بين الأنانيات المحلية والأطماع الأجنبية... ليبيا إلى أين؟

منذ إقرار كافة القوى السياسية الليبية، ومعها المجتمع الدولي بالفشل في تنظيم الانتخابات الرئاسية التي كان يفترض إجراؤها في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2021، دخلت الأزمة الليبية مرحلة جمود انعكس في شكل تدهور حاد في العلاقات بين كافة الأطراف والمؤسسات الداخلية المتفاعلة مع هذه الأزمة، تدهور وصل أحيانا إلى تبادل استخدام قوة السلاح، واستنفار الميليشيات.

 

وكان طبيعيا في ضوء حالة الجمود على الصعيد الداخلي واتساع هوة عدم الثقة بين مختلف الأطراف أن تتوقف التحركات الدبلوماسية الدولية والإقليمية لتدخل مرحلة انتظار وترقب استطاع الأمين العام للأمم المتحدة كسرها عندما بادر في سبتمبر (أيلول) 2022 إلى تعيين السياسي السنغالي عبد الله باتيلي كمبعوث شخصي له لمتابعة الأزمة ومحاولة وضعها على سكة التسوية.

وبالفعل، فإن السيد باتيلي، تمكن من إعادة الحيوية إلى أوصال بعض المؤسسات الداخلية، وإعطاء نفس جديد لمعظم التحركات الدبلوماسية المختلفة المهتمة بوضع حد للأزمة الليبية، والباحثة عن إعادة تأهيل البلاد لتسترجع أدوارها الإقليمية المعهودة، وتستأنف صادراتها البترولية. فإيمانا منه بأهمية تحييد السلاح ومنع استسهال استخدامه لما لذلك من تأثير سلبي على مساعي بناء الثقة بين قادة الجيش المنقسمين فيما بينهم، بادر في أولى خطواته إلى استئناف نشاط اجتماعات اللجنة العسكرية 5+5 التي توقفت منذ أشهر طويلة، وذلك بنجاحه في التئامها بحضوره شخصيا في اجتماع عقد أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2022 بمدينة سرت.

وقد بدا واضحا أن هذه الخطوة العسكرية تدخل ضمن مقاربة جديدة يعتمدها السيد باتيلي ترتكز على العمل من أجل توحيد المؤسسات والأنشطة الضرورية للحياة اليومية للشعب الليبي، إذ يسعى أيضا إلى توحيد الرؤى بشأن المؤسسات الاقتصادية، وخاصة المنشآت البترولية لضمان استفادة الجميع من خيرات منطقة الهلال النفطي، التي تمثل جوهر الصراع بين ممثلي شرق البلاد المتخندقين في بنغازي، وممثلي غربها الممسكين بزمام السلطة في طرابلس؛ وذلك قبل بدء مناقشة مسألة الانتخابات النيابية والرئاسية.

واللافت للانتباه أن المغرب من بين الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بتسوية الأزمة الليبية كان أول من تفاعل إيجابيا مع إرهاصات المقاربة المستحدثة من طرف السيد باتيلي، إذ بادرت الرباط إلى استضافة لقاء ثنائي بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وحسب ما رشح من معلومات، فإن هذا اللقاء استطاع الحسم في مسطرة توزيع باقي المناصب السيادية من دون الإعلان عن أسماء محددة بعينها، كما تم التداول خلاله في إمكانية تعيين حكومة توافقية جديدة برئاسة شخصية محايدة تنتمي لمنطقة حيادية بين شرق البلاد وغربها بغية تجاوز وضعية الشلل الحكومي الراهنة الناجمة عن وجود حكومتين يعرقل تناحرهما المتواصل أي خطوة في اتجاه التقدم لتسوية الأزمة.

ورغم ترحيب مبعوث الأمم المتحدة بلقاء الرباط، إلا أن مصداقية وأهمية ما اتخذ فيه من قرارات سرعان ما تلاشت وظهرت محدودية تأثيرها، وذلك أولا لافتقاد الطرفين لقوة عسكرية على الأرض يمكنها أن تفرض أخذ اتفاقهما بعين الاعتبار، وثانيا لعجزهما عن حل نقاط الخلاف القائمة بينهما بشأن القاعدة الدستورية التوافقية للانتخابات، التي كانت قد أحيلت عليهما من طرف اللجنة المشتركة بين مؤسستيهما إثر اجتماعاتها التي تواصلت في القاهرة طيلة شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) من السنة الجارية، وخاصة ما يتعلق بأحقية العسكريين ومزدوجي الجنسية في الترشح لمنصب رئاسة الدولة.

إن العجز الواضح لدى جميع الفاعلين في الساحة الليبية في معالجة الخلافات القائمة حول محتوى القاعدة الدستورية، التي يريد كل طرف داخلي صياغتها بطريقة تخدم طموحاته الشخصية، ومفصلة على مقاسه أدى إلى مضاعفة تأجيج التوترات والاضطرابات، وعودة لغة التهديد والوعيد.

في هذا السياق لم يتوانَ عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة المنتهية ولايته، والمتشبث بمنصبه في طرابلس عن مهاجمة لقاء الرباط،، معتبرا إياه مسارا موازيا لم يعد مقبولا بالمرة، ومعززا سيطرته على السلطة التنفيذية بدعم من تركيا، التي أبرم معها مجموعة اتفاقيات في مجال الطاقة والتنقيب عن الغاز، وأخرى ذات طابع عسكري خصصت إحداها لرفع كفاءة قدرات الطيران الحربي الليبي، الأمر الذي اعتبر رسالة تحذيرية لباقي أطراف اللعبة السياسية الداخلية، وللأطراف الخارجية المناوئة للسيد الدبيبة.

وكما كان منتظرا، فإن تصريحات هذا الأخير وسلوكه الذي سهّل تغلغل نفوذ أنقرة في البلاد أثارا ردود فعل متعددة أبرزها دوليا وإقليميا تلك الانتقادات الشديدة اللهجة، الصادرة عن كل من اليونان ومصر اللتين اعتبرتا ما حصل ابتزازا تركيا لحكومة فاقدة للشرعية، فيما بدأت ردود الفعل الداخلية بالتحذير من سعي السيد الدبيبة إلى تخريب أي خطوة في اتجاه التوافق الوطني كي يظل مستأثرا بالسلطة، لتصل إلى التهديد الذي صدر عن قائد الجيش خليفة حفتر باتخاذ ما وصفه بالقرار الحاسم لتحديد المسار نحو استعادة الدولة، ولخوض معركة فاصلة من أجل تحرير البلاد.

ولا شك، فإن هذا الواقع الليبي المتشرذم هو ما دفع بالمبعوث الأممي إلى الإعلان في أول إحاطة لمجلس الأمن الدولي بأنه لا أفق لحل الأزمة الليبية في الأمد المنظور، الأمر الذي يعني أن المجتمع الدولي قد يكتفي في ظل الظروف الراهنة بإدارة الصراع ومحاصرة تداعياته السلبية فقط.

لذا يبدو أن على الليبيين، إذا أرادوا مغادرة المتاهة التي يوجدون فيها بسبب تضخم الأنانيات المحلية وكثرة الأطماع الأجنبية، التشمير عن سواعد الجد، واستلهام سيرة الشهيد عمر المختار، الذي أوصاهم بعدم الانحناء مهما كان ذلك ضروريا، لأن الفرصة قد لا تأتيهم مرة أخرى لرفع رؤوسهم.