العرب وإرهاصات نظام دولي قيد التشكل

عبرت الدول العربية في قمتها العادية رقم 31 التي انعقدت بالجزائر العاصمة يومي 1 و2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 عن وعيها الكبير بوجود مخاطر جدية تحيق بالأمن القومي للعالم العربي، وتهدد استقرار معظم كياناته الوطنية، وذلك نتيجة التأثر بما تمر به الساحة الدولية من ظروف دقيقة وتطورات متسارعة، وما تشهده من حالات استقطاب حادة ستقود لا محالة نحو إعادة تشكيل موازين القوى على الصعيد العالمي.

وقد ترجمت القمة العربية هذا الوعي بوضعية الارتباك الاستراتيجي وحالة عدم اليقين السائدة في عالم اليوم في إعلان الجزائر الصادر في ختام اجتماعاتها، الذي عزا ما تشهده الساحة الدولية من توترات متصاعدة إلى الاختلالات الهيكلية في آليات تدبير الشؤون العالمية، مشددا على الحاجة الملحة لمعالجة تلك الاختلالات بمقاربة شمولية «تكفل التكافؤ والمساواة بين جميع الدول، وتضع حدا لتهميش الدول النامية».

ولمواجهة ما قد يحمله هذا الوضع الدولي المضطرب من انعكاسات سلبية على العرب، تحدثت القمة العربية عن أهمية السعي إلى تموقع العرب كفاعل مؤثر في بلورة نظام دولي جديد يقوم على أساس العدل والمساواة السيادية بين الدول، مطالبة بضرورة المشاركة في «صياغة معالم المنظومة الدولية الجديدة لعالم ما بعد وباء كورونا والحرب في أوكرانيا كمجموعة منسجمة وموحدة، وكطرف فاعل لا تعوزه الإرادة والإمكانيات والكفاءات لتقديم مساهمة فعلية وإيجابية في هذا المجال».

في هذا السياق حرص إعلان الجزائر على الإشارة إلى أن سعي العرب للمساهمة بفعالية في انبثاق نظام دولي جديد يدخل ضمن التزام البلدان العربية بمبادئ عدم الانحياز، ويهتدي بموقفها المشترك من الحرب في أوكرانيا، الذي يقوم على نبذ استعمال القوة وتفعيل خيار السلام، كما يتضح من الانخراط الفعلي والبناء لمجموعة الاتصال العربية المكونة من كل من مصر والإمارات والأردن والجزائر والعراق والسودان في الجهود الدولية لبلورة حل سياسي للأزمة الأوكرانية يتوافق ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، كما يتطلب أيضا حتمية توحيد الجهود للحفاظ على المصالح المشتركة.

غير أن هذا التوجه الذي جرى تسويقه كنوع من النزوع العربي الجماعي نحو المزيد من استقلالية القرار وتبني الحياد الإيجابي في التعامل مع ما تشهده الساحة الدولية من توترات وصراعات سياسية واقتصادية وبيئية متعددة يظل قاصرا ومجرد تعبير عن المتمنيات التي يصبو إليها العرب، وذلك لأن القمة التي صدر عنها لم تدعمه بآليات محددة وملزمة تفرض على الجميع التقيد بها، والتحرك على أساسها.

ويعود هذا الأمر إلى أن الدول العربية لا تتوفر على رؤية موحدة لطبيعة التحديات المحدقة بها، وللكيفية التي ينبغي نهجها لمواجهة تلك التحديات، إذا ما تم الاتفاق على ماهيتها، ناهيك عن أن مؤسستها الناظمة لعملها الجماعي (جامعة الدول العربية) ظلت ومنذ أمد طويل عاجزة عن وضع حد للخلافات البينية القائمة بين العديد من أعضائها، نظرا لأن القرارات الجوهرية المتخذة في إطارها تكون دائما استرشادية وغير ملزمة.

ولهذا، فإن الشعارات الرنانة مثل «لم الشمل»و«إحياء التضامن»التي رددها الكثيرون أثناء التئام القمة لم تستطع إخفاء الحقيقة المؤلمة لواقع العديد من العلاقات الثنائية في الإطار العربي، التي حضرت بقوة في صياغة قرارات القمة وإعلان الجزائر- ليس فقط على مستوى القضايا العربية الصرفة التي تمت تقريبا- إعادة نفس محتوى القرارات السابقة بشأنها، والمتسمة بالعمومية والاختباء وراء العبارات الفضفاضة، التي لا تسمح بتحديد أي إجراءات عملية لمعالجتها، ولكن أيضا على صعيد مقاربة مختلف أشكال التفاعل مع المحيط الإقليمي والدولي.

لقد كان المشاركون في القمة يدركون جيدا أن تفاعلات عدد من القوى الإقليمية والدولية مع العالم  العربي هي في واقع الأمر جزء من الاختراق لكيانات هذا العالم بغية تعميق شرخ الخلافات التي تمزقها. اختراق يشكل تحديا حقيقيا لمعظم البلدان العربية، بل يرتقي في بعض الحالات إلى تهديد جدي لبعضها، وتدخل سافر في شؤونها الداخلية.

ورغم ذلك فإن القمة لم تمتلك الجرأة في تسمية مصادر هذه التحديات وتلك التهديدات والتدخلات، ومن ثم عجزت عن إصدار أي تحذير أو حتى مجرد تنبيه ضدها. واستتباعا لذلك لم يكن مفاجئا غياب أي أثر في وثائق القمة لقرارات تنص صراحة على اتخاذ مبادرات جماعية أو خطوات عملية قابلة للتنفيذ وفق جدول زمني محدد لإنجازها والتحرك بشأنها.

إن محدودية العمل العربي المشترك هذه لا تعني عدم وجود مبادرات بناءة بأبعاد إنسانية تقوم بها عدة عواصم عربية بشكل منفرد على مختلف الأصعدة الاقتصادية، والصحية، والبيئية والعلمية والثقافية والرياضية. وهي مبادرات كان حريا بقمة الجزائر أن لا تقتصر على الترحيب بها ومباركتها وتثمينها، وإنما أن تتبناها، وتوعز للدول بالانخراط الفعلي في دعمها بغية إعطائها وزنا أكبر.

فالملاحظ أن ردود فعل مختلف القوى الدولية الكبرى ذات الأدوار البارزة في مخاض انبثاق نظام دولي جديد تشي بغياب أي ممانعة أو تحفظ إزاء المبادرات ذات الطابع الكوني التي أقدمت عليها بعض الدول العربية في مجالات دعم السلام، وإشاعة قيم التعايش والتسامح، ومواجهة التغيرات المناخية، ودعم الأبحاث العلمية، ومكافحة الإرهاب والمجاعة والأوبئة، بل هنالك تشجيعا لها.

ولا شك، فإن مثل هذه المبادرات الإيجابية ستكون أكثر تأثيرا وخدمة لقضايا العرب الأساسية والمصيرية وغير قابلة للتجاهل من الأطراف الدولية الأخرى إن هي ارتدت صفة جماعية ومؤطرة في تنظيم سياسي وقانوني موحد يتم التنازل له عن بعض الاختصاصات السيادية القطرية، وتزويده بالآليات والإمكانيات الضرورية للعمل، حتى يستطيع إسماع صوت العرب مدويا في مجتمع دولي أساسه القوة والمصالح.