رغم التضييق.. الإيرانيون نجحوا في نقل ثورتهم من مواقع التواصل إلى أرض الواقع

نشطاء لـ«المجلة»: حجب الإنترنت لم يمنع استمرارية الحراك الثوري
مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دوراً بارزاً في انتفاضة الشعب الإيراني

طهران: ما زالت الاحتجاجات العارمة التي انطلقت بعد مقتل جينا (مهسا) أميني يوم 16 سبتمبر (أيلول) مستمرة ولم يدخر نظام الجمهورية الإسلامية وسيلة إلا ومارسها لكسر إرادة المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع منذ أكثر من 8 أسابيع ليسجلوا انتفاضة أخذت تتطور وتتسع يوما بعد يوم بكل أشكالها بدءا من المبادرات الفردية والاعتصامات مرورا بالتجمعات نهارا وليلا وإطلاق الهتافات حيث بات هذا الحراك يحظى باهتمام عالمي واسع.
ويلعب رواد مواقع التواصل الاجتماعي الإيرانيون خاصة «تويتر» دورا مهما وبارزا في إرسال هذه الاحتجاجات بكافة أشكالها صوتا وصورة إلى العالم من خلال تدشين حملات مناهضة للنظام وداعمة للحراك وإطلاق هاشتاغات على غرار هاشتاغ #مهسا_امینی.

حجب الإنترنت لن يؤثر على الانتفاضة
أجرت «المجلة» حوارا مع عدد من نشطاء «تويتر» الإيرانيين خلال الاحتجاجات، ورصدت آراءهم حول هذه الاحتجاجات الجارية.
ويقول أحد نشطاء «تويتر» وصاحب حساب «لیوکیبوس» في إيران: «أسست مواقع التواصل الاجتماعي الإيرانية للحراك الجاري من خلال تعبئة الموارد. أن الأفراد الذين قاموا باستخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية خلال السنوات العشرين الماضية باتوا يقارنون بين أوضاع الشعب الإيراني وإنجازات التقدم والتطور في دول أخرى حيث أخذ هذا الوعي يتطور ويرون أنهم لا يتمتعون بحياة اعتيادية بل يعيشون ظروفا حياتية لا تشابه الناس في بقية العالم. عندما تطور هذا الوعي بدأ هدف الحصول على حياة اعتيادية يكبر فيهم وبدأت بذرة الحراك الثوري الحالي تنمو في داخلهم. لولا الشبكات الاجتماعية والإنترنت لما كنا نشهد الآن حراكا ثوريا مستمرا يقوده الجيل الذي ولد مع بداية الألفية الجديدة».
وأضاف: «صحيح أن النظام يحجب الإنترنت ويقيد الاتصال عبره مما يؤدي إلى منع الوصول إلى الأخبار والتأخير في نشر الفيديوهات والصور والتقارير والتنسيق، غير أن هذا لا يمنع استمرارية الحراك الثوري الجاري ولا يؤثر على مساره. لقد أصبح رواد الشبكات الاجتماعية بارعين في استخدام هذه الوسائل من أجل استمرار احتجاجاتهم لأن الشبكات الاجتماعية ليست ظاهرة جديدة عليهم بل يستخدمونها منذ 20 عاما».
وتابع هذا الناشط المقيم في طهران: «كان موقع فيسبوك انطلاقة الرواد الإيرانيين للتعرف على الشبكات الاجتماعية حيث تمكن الرواد الإيرانيون في فيسبوك من الاتصال والتنسيق بينهم ونشر أخبار وتقارير وتحاليل حول أسلوب حياة الناس في الدول الأخرى. لقد زرع هذا الوعي حول التراجع الحاصل في إيران بالمقارنة مع الدول الأخرى بذور الثورة الجارية. يعتبر تويتر وإنستغرام الأكثر تأثيرا في مسار هذه الثورة واستمراريتها وليس فيسبوك».
ويرى هذا الناشط أن «تطبيق إنستغرام أصبح أكثر تأثيرا وتفاعلا وأكثر قدرة على استقطاب الشباب في إيران حيث باتت المنشورات في إنستغرام تنتشر بسرعة كبيرة حيث نشهد أن إنستغرام أثبت نجاعته في استمرار هذه الثورة أكثر من الشبكات الاجتماعية الأخرى لأن الصور ومقاطع الفيديو المنشورة تؤثر على الجماهير. على سبيل المثال عندما يشاهد الملايين من المستخدمين الإيرانيين فيديوهات أو صورا عن وحشية قوات القمع والعنف ضد المحتجين يصبح لديهم هذا الوعي عن خبث النظام اللامحدود. تنتشر المعلومات والأخبار من المناطق المختلفة صوتا وصورة بسرعة حاليا حيث إن لديها تأثيرا كبيرا على المخاطبين الذين يصدقونها ويتفاعلون معها لأنها منشورات فيديوهات وصور. فيمكن القول إن إنستغرام بات أكثر الشبكات الاجتماعية تأثيرا ومتابعة خلال الحراك الجاري ولديه قوة أكبر من تويتر على التعبئة واستمرارية الثورة».

الانتفاضة الإيرانية تدخل شهرها الثالث رغم القمع وقتل المحتجين من قبل النظام (رويترز)


وتابع صاحب حساب «لیوکیبوس» في إيران في حواره مع «المجلة» بالقول: «يسعى بعض أصحاب الحسابات على الشبكات الاجتماعية لزيادة أعداد المتابعين وهذه هي آفة الثورة. تتمتع بعض الصفحات بنسبة متابعين عالية حيث تتم إدارتها غالبا من قبل أفراد ذوي خبرة وأكبر سنا من الجيل «زد» أو ما بعد الألفية. يعرف غالبية أبناء الجيل بـ«النشاط المفرط» ورغبتهم في الحصول على الأخبار والمعلومة بسرعة. أحد مصادر قلقنا حول هذه الثورة هي أن هذا الجيل (ما بعد الألفية) الذين يقودون الحراك الحالي قد يصابون بحالة من اليأس بسرعة غير أنه من الضروري أن نقوم بترويج هذه الفكرة بين المحتجين ألا وهي أن الموجات الثورية قد تشهد صعودا ونزولا ومحطات عديدة قبل أن تبلغ أهدافها. نشهد حاليا حضورا طاغيا للمحتجين من جيل ما بعد الألفية في الحراك الجاري حيث إن هؤلاء لا ينتظرون ما يقوله إنستغرام ولا وسائل الإعلام التقليدية بل يتمتعون بتفكير إبداعي وروح المبادرة ويتواصلون عبر مجموعات يشكلونها على واتساب أو وسائل أخرى. إن هذا الجيل الذي يقود الحراك الحالي لا يحتاج إلى وسائل إعلام فهم يعبرون عن استيائهم واحتجاجاتهم في الثانويات والجامعات بشكل جماعي دون أن يكون لهم هيكل قيادة مركزي لأن كل واحد فيهم يتمتع بدور قيادي عبر الاحتجاج والمبادرات الفردية وإطلاق الهتافات».

سهولة نقل الخبر
يقول «رضا» من مدينة كرمسار (الواقعة في محافظة سمنان) وهو ناشط في «تويتر» و«إنستغرام»: «كانت الثورات الكلاسيكية التي حصلت في دول مختلفة تتمتع بهيكل تنظيمي اجتماعي يكون المنخرطون فيه أعضاء نقابات أو طبقة اجتماعية على غرار العمال أو البازار حيث يكون نشاطهم وتواصلهم في الخفاء أو شبه علني».
وأضاف رضا في حواره مع «المجلة»: «على سبيل المثال كان أحد الأفراد يقوم بتسجيل خطابات الخميني وبياناته ونشره بعد إجراء اتصال هاتفي مع الخميني قبل قيام الثورة 1979 وبعد ذلك كان يجري طباعتها وانتشارها على مستوى واسع. وقام العديد من المعارضين السياسيين الإيرانيين الذين كانوا يقيمون في فترة ثورة الدستور (مشروطه) (من 1905 إلى 1911) في تركيا بنشر البيانات الثورية في الصحف التي كان يتم إخفاؤها بين سلع وبضائع التجار المسافرين إلى إيران. لقد اختلف الوضع الآن بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت مما أدى إلى انتشار الأخبار والدعوات والبيانات بشكل أسرع وأوسع وهذا ما يساهم في توسيع رقعة الاحتجاجات في المدن الكبرى والصغيرة».
وتابع رضا: «یقوم العديد من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي بمتابعة القنوات والحسابات على مختلف الشبكات الاجتماعية ونشرها على صفحاتهم والتي تحظى بنسبة مشاهدة ومتابعة كبيرة وبذلك تنتشر الدعوات والأخبار حول الحراك الثوري بسرعة كبيرة. يمكن القول إن إنستغرام وتلغرام الأكثر تأثيرا حاليا وتتخطى نسبة مشاهدتهما القنوات التلفزيونية لأنهما الأسرع في نقل المعلومة والخبر».

جانب من تظاهرات نشطاء الشعوب غير الفارسية في استكهولم وتظهر في الصورة أعلام كل من كردستان والأحواز وبلوشستان وأذربيجان  (وسائل التواصل الاجتماعي)

الثورة.. من العالم الافتراضي إلى الشارع
يرى همايون نادري فرد الناشط السياسي الإيراني المقيم في أستراليا حول دور الشبكات الاجتماعية في الاحتجاجات الجارية في إيران بأن «إيران دخلت مرحلة الثورة. لقد أصبحت الشبكات الاجتماعية منذ فترة طويلة مكانا للتنفيس عن مشاعر الغضب والاستياء، وبالتالي فإن الاستياء العام تأخر في انتقاله إلى الشارع وذلك بسبب الشبكات الاجتماعية. أعتقد أن الشبكات الاجتماعية تتحمل جزءا من مسؤولية التأخر في انتقال الاستياء والغضب العام إلى الشوارع لأن عددا كبيرا من المستخدمين كانوا يصبون جام غضبهم المكتوم في الشبكات الاجتماعية حيث كان من المفروض أن يتم التعبير عن هذا الحجم من الاستياء والغضب في الشوارع بهدف تحرير الوطن. يمكن القول إن الشبكات الاجتماعية لعبت في فترة سابقة (قبل انطلاق الثورة) دور ساحات الاحتجاجات مما أدى إلى حدوث حالة من التنفيس عن الغضب في الفضاء المجازي ولكن هذه الحالة لم تكن واقعية بل حصلت في فضاء مجازي».
وأشار نادري فرد في جزء آخر من حديثه لـ«المجلة» إلى الدور الإيجابي لوسائل التواصل الاجتماعي مضيفا: «تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دورا مؤثرا في التنسيق وتنظيم الدعوات وخاصة حرية تداول المعلومات. ويساهم الوعي الفردي دورا حاسما في التأكد من مصداقية المنشورات. أعتقد أن دور وسائل التواصل الاجتماعي في تمكين حرية انتقال المعلومات في الفضاء المجازي أهم بكثير من دورها في نشر التحليلات والتصريحات والآراء. تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا حاسما في استقطاب الفئات المنضوية ضمن المنطقة الرمادية والمترددة والتي تنتظر لمن ستكون الغلبة.. هذه الفئات لا تميل إلى المشاركة في الأحداث السياسية. الجدير بالذكر أن تدفق المعلومات وانتقالها في الفضاء الإلكتروني جاء نتيجة لفشل الجمهورية الإسلامية في القمع الإلكتروني».

متظاهرون يعرضون صور شباب إيرانيين قتلوا على يد قوات الأمن بالقرب من السفارة الإيرانية في فيينا، النمسا. 26 سبتمبر 2022 (أ.ف.ب)


وأشار الناشط في الشبكات الاجتماعية الإيراني تحت عنوان «سايلنس» في حديثه مع «المجلة» إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على الممارسات والانتهاكات التي قامت بها الجمهورية الإسلامية خلال العقود الأربعة الماضية، وقال: «تكشف وسائل التواصل الاجتماعي جانبا هاما من ممارسات النظام في امتهان الكرامة الإنسانية للشعب».
وأضاف «سايلنس»: «يرى كثير من المراقبين والمحللين والنشطاء أن الإضرابات والاحتجاجات هما أهم ممكنات الثورة، غير أن الشبكات الاجتماعية تؤدي دورا مؤثرا في الثورات الحديثة، ومنها الثورة الجارية في البلاد والتي قد تصبح أحد ممكنات الثورات من الآن فصاعدا».
وتابع: «على سبيل المثال حجبت السلطات الانترنت لمدة أسبوع خلال الاحتجاجات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 مما سهل للسلطات قمع الاحتجاجات وقتل المحتجين بسبب عدم وصول صوت المحتجين إلى العالم والأمم المتحدة ولم يثر الأمر احتجاجا وإدانة واسعة غير أن الوضع مختلف تماما في الوقت الحاضر. حيث تمكن المحتجون خلال الثورة الحالية من إيصال صوتهم للعالم، إذ أعربت دول عديدة وشخصيات بارزة عالمية عن دعمهم للشعب الإيراني، وهذا الأمر وضع السلطات في موقف محرج ويقيد تحركاتها ويضع حدا لألاعيبها وأكاذيبها».
وقال «سايلنس» المقيم في مدينة تبريز: «نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي يمكنهم القيام بخطوات هامة على غرار التنسيق بين قادة الاحتجاجات ونشر دعوات النزول للشوارع والإضرابات والعصيان المدني ونشر حملات لتوعية الفئات التي لم تحسم أمرها بعد للمشاركة في الحراك الثوري الجاري».