انفجار إسطنبول.. المتّهمة الرئيسيّة سوريّة و«الإدارة الذاتية» تنفي علاقتها بالانفجار

كيف سيؤثر الانفجار على التحالفات الحزبية في الانتخابات القادمة؟
من مكان وقوع الانفجار في شارع الاستقلال (وكالات)

القامشلي: سقط 6 قتلى وجُرِح العشرات في انفجارٍ وقع الأحد الماضي في شارع الاستقلال التجاري بوسط مدينة إسطنبول التركية التي تعد ثاني أكبر مدن البلاد والمدينة السياحية الأولى، لكن تداعياته تستمر حتى الآن، إذ يرقد ستّة جرحى في غرف العناية المشددة من بين 81 مصاباً، في حين اتهمت تركيا حزب العمال الكردستاني المحظور لديها، والذي يخوض تمرّداً مسلّحاً ضدها منذ العام 1984، بالوقوف خلف الانفجار، إلا أن هذا الحزب نفى ذلك.


لا سجّلات للمتّهمة لدى «الإدارة الذاتية»

ومع أن السلطات التركية ألقت القبض على سيّدةٍ سوريّة تدعى أحلام البشير بعدما اتُهِمت بوضع قنبلة في شارع الاستقلال المكتظ بالمارة والمحلّات التجارية ودور السينما والملاهي الليلية والمطاعم والأبنية الأثرية والتاريخية وبعض البعثات الدبلوماسية، إلا أن «الإدارة الذاتية»لشمال سوريا وشرقها نفت بدورها وجود أي سجلّات لديها للسيّدة السورية التي وصفتها الأجهزة الأمنية التركية بالمتهمة الرئيسية والتي قالت إنها تلقّت تدريباتٍ لدى جماعةٍ كردية مسلّحة وأنها تمكّنت من دخول الأراضي التركية عبر المنطقة الممتدة بين محافظة إدلب السورية ومنطقة عفرين القريبة منها.

السلطات التركية نجحت خلال ساعات قليلة في إلقاء القبض على المتهمة الرئيسية في الانفجار (وكالات)


«قسد» تنفي أي علاقة لها بانفجار إسطنبول

ونفى مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية المعروفة اختصارا بـ«قسد»، وجود أي علاقة لقواته المدعومة من الولايات المتحدة والتحالف الدولي الذي تقوده ضد تنظيم داعش، بالانفجار الذي حصل في شارع الاستقلال القريب من ميدان تقسيم في الجزء الأوروبي من مدينة إسطنبول.

وغرّد عبدي على حسابه الرسمي في موقع «تويتر»، قائلاً: «إننا نؤكد أن قواتنا ليست لها أية علاقة بتفجير إسطنبول، ونرفض المزاعم التي تتهم قواتنا بذلك»، مضيفاً: «نعبّر عن خالص تعازينا لأهالي المفقودين والشعب التركي، ونرجو للجرحى الشفاء العاجل».

وأشار المحلل السياسي والباحث في الشؤون التركية خورشيد دلي إلى أن «تركيا اتهمت الأكراد وحزب العمال الكردستاني باستمرار بالوقوف خلف الهجمات التي شهدتها تركيا خلال العقد الماضي بما فيها الإرهابية، وهي تأتي في سياق السياسة التركية التي تهدف إلى اجتثاث هذا الحزب سواءً من خلال العمل السياسي كالاتهامات الحالية الموجّهة إليه بالوقوف خلف انفجار شارع استقلال، أو من خلال العمل العسكري ضده على الأرض».

وقال دلي لـ«المجلة»إن «التحالف الحاكم حالياً في تركيا والقائم بين حزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس رجب طيب إردوغان وبين حزب الحركة القومية الذي يتزعّمه دولت بهجلي هو قائم أساساً على محاربة المكون الكردي وإقصائه من المشهد السياسي التركي لاسيما بعد صعود الأكراد في العقد الماضي ووصول حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد إلى البرلمان وقدرته على التحالف مع الكثير من التيارات في الأوساط التركية وطرح القضية الكردية ضمن أجندته السياسية، وبالتالي مثل هذه الاتهامات الجاهزة سنجدها كلما حصل تفجير إرهابي حتى دون إجراء تحقيقاتٍ بشأنه».


حزب الحركة القومية أكبر المستفيدين من الانفجار

وأضاف أن «حزب الحركة القومية يعد من أكبر المستفيدين من انفجار الاستقلال، حتى أكثر من حزب العدالة والتنمية، خاصة من ناحية توقيت الانفجار، فقد جاء عقب لقاءاتٍ تمّت بين الحزب الذي يقوده إردوغان والحزب المؤيد للأكراد، وهي لم تكن لصالح الحركة القومية، فتلك اللقاءات من الممكن أن تؤدي في النهاية إلى تفاهمات وربما تحالفات بين الحزبين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة».

وتابع أن «حصول أي تفاهمات أو تحالف بين العدالة والتنمية والحزب المؤيد للأكراد يعني إخراج الحركة القومية من المشهد السياسي، ولذلك باعتقادي أن حزب الحركة القومية مستفيد من الانفجار لاسيما وأنه قد يقطع الطريق أمام أي تفاهمات بين حزب إردوغان والحزب المؤيد للأكراد بعد توجيه الاتهامات لجماعاتٍ كردية بالوقوف خلف الانفجار الذي وقع في شارع استقلال».

وبحسب الباحث في الشؤون التركية، فقد أعاد الانفجار الذي شهده شارع استقلال إلى الأذهان الهجمات التي سبقت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في العام 2015، مشدداً على أنه لا يستبعد تورّط حزب الحركة القومية الذي يتمتع بنفوذ كبير داخل «الدولة العميقة»في تركيا في انفجار شارع استقلال.


الانفجار يمنح السلطات ضوءًا أخضر للتحرّك ضد الأكراد

وقال دلي أيضاً إن «مثل هذا الانفجار الذي حصل في شارع استقلال يمنح الضوء الأخضر للسلطات التركية ربّما لإطلاق حملة أمنية جديدة ضد الأكراد في تركيا ولاسيما المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي، وكذلك يمنحها فرصة لإطلاق عملية عسكرية على نطاقٍ أوسع ضد الأكراد في سوريا وكردستان العراق بذريعة محاربة الإرهاب، لكن هذه الخطوات المرتقبة لا يمكن أن ينجم عنها أي استقرار أو حلّ سياسي في تركيا، فالقضية الكردية لا يمكن حلها إلا من خلال تحقيق الديمقراطية والعدالة والسماح للأكراد بالمشاركة في الحياة السياسية التركية».

منطقة تقسيم تعرضت لعدة هجمات خلال السنوات الماضية (رويترز)


التأثير على التحالفات الانتخابية

وأضاف دلي أن «الانفجار الذي حصل يحمل أيضاً أهدافاً سياسية أكثر من الأهداف الأمنية وهو سيؤدي بالتأكيد إلى هندسة التحالفات الانتخابية خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة التي ستعقد في يونيو (حزيران) من العام المقبل والتنافس الشرس حول السلطة بين التحالف الحاكم والتحالف المعارض الذي يضم ستّة أحزاب والذي قد يصل إلى السلطة حال انضمام أو دعم الحزب المؤيد للأكراد له».


حزب المعارضة الرئيسي سيجدد مطالبته بإقالة صويلو

ومن جهته، شدد أحد مستشاري كمال كليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري، وهو أكبر الأحزاب التركية المعارضة الذي يقود تحالف المعارضة المكوّن من ستّة أحزاب على وجود «قصورٍ أمني»لدى وزارة الداخلية التي سبق لهذا الحزب أن طالب باستقالة وزيرها سليمان صويلو من منصبه، لكنه رفض منح «المجلة»المزيد من التفاصيل.

وتشكك المعارضة لاسيما حزب الشعب الجمهوري على الدوام بقدرات وزير الداخلية التركي الذي طالب باستقالته أكثر من مرة كانت آخرها عندما كشف صويلو قبل أسابيع عن احتجاز 5 آلاف بائع للمخدّرات أسبوعياً، إلا أن الحكومة لا تولي اهتماماً لتلك الدعوات.

وكشف مصدر آخر من حزب المعارضة الرئيسي لـ«المجلة»أن حزب الشعب الجمهوري سيجدد مطالبته بإقالة صويلو من منصبه خلال الاجتماع المقبل لنواب الحزب داخل البرلمان التركي لعدم تمكنه من إحباط الانفجار الذي وقع في شارع استقلال وهو الأول منذ حوالي ستّ سنوات.

وبحسب وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة، فإن 58 شخصاً ممن أصيبوا في الانفجار الذي شهدته إسطنبول، «تماثلوا إلى الشفاء وغادروا المستشفيات».

وقال قوجة وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الحكومية الأناضول يوم الثلاثاء الماضي إن 23 مصاباً يواصلون تلقي العلاج، وإن 6 منهم فقط ما زالوا في غرف العناية المكثّفة.

 

الانفجار وقع في وجهة سياحية

ويعد شارع الاستقلال الذي حدث فيه الانفجار شارعاً حيوياً مكتّظاً بالناس، ويُعرف كوجهةٍ رئيسية للسوّاح الذين يزورون إسطنبول ويترددون إلى المتاجر والمطاعم ومحلات الملابس ودور السينما والمعارض والأماكن الأثرية والتاريخية التي تقع في هذا الشارع الذي يمر منه أيضاً قطار قديم وضعت سكته في عهد «السلطنة العثمانية».

وتفرض الأجهزة الأمنية التركية قيوداً على حركة السيارات والمارة في شارع استقلال وهو أمر سيؤثر على حركة السياحة في مدينة إسطنبول لا سيما مع اقتراب عطلة نهاية العام ومخاوف السلطات من حدوث انفجارات مماثلة في المدينة.

وحذّرت القنصلية الفرنسية في مدينة إسطنبول، والتي تقع في شارع استقلال، رعاياها من التوجه إلى الأماكن المكتظة في المدينة، خشية وقوع انفجاراتٍ أو هجماتٍ جديدة.

وذكرت مصادر تركية محلية لـ«المجلة»أن «محلات الملابس والمعارض والمواقع الأثرية مغلقة حتى الوقت الحالي»، لافتة إلى أن «بعض المطاعم والمقاهي فتحت أبوابها الثلاثاء عقب مرور ثلاثة أيامٍ من استنفار أمني يشهده شارع الاستقلال إلى الآن».

وسبق أن شهدت مدينة إسطنبول هجماتٍ إرهابية بين عامي 2015 و2016 تبناها تنظيم داعش آنذاك وأسفرت عن مقتل حوالي 500 شخص وجرح ألفين آخرين.


السلطات تعتقل 50 مشتبهاً به

وكان وزير العدل التركي بكير بوزداغ قد أعلن، يوم الثلاثاء الماضي، أن الشرطة ألقت القبض على مزيد من المشتبه بهم على صلة بالهجوم الذي استهدف شارع استقلال في إسطنبول، ليرتفع عدد المعتقلين إلى 50 شخصاً، مؤكداً في تصريحات صحافية أن بلاده «تواصل حربها ضد الإرهاب بقوة، ولن تنجح أي منظمة إرهابية في أي نوع من المؤامرة ضد أنقرة».

وكشف مسؤول تركي كبير الثلاثاء الماضي أيضاً أن أنقرة تعتزم ملاحقة أهداف في شمال سوريا بعد أن تكمل عملية ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق بعد اتهام الحزب بالوقوف خلف انفجار شارع استقلال.

وقال المسؤول التركي الذي لم تذكر وكالة «رويترز»اسمه إن التهديدات التي يشكلها المسلحون الأكراد أو تنظيم داعش لتركيا غير مقبولة، مضيفاً أن أنقرة ستقضي على التهديدات على حدودها الجنوبية «بطريقة أو بأخرى».
وكان وزير الداخلية التركي قد رفض التعزية التي وجهتها سفارة الولايات المتّحدة في تركيا لبلاده في مقتل 6 أشخاص بالتفجير الذي حصل في شارع استقلال بذريعة أن واشنطن تدعم جماعاتٍ كردية شمال سوريا في إشارة منه لتحالف قوات سوريا الديمقراطية الذي يضم «وحدات حماية الشعب»الكردية وهي جماعة كردية مسلّحة تصنفها أنقرة أيضاً كتنظيم «إرهابي».