدمة الزبائن يختلف كلياً عن المهندس المتخصص، بالإضافة إلى وجود عامل ثالث هو الحد الأدنى للأجور، لكن سوريا لا تتبع العامل الثالث لأن الحد الأدنى قليل جداً نسبة للوضع المعيشي اليوم».

لا تقتصر على الترخيص
بين نظرة سوداوية، وأمل في البقاء على قيد الصناعة، والتقدم في سوريا، لا يمكن تجاهل مستقبل التجارب الإلكترونية التي ما تزال في تزايد، وحسبما أجمع عليه الخبراء الاقتصاديون فإنه «إذا أراد أصحاب هذه التجارب أن يزدهر المجال الإلكتروني في سوريا، فمن الضروري الاعتراف بأن هذه التطبيقات في أمسّ الحاجة اليوم إلى بيئة تشريعية، وتنظيمية، وبنية تحتية متكاملة لكي تولد، وتبصر النور بشكل طبيعي، وأن لا تقتصر على الترخيص فقط، وإلا كان حالها حال الشركات التي رفضت الحديث عن أسباب إغلاقها في سوريا لـ(المجلة)».