في سوريا.. العديد من البطولات المهمشة والتحديات المجهولة

شام البكور أبهرت الوطن العربي وسلطت الأضواء على مبدعي بلدها
شام البكور بطلة «تحدي القراءة العربي»

دمشق: ربما قد يكون ما حدث لشام بحصولها على لقب بطل تحدي القراءة العربي، هو حلم العديد من الأطفال، والشباب أيضاً، لكن في سوريا، يوجد العديد من شام البكور، أبطالاً مميزين بقدراتهم وتحدياتهم، وحتى معنى البطولات قد يختلف في سوريا ببعض الأحيان، فالتحديات التي يعيشها الأطفال السوريون اليوم في الداخل والخارج، ليست بمنأى عن الظروف التي ما زالت تواجه البلاد حتى اليوم، إلا أن الاهتمام الإعلامي، محلياً ودولياً لم يكن إلا من نصيب شام البكور، أما عن البطولات الأخرى في سوريا فما تزال تنتظر اهتماما كالذي حظيت به طفلة حلب ذات السبع سنوات.

بطلة تحدي القراءة العربي
لم يكن فوزها على أكثر من 22 مليون طالب من 44 دولة مختلفة، في تحدي القراءة العربي، لتعود إلى سوريا حاملة اللقب، بالأمر السهل، ذلك الخبر الذي انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، فرحاً بشام البكور التي تبلغ من العمر سبع سنوات، حيث ولدت في محافظة حلب السورية عام 2015، والتي نجت بحياتها، وفقدت والدها إثر انفجار في مدينة الأتارب الواقعة في ريف حلب الغربي، مما أدى إلى إصابتها بشظايا في رأسها، إلا أن هذا الحادث لم يكن إلا قوة دفعتها لأن تردد اللغة الفصحى منذ سن الرابعة، وحسبما قالت أم شام منال مطر، أن طفلتها «قرأت 70 كتاباً، وشاركت في التحدي بقراءة، وتلخيص 50 كتاباً»، لكن فوزها لم يكن بالخبر العادي في وسائل إعلام الوطن العربي، فقد تم تداوله أكثر من أي خبر آخر، نظراً لصغر سنها، والظروف التي عايشتها منذ ولادتها في الحرب السورية، ولم يكن ذلك شأن شام وحدها، بل إن الشام بأكملها عانت، وتجرعت ويلات الحرب على مدى عقد بأكمله، لكن غير شام البكور هناك العديد من الشباب، والأطفال السوريين الذين تحدّوا ظروف الحرب، وحققوا ما لم يستطع تحقيقه أي شخص تتوفر له سبل العيش الطبيعية، إلا أنهم بقوا مهمشين محلياً، دون أي إضاءة على بطولاتهم، وقصصهم.

بطل ألعاب القوى
بزمن قدره دقيقة و67 جزءا من الثانية، سحب البطل السوري الدولي في ألعاب القوى، يزن غياث صالح، من اللاذقية، سيارة تزن ثلاثة أطنان لمسافة (100 متر)، ليحطم من خلالها الرقم الأول في موسوعة غينيس، يتحدث يزن البالغ من العمر 23 عاماً، عن تجربته وبطولاته لـ«المجلة» ويقول: «بدأت الرياضة في عمر الخمس سنوات، برياضة التايكوندو، ثم السباحة، والجمباز بعمر الست سنوات، وفي الـ14 من عمري اتجهت نحو الكراتيه، ولكن أحد الأساتذة نصحني بألعاب القوى عندما اكتشف موهبتي في إحدى البطولات المدرسية التي حقق فيها المركز الأول بلعبة الوثب الطويل (100 متر)، ومن بعدها تدرجت في البطولات حتى حصلت على المركز الأول على مستوى الجمهورية العربية السورية، واستمررت في حصولي على المركز الأول حتى عام 2021، وحصلت على الرقم الأول في موسوعة غينيس بسحبي لسيارة تزن ثلاثة أطنان، وفي عام 2022 حطمت الرقم الأول في موسوعة غينيس في القفز»، وعن الحوادث التي تعرض لها، يقول يزن: «لقد تعرضت لقطع رباط في الكاحل قبل تحطيمي لرقم غينيس الأول في سحب السيارة، مما اضطرني إلى التوقف عن التدريب لمدة ستة أشهر».

يزن غياث صالح الذي دخل موسوعة جينيس


وعن التجارب الأخرى التي قام بها يزن، يقول: «لقد كسرت الرقم القياسي العالمي لسحب سيارة وزنها طن واحد بأسناني مسافة 30 مترا، لكن ذلك كان تجربة خاصة تم توثيقها من قبل فريق شباب حطين»، وعن رأيه بالدعم المحلي أوضح يزن لـ«المجلة»: «لقد تلقيت دعماً عالمياً وليس محلياً، فهنا لا يوجد مكان لتقدير المواهب، فبعد كل البطولات التي أحرزتها أنا الآن مدرب لياقة في نادي حطين لفريق كرة القدم، والسلة رجال».
وعن أحلامه يحاول يزن حصرها لـ«المجلة» بقوله: «الوصول للأولمبياد إن شاء الله»، إلا أن يزن لم يجد الاهتمام الكافي من السوريين كالذي حدث في الأيام الماضية لشام البكور الفائزة بلقب بطل تحدي القراءة العربي، وما تزال أحلامه رهن اهتمام محلي بأبطال أحرزوا ما أحرزه يزن لسوريا.

طفل الحاسوب والرياضيات
بطل آخر في سوريا، لم يسمع به أي سوري في البلاد، طفل أيضاً، استطاع أن يعطي إشارات لجميع عائلته بامتلاكه لقدرات عقلية تفوق من هم في سنه في مجال الرياضيات، وعلم الحاسوب، فقد حصل الطفل (الحبيب عرسان) والذي يبلغ من العمر سبع سنوات، من محافظة درعا السورية، على شهادة الرخصة الدولية لقيادة الحاسب (ICDL) بعد خضوعه لدورة تدريبية استمرت لسبعة أسابيع، وذلك بعد أن اكتشف والده موهبته، وتفوقه في الحاسوب بسنه الصغيرة، وإمكانياته في حل المعادلات الرياضية المعقدة، وبعد اكتشاف المدرسة لذكائه، جعلته يتخطى سنة تعليمية فقط، من الصف الأول إلى الصف الثالث، وذلك بناء على اختبارات قياس ذكائه، الطفل حبيب هو أيضاً لم يجد أي دعم كالذي استقبلته شام البكور من الشعب السوري، حيث اكتفت وزارة التربية بتكريمه، وإهدائه (تابلت)، بالإضافة إلى إدخال اسمه على قاعدة بيانات الوزارة للأطفال الذين يمتلكون قدرات خاصة، وقد أهدى الحبيب مدارس درعا برنامجاً حاسوبياً لأتمتة عمل المدارس، وعلى الرغم من قدراته العقلية التي تتفوق على أقرانه بأشواط، والتي تم اكتشافها في سن الرابعة، إلا أنه لم يجد أي اهتمام من قبل الشعب السوري، أو أي دولة أخرى ترعاه.

الطفل حبيب عرسان بعد تكريمه إثر تميزه في مجال الرياضيات والحاسوب

طفلة تدعى المعلّمة مريم
اللاجئون، والنازحون السوريون لم يكونوا أيضاً بمعزل عن قصص البطولات الطفولية، فصعوبة الحياة في مخيم الرحمة بمنطقة عفرين شمالي سوريا، خلّفت طفلة تدعى المعلّمة (مريم) بعمر العشر سنوات، جعلت من الخيمة التي تقطن بداخلها صفا تعليميا لأكثر من 20 طفلاً، يفتقدون للمدارس، والتعليم في منطقة عفرين، لتنقل لهم ما تعلمته في مدارس إدلب قبل النزوح، وموت أبيها في الحرب، حيث تقوم بتعليمهم القراءة، والكتابة، والحساب.
وعن حلمها تقول مريم: «أحلم ببناء مدرسة يتعلم الأطفال من خلالها، حتى لا يحرم أطفال المخيم من التعليم، حيث إن العديد من الأطفال من جيل المخيم، ولم يتلقوا أي تعليم من قبل، أو اهتمام من أي جهة كانت». وذلك ليس من أجل تكريمهم، بل فقط تعليمهم، لكن حال الأطفال الذين كانت مريم تقف بجانبهم لتعليمهم، ليس فقط في المخيمات السورية أيضاً في مخيمات اللاجئين خارج سوريا، هناك آلاف الأطفال ممن يحتاجون للتعليم، فبعد مرور عقد كامل على إنشاء مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، «أكبر مخيم للاجئين في الشرق الأوسط»، يعيش فيه ما يقارب 80 ألف سوري، نصفهم من الأطفال، وقد سجلت السلطات المكلفة بإدارة المخيم، ولادة أكثر من 20 ألف طفل في المخيم منذ افتتاحه حتى الآن، وفي المقابل حال الأطفال السوريين في لبنان، ليس بالوضع الأفضل من الأردن، فقد رفضت وزارة التربية في الحكومة اللبنانية، الشهر الماضي، قبول تسجيل الطلاب السوريين في المدارس الخاصة، لمنع دمجهم في صفوف التلاميذ اللبنانيين، مما أدى إلى حرمان العديد من الأطفال من حقوقهم الأساسية كالتعليم.

الطفلة مريم التي تعلم أطفال اللاجئين في مخيم الرحمة بمنطقة عفرين شمال سوريا

ما الذي عليهم فعله؟
بينما يتم تكريم شام البكور، وتحاول وزارة التربية أن تعطي القليل من الاهتمام لأطفال كالحبيب، ومحاولة بطل ألعاب القوى يزن أن يجد مكاناً له عالمياً تعويضاً عن عدم احتواء بلده له، أظهر مسح أممي، يعلن عن ارتفاع نسبة الأطفال العاملين من اللاجئين خارج المخيمات من 1.8 في المائة في العام 2016 إلى 3.3 في المائة في العام 2021، أي ما يقارب الضعف، فيما وثق الهلال الأحمر السوري وجود ما يقارب 80 في المائة من ولادات السوريين دون وثائق رسمية، وبالتالي دون تعليم، فهل على أولئك الأطفال أيضاً أن يجدوا من يهتم بهم كشام البكور، أم الاعتماد على أنفسهم كمريم في مخيم الرحمة بمنطقة عفرين؟