الفراغ الرئاسي مفتوح في لبنان

حزب الله يصعّد وارتباكات كبيرة في المجلس!
الفراغ الرئاسي عنوان المرحلة في لبنان

بيروت: يبدو أن الفراغ الرئاسي في لبنان سوف يطول، وليست الجلسات النيابية المخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية سوى مسرحية هزلية سياسية لتعبئة الفراغ بانتظار مرشح «الباراشوت» الذي قد ينتج عن تدخلات وتسويات خارجية، أو تسوية داخلية لم تنضج ظروفها بعد، إلا أن الأكيد حتى الساعة أن الانتخابات الرئاسية وضعت في «ثلاجة» الانتظار، والمشهد السياسي على حاله على الرغم من الكلام العالي السقف لكل من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ومطالبته بعقد مؤتمر وطني، والأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، الذي حدد مواصفات الرئيس الذي يقبل به حزبه.
 
الراعي يواجه تصعيد «حزب الله»
في ظل المراوغة الرئاسية كان لافتا مضي حزب الله الأسبوع الفائت في سياسة التصعيد، حتى وصل الأمر بنصر الله في كلمته الجمعة الماضي، إلى الإعلان عن دفتر شروط رئاسية يُعلّب فيها مواصفات الرئيس على قاعدة «لا رئيس إلا الذي نريده».
ووفقا لـ«أمر عمليات» انطلقت الحملة التصعيدية ضد خصوم الحزب والانتفاضة اللبنانية والولايات المتحدة، إذ علت نبرة نواب الحزب التصعيدية المتصلة بالاشتراطات التي تكمل مواصفات «رئيس الممانعة».
تصعيد حزب الله أثار ردود فعل كثيرة، حتى إن الرد جاء من بكركي بطريقة غير مباشرة، ليعلن البطريرك مار بشارة بطرس الراعي أن «الرئيس الذي نريده هو رئيس على مقاس لبنان واللبنانيين»، مضيفا «أمام فشل مجلس النواب بعد خمس جلسات للانتخاب وبعد فشل الحوار منذ العام 2006 لا نجد حلا إلا بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان.
وبطبيعة الحال، فإن المواقف العالية السقف تؤشر إلى أن الموضوع الرئاسي اتخذ أبعادا أكثر تعقيداً.
وفي السياق، قال الصحافي والمحلل السياسي طوني أبي نجم، لـ«المجلة» إن «تصعيد نصر الله هو رسالة لحليفيه قبل أي طرف آخر، بمعنى أنه يقول لهما أنا أصعد بأقسى حد في محاولة لمساعدتكما ولكن ما باليد حيلة وذلك قبل الوصول إلى مرحلة الحديث عن تسوية ما»، وتابع: «بالتالي تصعيد الحزب لم يعد له قيمة تنفيذية بمعنى فرض مرشح، لأنه في الأساس لا يستطيع فرض توحيد حلفائه حول مرشح واحد بدليل أنه حين تم انتخاب عون لم يستطع إقناع بري وفرنجية بانتخابه، وهذه المرة لن يتمكن من فرض رئيس في حال رشح فرنجية أو باسيل».
وفيما يتعلق بدعوة الراعي فقد قال إنها «ليست بدعوة جديدة إنما دعوة عمرها عامان، والبطريرك جدي في هذا الأمر لكن الدعوة تتطلب قبولا دوليا قبل التحدث عن قبول داخلي، ولسوء الحظ المجتمع الدولي اليوم لديه من القضايا التي تلهيه وتشغله الكثير قبل التفرغ من أجل لبنان».
إلى ذلك، شدد أبي نجم على أن «حزب الله الذي يعطل بشكل فج ووقح يتهم الآخرين بالتعطيل لأنهم لا يصوتون للرئيس الذي يريد وهذه سابقة من نوعها».

الصحافي والمحلل السياسي طوني أبي نجم


مراوحة وتشرذم «جماعي»
كما الجلسات السابقة لم تسفر الجلسة التي عقدت يوم الخميس في ساحة النجمة عن انتخاب رئيس، ويبدو أن القوى السياسية سلّمت بحتمية استمرار الشغور الرئاسي، بعد المراوحة السائدة في عملية الانتخاب، وتشرذم الكتل والنواب، بأكثر من اتجاه ومنحى، وعدم قدرة أي تحالف في تأمين مقومات انتخاب أي شخصية لرئاسة الجمهورية حتى اليوم.
فمن جهة تشتت قوى المعارضة والنواب التغيريين وعدم التوحد خلف اسم مرشح واحد، وبحسب مصادر متابعة للملف الرئاسي فإن مسعى المعارضة لانتخاب النائب ميشال معوض وصل إلى حائط مسدود، ولم يعد ممكنا التقدم أكثر باتجاه إقناع القوى الرافضة له للانضمام وتأييد انتخابه للرئاسة، وهو ما عكسه فشل الاجتماع الموسع الذي عقد (الثلاثاء) بين الكتل المستقلة والتغييرية في توحيد خيارهم الرئاسي.
هذا التباين ينسحب بدوره على قوى 8 آذار والتيار الوطني الحر، فيما خص رفض النائب جبران باسيل انتخاب النائب السابق سليمان فرنجية للرئاسة، مقابل تمسك حزب الله بترشيحه، بحسابات لها علاقة بالشروط التي وضعها الأخير لرئيس الجمهورية. ومنعاً لإظهار الخلاف إلى العلن، بقيت الورقة البيضاء هي الحل لاستمرار التباين حول ترشيح فرنجية وتعطيل نصاب الجلسات، تفاديا لمفاجآت غير محسوبة قد تؤدي لانتخاب المرشح معوض.
وعلى وقع فشل جلسات انتخاب الرئيس، قال أبي نجم، إنه «لم يكن متوقعا أن يكون سيناريو جلسة الخميس مغايرا لسيناريوهات الجلسات السابقة، ولكن مع تسجيل فارق بأن النائب معوض مع كل جلسة يستطيع تحصيل عدد إضافي من الأصوات، ومع العلم أن هذا الأمر ليس كافيا لوصوله إلى سدة الرئاسة إلا أنه يُحسن شروط معركته بشكل أفضل، وبالتالي في ظل عدم إمكانية فريق 8 آذار على أن يكون لديه مرشح، فالنائب معوض يحسن من شروط معركته في مواجهة التضعضع».
وأضاف: «بالنتيجة سوف يظل هذا الصراع قائما ما دام فريق 8 آذار يعطل نصاب الدورة الثانية ويمنع إمكانية انتخاب رئيس لأنه في حال الذهاب لدورة ثانية من المؤكد أن ميشال معوض سيصبح رئيسا لأن أكثر من طرف أكدوا على أنه في حال الوصول إلى الدورة الثانية سوف يعطون صوتهم لمعوض وهو ما يفسر انسحاب نواب حزب الله بعد الاقتراع مباشرة وليس فقط تعطيل النصاب، وذلك ليضمنوا أن لا احتمال لوجود نصاب في الدورة الثانية».
وعن إمكانية التوافق على قائد الجيش، قال أبي نجم إن «جوزيف عون من الأسماء المطروحة في الكواليس بشكل جدي وبشكل محترم، إن كان من جهة القوات اللبنانية أو الحزب الاشتراكي ضمنا، وغيرهما، ولكن المشكلة اليوم ليست متعلقة بموافقة حزب الله على اسمه إنما على المشكلة لديه بإقناع حليفيه باسيل وفرنجية بالسير به».
وحول ما يحكى عن تسوية فرنسية لإنهاء الفراغ، رأى أن «كل ما تقوم به فرنسا غير جدي ولا يمكن أن يوصل إلى أي نتيجة، ففرنسا تتعاطى من باب ضيق له علاقة بمصالحها ومحاولة إجراء انتداب جديد على لبنان لا سيما أن الأميركيين ليسوا جديين بإعطاء حيز أكبر للفرنسيين، وبالتالي كل ما يحكى عن جهود فرنسية هي فعليا غير ذات قيمة فعلية، كما حدث في أغسطس (آب) من العام 2020 بعيد انفجار المرفأ».
وأضاف: «الفرنسيون لا قدرة لديهم لا على الضغط ولا فرض عقوبات ولا القيام بأي شيء».
 
تدعيم «اشتراكي» لترشيح معوض من بكركي
وبعد صرخة الراعي، كان لافتا الموقف الذي سجله رئيس كتلة اللقاء الديمقراطي النائب تيمور جنبلاط من بكركي، لجهة التأكيد على الاستمرار بترشيح معوض. وفي السياق، قال عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبد الله، في حديث لـ«المجلة»، إنه «كما كان متوقعا كانت جلسة الخميس كسابقاتها، ونحن ككتلة نقوم بدورنا من ناحية التصويت لمرشحنا النائب معوض، في محاولة لوضع حد للفراغ الرئاسي، بينما ثمة كتل نيابية وقوى أخرى تارة تغير موقفها وتارة تصوت بورقة بيضاء أو تغّير اسم مرشحها».
وفيما يتعلق بمسألة الخلاف حول اسم معوض بين الكتل المعارضة والتغييريين، قال إن «هذا حقهم الديمقراطي، ونتفهم أنهم لا يريدون معوض ولكن من يريدون؟ وهنا النقطة الأساسية بأن لا مرشح بديلا لديهم».
وفي سياق ما يحكى عن محاولات خارجية لدفع القوى المحلية لإنهاء حالة الفراغ، رأى عبد الله أن «الخارج لديه مصالحه في الدرجة الأولى ولديه حساباته، وكذلك القوى السياسية المحلية منقسمة تجاه الخارج، وبالتالي ما المشكلة في إنتاج تسوية داخلية؟ لا سيما أن الخارج منغمس بما يمكن تسميته (حربا كونية) وأزمة أوروبا الغربية وأزمة الغاز، لذا لا بد من التحرك داخليا لإنتاج تسوية ما وانتخاب رئيس، فمن غير المقبول أن نكون كقوى قاصرين إلى هذه الدرجة».

عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبد الله


ولكن أي تسوية داخلية سوف يكتب لها النجاح في ظل تصعيد حزب الله ووضع مواصفات للرئيس؟
قال عبد الله: «نهاية الأسبوع الفائت كان الخطاب التصعيدي لحزب الله واضحا، وهذا لا يفيد، لأن الانقسام في مجلس النواب هو انقسام واضح بين الفريقين من جهة وبين كل فريق من جهة ثانية، وهو ما يؤدي إلى عجز كل منهما على تأمين الثلثين لانتخاب الرئيس».
كما شدّد على أن «الأصول والمنطق هو الحوار والتفاهم وخفض السقوف العالية للخطابات من قبل الجميع».
 وعن إمكانية إنتاج تسوية داخلية تؤدي إلى انتخاب قائد الجيش جوزيف عون لسدة الرئاسة، قال، إنه «بغض النظر عن المرشح فالنقطة الأهم أنه ليس لدينا ترف الوقت لأن البلاد منهارة كليا إلا إذا كان هناك من لا يشعر بوجع الناس».
وعن إمكانية تحقق دعوة الراعي، تساءل عبد الله: «هل المجتمع الدولي متفرغ للبنان بهذا القدر؟»، وتابع: «نحن ككتلة نؤيد هذه الدعوة وهو ما أعرب عنه جنبلاط، ونحن لسنا ضد مساعدة المجتمع الدولي للبنان، ولكن من غير المعروف إمكانية أن يفيد مؤتمر دولي خاص بلبنان في هذا الاستحقاق»، مضيفا: «بكل الأحوال لدينا تناغم مع بكركي بعدة مواقف».
وشدّد عبد الله على أنه «في الحد الأدنى يجب صياغة رئيس لبناني يستطيع طمأنة الداخل ويفتح الباب أمام العالم العربي والمجتمع الدولي»، وتابع: «لتكن مناسبة لكل قوى سياسية للارتقاء إلى مستوى المصلحة الوطنية خارج إطار الحسابات الفئوية».