الإرهاب لا لون له

تفجير إرهابي يضرب مدينة إسطنبول التركية، 6 ضحايا بينهم أطفال، وعشرات الجرحى. امرأة تضع قنبلة في منطقة تقسيم السياحية وتهرب، لتكشف السلطات الأمنية التركية خلال ساعات فقط خيوط العملية وتعتقل منفّذتها إضافة إلى نحو 50 شخصاً تعاونوا معها وسهلوا لها التنقل والتخفي وقدموا لها الدعم اللوجستي.

 

اتهمت السلطات التركية حزب العمال الكردستاني بالوقوف خلف العملية الإرهابية، فيما نفى الحزب تورطه في التفجير وقال إنه لا يستهدف المدنيين.

أحلام البشير، امرأة سورية هي التي نفذت العملية كما قالت السلطات التركية ونشرت فيديوهات تظهر أحلام وهي تدخل شارع استقلال وتضع القنبلة وتهرب بعدها، أكثر من 1200 كاميرا تم من خلالها التعرف على أحلام.

البعض شكك بسرعة التعرف على المتهمة بوضع القنبلة وكأننا ما زلنا نعيش في عصر الفيديو والشرطي الذي عليه أن يشاهد كل التسجيلات بنفسه حتى يعرف الفاعل، ينسى البعض أن برامج الذكاء الصناعي الذي بات مهيمنا على وسائل الرقابة واسعة النطاق على السكان من خلال القدرة على معرفة الوجوه بكبسة زر.

وتركيا تملك هذه التقنيات ولا سيما تلك البرامج التي أنتجها معهد ماساتشوستس في الولايات المتحدة والذي تستخدمه كثير من الدول الأوروبية.

عملية إرهابية لا يمكن لأي كان أن يتعاطف مع من قام بها أو خطط لها أو شارك في تنفيذها، الإرهاب مدان وقتل المدنيين مدان أيا يكن القاتل وأيا يكن القتيل، ولكن أبت بعض الاصوات إلا أن تبدأ بنسج سيناريوهات للتشكيك في العملية الإرهابية والتحقيقات الأمنية المدعمة بالصور والفيديوهات.

كيف قد تستغل أنقرة العملية سياسيا في حربها على حزب العمال الكردستاني وتدخلها العسكري في سوريا أمر يحمل وجهات نظر عدة، ولكن أن يختلف البعض سياسيا مع أنقرة فيصبح التشكيك في الجريمة التي راح ضحيتها مدنيون أبرياء لسوء حظهم كانوا في تلك المنطقة لحظة قامت أحلام بتنفيذ ما طلب منها أمر آخر.

البعض يرفض أن يعترف بأن هناك إرهابا في يومنا هذا إلا إن كان يحمل صبغة الإرهاب الإسلامي، ولو أن تاريخنا القريب مليء بالأمثلة عن مجموعات إرهابية نشرت القتل والذعر في العالم وهي لا تمت للإسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد.

عندما ضرب الإرهاب سابقا شارع استقلال في إسطنبول بين عامي 2015 و2016، وتبنّى حينها تنظيم داعش تلك الهجمات التي أسفرت عن مقتل نحو 500 شخص وإصابة أكثر من ألفي شخص بجروح، لم يشكك أحد بوقوع عمليات إرهابية، على عكس ما نقرأه اليوم ونسمعه لا على صفحات التواصل الاجتماعي فحسب بل أيضا من إعلاميين وكتاب وصحافيين.

آراء جعلت من الاختلاف السياسي مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وسياساته في المنطقة مبررا للتشكيك بالإرهاب، وكأن الخلاف مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة مثلا يبرر ما قامت به القاعدة في ذلك اليوم المشؤوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من عام 2001، ولم ننس كيف بدأ البعض يومها التشكيك، ليس في العملية فحسب ومن يقف خلفها، بل باختراع سيناريوهات عن غياب جميع الموظفين من أتباع الديانة اليهودية عن أماكن عملهم.

واليوم ليكتمل سيناريو المشككين بالإرهاب، ظهرت صورة منفذة العملية أحلام البشير سمراء البشرة ليكون لون بشرتها سببا آخر للتشكيك، حتى يظن من يتابع هذه الآراء أن السوريين جميعهم من العرق الآري، وأنك كي تثبت أنك سوري يجب أن تكون أبيض البشرة أشقر الشعر وذا عينين زرقاوين، عدا ذلك فأنت مشكوك في هويتك.

كيف يتحول من يعاني يوميا من العنصرية ضده إلى عنصري، أمر شديد القبح ولا يشي بخلاص قريب من كل ما يعانيه السوريون.

نعم هناك سوري أشقر وسوري أسمر، هناك سوري محب للسلام والحرية وآخر إرهابي، هناك سوري يسعى للحرية والعدالة وآخر يؤيد جرائم بشار الأسد بحق باقي السوريين، هناك سوري يطالب بالدولة الوطنية العادلة وسوري آخر يتعاطف مع القاعدة، أما تنميط السوريين سياسيا وأخلاقيا فقد أوصل الأمر إلى تنميطهم حتى شكليا.

ثمة أمور غير قابلة للتأويل، الإرهاب مدان أيا كان مرتكبه وأيا يكن ضحاياه، الناس سواسية أيا يكن دينهم وعرقهم ولون بشرتهم، وطالما أننا لا زلنا نخضع هذه المسلمات لوجهات النظر فهذا يشي بأننا لسنا أصحاء ولم نتعلم الكثير مما حدث في الـ11 سنة الماضية.

فبدلا من التشكيك في العملية فإن التركيز الآن يجب أن يكون على ظروف المحاكمة التي سيخضع لها المتهمون، فالتجربة التركية أثناء حكم حزب العدالة ليست مبشرة، المطلوب الآن هو توفير محاكمة تملك معايير الشفافية وحق الوصول الإعلامي لمجريات التقاضي وأيضا وهو الأهم توفير الضمانات اللازمة لتكون محاكمة عادلة سواء من خلال توفير ضمانات الدفاع أو حق المراجعة القضائية وسواه، هذا ما يجب أن نتطلع له جميعا، الانتقال من حالة التجريم أو التبرئة السياسية إلى حالة حكم القانون وضمانات التقاضي العادل.