جولة آسيوية وريادة سعودية: جهود ولي العهد في بناء شراكات دولية

انعكاس لرؤية قيادة واعية بحجم التحديات وصعوبة الأزمات
الأمير محمد بن سلمان والرئيس الكوري يون سوك يول في مطار سيول (واس)

باكو: جولة آسيوية قام بها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، بدأت من المشاركة في قمة قادة دول مجموعة العشرين بإندونيسيا، ثم قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي في تايلند، وما بينهما كانت زيارة جمهورية كوريا الجنوبية، لتعبر تلك الجولة بطريقة عملية عن مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بعدها الخارجي، ذلك البعد الهادف إلى العمل مع كافة الدول الشقيقة والصديقة نحو تحقيق الأهداف والطموحات التي تعزز الازدهار والنماء لكافة الدول والشعوب، انطلاقًا من الرؤية السعودية بأن بناء علاقاتها الثنائية لن ينمو إلا من خلال بناء شراكات واسعة تصب في مصلحة المجتمع الدولي بأسره، وهو ما تدرك القيادة السعودية أنه بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي والديني يستوجب منها التفاعل مع مختلف الملفات والقضايا الإقليمية والعالمية.
وعليه، فقد كانت مشاركة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في قمة قادة مجموعة العشرين امتدادًا للدور الريادي للمملكة بالمساهمة في توحيد الجهود الدولية لمواجهة التحديات التي تواجه العالم، وهو ما تجلى بشكل واضح في حجم الدعم الذي قدمته المملكة لصندوق الوساطة المالية للأمن الصحي والمسمى صندوق الجائحة (Pandemic Fund) والبالغ قدره 50 مليون دولار، والذي جاء استكمالاً لمبادرة المملكة أثناء رئاستها لمجموعة العشرين عام 2020، بهدف توفير التمويل للبلدان والمناطق منخفضة ومتوسطة الدخل لتعزيز قدرتها الوقائية من الجوائح المستقبلية، وكذلك تعزيز قدرتها للاستعداد والاستجابة لها على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي. كما يعمل الصندوق أيضا على تمويل أنظمة المختبرات، ومراقبة الأمراض، والاتصالات في حالات الطوارئ وإدارتها، والمشاركة المجتمعية والقوى العاملة الصحية.
وفي السياق ذاته، جاءت مشاركته الفعالة في منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي في تايلند، والذي يعد من التكتلات الاقتصادية المحورية والقوية على مستوى العالم، حيث يضم 21 دولة، من بينها الدول الاقتصادية الأكبر عالميًا (الولايات المتحدة والصين وكذلك اليابان وإندونيسيا وغيرها)، وهو ما يعكس حرص المملكة على تعزيز التعاون والعمل المشترك والمتعدد الأطراف بما يخدم الأمن والسلم الدوليين والازدهار والرفاهية لشعوب المنطقة. وجدير بالذكر أن دعوة هذا المنتدى للمملكة العربية السعودية في نسخته هذا العام والذي حمل شعار «الاستدامة» جاءت متسقة مع الركيزة الرئيسية التي تنطلق منها رؤية المملكة 2030 والمتعلقة باستراتيجيتها للتنمية المستدامة بمفهومها الشامل وأبعادها المتعددة ومنطلقاتها المتنوعة.

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي وبرايوت تشان أوتشا رئيس وزراء تايلند شهدا تبادل مذكرات تفاهم بين البلدين (واس)


وفي خضم كل ذلك، يستعرض التقرير أهم مخرجات تلك الجولة خاصة في محطتيها الكورية والتايلندية من خلال المحورين الآتيين:
المملكة وكوريا الجنوبية... علاقات وثيقة وشراكات عميقة
في زيارة جديدة لولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى كوريا الجنوبية عقب مشاركته في قمة العشرين المنعقدة في بالي بإندونيسيا، استقبله الرئيس الكوري يون سيوك يول بالمقر الرئاسي في العاصمة الكورية سيول، حيث تأتي هذه الزيارة استكمالًا لزيارته السابقة التي جرت في يونيو (حزيران) 2019 عشية قمة العشرين التي انعقدت في اليابان آنذاك، كما تأتي على هامش احتفال البلدين بمرور 60 عامًا على تأسيس العلاقات بينهما والتي تعود بجذورها إلى عام 1962، وهو ما أشار إليه صراحة ولي العهد السعودي بقوله: «تأتي هذه الزيارة لبلدكم الصديق تزامنًا مع مرور 60 عامًا على إنشاء العلاقات بين السعودية وجمهورية كوريا بما يؤكد رغبة بلدينا في الاستمرار في ترسيخ أسس هذه العلاقة التاريخية والعمل على استكمال الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون في جميع المجالات»، وهو ما كان موضع ترحيب من جانب الرئيس الكوري يون سوك يول، في رسالته التي وجهها كتابة إلى ولي العهد السعودي، والتي جاء فيها وفقًا لما ذكره نائب المتحدث باسم الرئاسة الكورية الجنوبية لي جاي ميونغ بأن: «زيارة ولي العهد أصبحت علامة فارقة في اتخاذ العلاقات الثنائية خطوة أبعد... وسنتعاون بشكل وثيق من أجل تحقيق رؤية المملكة العربية السعودية 2030».

ولي العهد السعودي متوسطاً رئيس وأعضاء جامعة كاسيتسارت التايلندية عقب تسلمه الدكتوراه الفخرية (واس)


ومن نافل القول إن هذه الزيارة قد غلب عليها البعد الاقتصادي، إذ شهدت انعقاد «منتدى الاستثمار الكوري- السعودي» برعاية وزارة الصناعة والتجارة والطاقة الكورية ووزارة الاستثمار السعودية في العاصمة سيول، وبحضور ما يزيد على 300 من المسؤولين الممثلين للحكومتين الكورية والسعودية وقطاع الاقتصاد في البلدين. كما تأكد هذا البعد أيضًا فيما أفرزته الزيارة بشأن التعاون الاقتصادي والاستثماري المتبادل بين البلدين، إذ تم على هامشها إبرام 26 مذكرة تفاهم حول الاستثمار بقيمة 29 مليار دولار، إلى جانب توقيع 5 عقود بين الشركات الكورية ووزارة الاستثمار السعودية، و17 عقدا بين المؤسسات الكورية والسعودية، فضلا عن إبرام عديد المشاريع المتعلقة بمشروع «مدينة نيوم الذكية»، منها مشروع «مجمع نيوم فيتا» بين سامسونغ للتجارة والهندسة مع PIF لبناء 10 آلاف وحدة سكنية، واتفاقية بين هيونداي روتيم مع هيئة السكك الحديدية السعودية على التعاون فيما يخص مشروع السكك الحديدية في نيوم، ومشروع للهيدروجين الأخضر في نيوم بين مؤسسة الكهرباء الكورية وأكوا باور بـ13 مليار دولار. كما تم التوقيع كذلك على اتفاقية مشروع «شاهين» أكبر استثمار أجنبي في كوريا بـ26 مليار ريال، ومذكرة تفاهم بين PIF وشركات كورية لبناء مصنع الهيدروجين الأخضر والأمونيا بقيمة 6.5 مليار دولار، إلى جانب توقيع 3 عقود بين شركة «إس- أويل» التابعة لأرامكو وشركات للإنشاءات المحلية.
ورغم هذا الاهتمام بالبعد الاقتصادي، إلا أن الزيارة لم تغفل النظر في الأبعاد السياسية والأمنية المشتركة بين البلدين، إذ أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في كلمته على أن المملكة تسعى إلى: «تكثيف العمل المشترك لمواجهة كل ما يهدد الأمن والسلم الدوليين ويؤثر على أمن الطاقة وسلامة سلاسل الإمداد»، وهو ما يعكس مدى التقارب في الرؤى بين البلدين بشأن عديد الملفات الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

ولي العهد السعودي لدى لقائه اعضاء المجلس المركزي الإسلامي في تايلند السبت (واس)

المملكة وتايلند... ثلاثة عقود من التعاون
في أول لقاء ملكي جمع بين العائلتين المالكتين السعودية والتايلندية في أعقاب التطبيع الكامل للعلاقات الدبلوماسية الثنائية التي عادت في يناير (كانون الثاني) الماضي 2022، شهدت العلاقات بين البلدين دفعة قوية خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى بانكوك بناء على دعوة رئيس الوزراء وزير الدفاع التايلندي الجنرال برايوت تشان أوتشا، وكان في استقباله الملك ماها فاجيرا لونغكورن فرا فاجيرا كلاو تشاو يوهوا، والملكة سوثيدا باجرا سودابما لالاكشانا. وقد أفرزت الزيارة عن توقيع عديد مذكرات التفاهم، منها مذكرة التفاهم بشأن إنشاء مجلس التنسيق السعودي- التايلندي، وعدد آخر من مذكرات التفاهم لتعزيز التعاون بينهما في مجالات تشجيع الاستثمار، والطاقة، والسياحة، ومنع ومكافحة الفساد. إلى جانب تأكيد الطرفين على اتفاقهما في مجالات التعاون السياسي والدفاعي والأمني، خاصة في صناعة الدفاع، ومكافحة الجرائم العابرة للحدود الوطنية بجميع أشكالها، ومكافحة الإرهاب والتشدد والتطرف، وتعزيز الأمن السيبراني. وكذلك في مجالات التعاون الاقتصادي من خلال العمل على تشجيع الوصول إلى أسواق كلا البلدين، فضلاً عن التفاعل القوي بين قطاعاتهما الخاصة لزيادة فرص الاستثمار، وتنويع التجارة الثنائية، وزيادة تبادل زيارات الوفود التجارية. بالإضافة إلى اتفاقهما على رفع مستوى التعاون العلمي، والبحثي، والتعليمي والسياحي، والثقافي، والرياضي.
ولم يقتصر الأمر على مستوى علاقاتهما الثنائية فحسب، بل امتد أيضا إلى رؤيتهما بشأن القضايا الدولية والإقليمية، إذ اتفق الجانبان على أهمية الجهود المشتركة لتعزيز السلم والأمن الدوليين، من خلال التعاون في مجالات مكافحة التطرف، وترسيخ قيم التفاهم والتسامح، مع أهمية التزام جميع الدول بميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ الشرعية الدولية، والقانون الدولي، ومبادئ حسن الجوار، واحترام وحدة وسيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والسعي لحل الخلافات بالطرق السلمية، مثمنين في الوقت ذاته دعم كل منهما للآخر فيما يسعى إليه بشأن استضافة المعارض الدولية الكبرى، إذ أيدت تايلند استضافة السعودية لمعرض إكسبو الدولي 2030 في الرياض، في مقابل دعم الرياض ترشيح تايلند لاستضافة معرض بوكيت إكسبو 2028.

جانب من جلسة المباحثات الرسمية التي عقدها الجانبان في سيول (واس)

منتهى القول، إن الجولة الآسيوية لولي العهد السعودي تؤكد على أن التعاون الدولي يعد أساسًا لعلاقات المملكة عالميًا، وفي الوقت ذاته يشكل قوة دفع لسياستها على الساحة المحلية، وهو ما حرصت عليه المملكة من خلال تعزيز تحركاتها الدولية والإقليمية بما يصب في دعم الاستقرار العالمي، وقد تجلى ذلك واضحًا في إدارتها لعديد الملفات التي تشغل فيها المملكة مكانًا محوريًا، وذلك على غرار ما حدث مؤخرًا من خلال سياستها النفطية التي حرصت على تحقيق التوازن والمصالح المشتركة للجانبين (المنتجين والمستهلكين)، وهو ما تكرر في كثير من النماذج أيضًا كدورها المحوري في مواجهة المشكلات التي تعوق مسار الاقتصاد العالمي، إذ كانت قيادتها لمجموعة العشرين خلال أسوأ أزمة صحية يعرفها العالم منذ قرن من الزمن، ترسيخًا لرؤية قيادة واعية بحجم التحديات، وصعوبة الأزمات، ولكنها تملك قوة الإرادات وسرعة الاستجابات، بما جعلها نموذجًا متميزا في إدارة منظومة سياستها الخارجية بما يخدم مصالحها داخليا وخارجيا، وفي الوقت ذاته بما يُسهم في تحقيق الاستقرار العالمي برسالتها التي تحمل السلام والأمن للجميع.