لبنان على عتبة «موسم واعد».. والعودة إلى الخارطة السياحية من بوابة الخليج

حجوزات الأعياد شبه «مفوّلة» على الرغم من الفراغ
موسم الأعياد في لبنان

بيروت: في صورتين متناقضتين تعكسان واقع لبنان العصيّ على الانتظام خلال السنوات الأخيرة، سلكت البلاد بـ«خطى ثابتة» طريق الفراغ الذي يبدو أن أمده سيكون طويلاً بغياب التوافق على رئيس للجمهورية الذي انسحب أيضاً على تشكيل حكومة جديدة، فيما على المقلب الآخر تبدأ الاستعدادات لدخول لبنان على موسم شتوي سيكون «زاخراً» سياحياً، على غرار صيفه الحافل الذي شكّل متنفساً للسياحة ومؤسساتها وللاقتصاد بشكل عام، بعد ركود حرّك عجلته توافد السياح العرب والأجانب كما المغتربين اللبنانيين عبر إدخال كتلة نقدية بلغت نحو 6 مليارات دولار.

يفتح موسم الأعياد المرتقب الباب أمام حركة سياحية ناشطة تُساهم في الدورة الاقتصادية من خلال إشغال في الفنادق والمطاعم وأماكن السهر وصولاً إلى قطاع تأجير السيارات، تترجم بكلام رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بأن «لبنان ينتظر في الفترة المقبلة موسما شتويا واعداً، إذ إن هناك حجوزات مكتملة لمدة 15 يوماً للسفر إلى لبنان خلال عيدي الميلاد ورأس السنة، بمعدل أربع أو خمس طائرات في اليوم».

تلاقى هذا الكلام مع إعلان نقابة مكاتب السياحة والسفر بأن «حركة الحجوزات لفترة الأعياد في تزايد متواصل، وقد وصلت النسبة إلى 85 في المائة خلال الفترة الممتدة من 20 ديسمبر (كانون الأول) المقبل حتى نهاية الشهر نفسه، ومن المحتمل أن يرتفع المعدل ليصبح 100 في المائة، مع توقعات بتنظيم رحلات إضافية من الخارج إلى لبنان مع ارتفاع وتيرة الحجوزات»، مشيرة إلى أن «معظم القادمين خلال عطلة عيد الميلاد ورأس السنة هم من اللبنانيين العاملين في الخارج، ولكن نسبتهم ستكون أقل مما كانت عليه في موسم الصيف، أما نسبة السياح العرب والأجانب القادمين إلى لبنان فستشهد ارتفاعاً ملحوظا، مع التأكيد على أن الفراغين الرئاسي والحكومي لن يكون لهما تأثير كبير على الحجوزات، في حال استمر الاستقرار الأمني كما هو حالياً، فاللبناني والسائح العربي لا يتأثران بالتأزم الحاصل على الصعيد السياسي اللبناني».

ستنعكس تلك المعطيات إيجاباً على الاقتصاد الوطني في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعانيها لبنان، فيما العين تبقى على الوضع الأمني، وسط ترقّب القطاعات السياحية التي تُعوّل على تلك الفترة، علّ ما يليها يحمل انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وعودة العلاقات مع دول الخليج إلى طبيعتها لتُساهم بعودة لبنان إلى الخارطة السياحية كما السابق.


مؤشرات إيجابية على الرغم من المعاناة

تعاني العديد من الفنادق خارج بيروت من معضلة توقف معامل المؤسسة عن إنتاج الكهرباء، كما كل المجتمع اللبناني والقطاعات الاقتصادية على اختلافها، لا سيما القطاع السياحي الذي تعود مشاكله الأساسية إلى انهيار سعر صرف الليرة وضعف العمل في المؤسسات السياحية، إذ إن قسما كبيرا من أرباح هذه المؤسسات في موسم الصيف ذهب لتغطية كلفة المحروقات (المازوت) المرتفعة جداً جراء ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة، وسط محاولات مستمرة للصمود تجنّباً للإقفال، علّ الموسم المنتظر يُشكّل جرعة أوكسجين إضافية بانتظار الحلول الجذرية.

على وقع التحضيرات لموسم الأعياد، أكد رئيس اتحاد النقابات السياحية رئيس المجلس الوطني للسياحة بيار الأشقر لـ«المجلة» أن مشكلة لبنان الأساسية سياسية وكل المشاكل والمقاطعة العربية والتحذير الدولي من المجيء إلى لبنان تعود إلى السياسة، لافتاً إلى أن «العديد من المؤسسات الفندقية مع بداية موسم الخريف والشتاء وقسم من فصل الربيع، لديها نسبة تشغيل منخفضة وهذا ليس بجديد، ولكن المشكلة اليوم في توليد الطاقة ذات الكلفة المرتفعة، وبالتالي عندما تكون نسبة التشغيل منخفضة مع توليد الطاقة وشراء المياه يصبح العبء كبيراً على تلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهذا سبب إقفال العديد منها خارج بيروت».

وأوضح أنه «في العاصمة بيروت لا تزال هناك 1500 غرفة مقفلة جراء انفجار المرفأ، بعد أن تم مؤخراً فتح 500 غرفة في فندق فينيسيا».

وفيما يتعلق بارتفاع الحجوزات خلال عطلة الأعياد المرتقبة، اعتبر الأشقر أن «مدتها قصيرة لا تتجاوز 10 أيام في عيدي الميلاد ورأس السنة، والقدوم سيقتصر على شريحة معينة تحتفي بهما، مع الإشارة إلى أن احتفال الوافدين بالميلاد يتم عادة داخل المنازل، ليبقى الاحتفال حصراً بالسنة الجديدة، وبالتالي سيقتصر الاحتفال على 3 ليالٍ من العشرة، ما يعني أن المغتربين والوافدين من دول الخليج وأفريقيا وأوروبا سيرتادون في تلك الأيام الثلاثة المطاعم والمقاهي ويسهرون ليلة رأس السنة فقط».

ولفت إلى أن «هؤلاء يجلبون إلى لبنان نقداً نادراً أي الدولار وهذا إيجابي، أما بخصوص الفنادق، فنسبة التشغيل ستكون عالية في بيروت ومناطق التزلّج، على عكس بقية المناطق التي ستشهد ركوداً، باستثناء ليلة رأس السنة التي قد يؤدي قدوم الناس لحضور الحفلات فيها إلى حركة جيدة».

وعن ارتفاع نسبة حجوزات الطيران، اعتبر الأشقر أن «ذلك مردّه إلى وجود 450 ألف مغترب في دول الخليج، وفي حال قدوم 100 ألف منهم لتمضية عطلة الأعياد مع ذويهم سيساهمون في تعبئة الطائرات بالكامل»، مشيراً إلى أن «ذلك لا ينعكس على الفنادق، إذ إن الحجوزات تقتصر على بيروت حتى الآن ونسبة التشغيل هي بحدود 70 في المائة، وهذا مؤشر إيجابي، متوقعاً أن تصل إلى 80 في المائة خلال فترة الأعياد».

وأكد أن «حصول أي حادث أمني قد يؤدي إلى زعزعة الوضع، ولكن المؤشرات الحالية تُظهر أن الأمن منضبط»، مشدّداً على أن «الحل سياسي والأساس هو المصالحة مع دول الخليج العربي، وهذا حلم كل لبناني كما حلم الاقتصاد اللبناني ليستعيد عافيته».

الحجوزات تخطت حتى الآن الـ 85%


الموسم السياحي لن يكون فعلياً ناجحاً.. إلا إذا!

يعوّل أصحاب المؤسسات السياحية والفنادق والمطاعم على موسم الأعياد، من دون إغفال القلق  من تأزم الوضع السياسي، آملين أن تسير الأمور باتجاه الحلحلة ليكون موسما واعداً بكل المعايير ويساهم في انتعاش البلاد على مختلف المستويات، ليس فقط في القطاع السياحي، وإنما في اقتصاد البلاد بشكل عام، لتكون الدورة شاملة. وفي الإطار، شدد الرئيس السابق لنقابة الأدلاء السياحيين وصاحب إحدى وكالات السفر هيثم فواز لـ«المجلة» على أن «الأعياد في لبنان تشهد عادة قدوم المغتربين اللبنانيين من دول الخليج وأوروبا تحديداً، أما الوافدون من أستراليا وأميركا، وفي نفس الفترة يكون موسم سياحة أوروبي من خلال مجموعات أوروبية وليست عربية»، مشيراً إلى أن «هؤلاء الأجانب يساهمون بحركة سياحية فعلية، لأن اللبنانيين المغتربين يملكون منازل يقيمون فيها أو يقيمون لدى عائلاتهم لتمضية الأعياد، بينما السياح الأوروبيون يحجزون في الفنادق».

وأوضح أن «أرقام حجوزات الطيران لا تعني أن الوافدين من السياح، بل إن 90 في المائة منهم من  المغتربين اللبنانيين والبقية من دول الخليج والأردن ومصر والعراق وأوروبا، وهذا ليس بجديد وربما تتم الإضاءة عليه لأن لبنان منكوب اقتصادياً خصوصاً بعد موسم الصيف حيث ساهم هؤلاء بتنشيط الحركة لا سيما في قطاعي المطاعم وتأجير السيارات»، لافتاً إلى أن «تلك الظاهرة ستتكرر في تلك الفترة، ولن تكون لأكثر من 10 أيام وبالتحديد ما بين 24 ديسمبر (كانون الأول) و2 يناير (كانون الثاني) المقبلين».

واعتبر فواز أن «قدوم المغتربين ينعكس إيجاباً على شركات الطيران والمطاعم وشركات تأجير السيارات بشكل أكبر من الفنادق ووكالات السفر».

وعن تداعيات الفراغ الذي تعيشه البلاد، أوضح أن «اللبنانيين كما المغتربين تأقلموا مع الوضع وهو ليس بجديد على البلاد حيث الوضع الأمني لا يزال مضبوطاً والناس ترتاد أماكن السهر والحياة مستمرة على الرغم من الأزمة الاقتصادية الحادة»، مؤكداً أن «الأزمة السياسية لن تؤثر على السياحة إلا في حال حصول خضّة أمنية غير متوقعة».

وقال: «الموسم السياحي لن يكون فعلياً ناجحاً ما لم يتم تشغيل كل القطاعات من مطاعم وفنادق ومقاهٍ ووكالات سفر، والسياحة سلسلة مترابطة، والمغتربون يشكلون عنصراً فعّالاً في تحريك العجلة الاقتصادية، ولكن الركيزة الأساسية للسياحة هم السياح الأجانب والعرب والخليجيون بالتحديد».

وأكد فواز على أن «لبنان كان ولا يزال البيت الثاني للسياح الخليجيين والسعوديين بالتحديد، ولبنان يُعوّل على قدومهم، خصوصاً في موسم الثلوج والتزلج حيث تترجم بارتفاع نسبة الحجوزات».

في الخلاصة، في ظل حجوزات شبه «مفوّلة»، يبقى الأمل بتحسن الأوضاع السياحية في المستقبل القريب وعودة بيروت إلى خريطة السياحة العربية والعالمية، إذ لطالما كان لبنان وجهة سياحية ودخله من هذا القطاع كان في السنوات السابقة نحو 7 مليارات دولار، واستحوذ حتى عام 2019 على قرابة 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يتراجع إلى ما دون 10 في المائة في السنوات الأخيرة بسبب الأزمة المالية.