تصعيد جوي تركي – إيراني لإضعاف الجماعات الكردية المسلحة

الاتصالات مع واشنطن وموسكو لم تثمر وقفا للغارات
صورة نشرتها وزارة الدفاع التركية تزامناً مع الهجوم

القامشلي: يواصل الجيش التركي شنّ غاراتٍ جوية على مناطقٍ سورية عدّة تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية وتقع في أرياف ثلاث محافظاتٍ من البلاد كالرقة وحلب والحسكة، حيث سقط إثر ذلك جرحى وقتلى، عسكريين ومدنيين على حدّ سواء، بينهم صحافي هذا الأسبوع، نتيجة استهداف الطائرات التركية المسيرة لتلك المناطق على نطاقٍ واسع، فهل هذا يعني أن أنقرة بدأت عملية عسكرية جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية التي تُعرف اختصاراً بـ«قسد» والمدعّومة من الولايات المتّحدة والتحالف الدولي الذي تقوده ضد تنظيم داعش؟
وبحسب معلوماتٍ حصلت عليها «المجلة» من «قسد» ومظلتها السياسية التي تعرف باسم مجلس سوريا الديمقراطية، فإن الولايات المتّحدة وروسيا ترفضان معاً أي توغلٍ برّي تركيّ جديد في المناطق التي تدير الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها شؤونها الإدارية في كل مناطقها التي تشمل أجزاء من أربع محافظاتٍ سورية هي حلب والرقة والحسكة ودير الزور.

واشنطن وموسكو ترفضان التوغل البري
ورغم أن واشنطن وموسكو ترفضان أي توغل برّي تركي مشابه لثلاث عملياتٍ عسكرية سابقة نفذّتها أنقرة ضد «قسد» بين عامي 2016 و2019، لكن كلا الجانبين وفق مصدرٍ رفيع في «قسد» لا يعارضان شنّ الجيش التركي لهجماتٍ جوية محدّودة على أهداف لقوات سوريا الديمقراطية رغم وجود قواعد أميركية وروسية في مناطقها التي تتجاوز مساحتها 45 ألف كيلومترٍ مربع.
ويتزامن القصف الجوي التركي الذي زادت حدّته هذا الأسبوع، بعدما استهدف مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد» على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، مع تحرّكات لإيران التي تنوي دخول المنطقة من بوابة العشائر العربية لاسيما في محافظتي الحسكة ودير الزور التي تسيطر الميليشيات السورية المحلّية المدعومة من طهران على أجزاءٍ منها على الحدود مع العراق.

قمة ثلاثية روسية إيرانية تركية في يوليو الماضي أكّدت على تصميم الدول الثلاث على مواصلة التعاون «للقضاء على الإرهابيين» في سوريا (أ.ف.ب)

الميليشيات الإيرانية تستغل الهجمات التركية
وكشفت مصادر محلّية من الحسكة لـ«المجلة» أن «مسؤولين من الميليشيات الإيرانية يحاولون تجنيد المزيد من أبناء العشائر في أرياف الحسكة ودير الزور مع احتمالية تجنيد آخرين في الرقة للحدّ من تأثير قسد»، وهو هدف تركي- إيراني مشترك، فبينما تحاول أنقرة السيطرة على المزيد من المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد»، تحاول طهران إضعافها بهدف تمكين ميليشياتها وقوات النظام في مناطقها.

واستهدفت أنقرة وطهران في الوقت نفسه مناطقٍ مختلفة من إقليم كردستان العراق هذا الأسبوع، حيث استهدفا مقرّات لأحزابٍ كردية إيرانية وتركية تتمركز داخل أراضي الإقليم، ما يوحي بوجود تنسيق مشترك وغير معلن بين الجانبين، وفق ما وصف خبير في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية.

إضعاف الجماعات الكردية
وأكد الأكاديمي محمد محسن أبو النور، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية رداً على سؤالٍ لـ«المجلة» حول الموقف الإيراني من التوغل التركي الجديد المحتمل داخل الأراضي السورية أن «هناك تناقضا في المواقف الايرانية، وهذا يعكس أمرين، الأول هو أن كل عملية عسكرية من أي طرف تقوض الطرف الكردي في سوريا أو في أي دولة أخرى مثل العراق وتركيا، الأمر الذي يخدم طهران بحكم أنها في مواجهة مباشرة مع الجماعات الكردية لا سيما المسلّحة منها وهي تعرف تمام المعرفة أن هناك شبه توافق وتوحد بين هذه الجماعات الكردية في مختلف الدول».

جدار عازل بين البلدين تجنباً لهجمات الجماعات الكردية
وأضاف لـ«المجلة»: «أما الأمر الثاني، فيكمن في معرفة إيران باستخدام الحكومة التركية في بعض الأحيان للورقة الكردية للضغط على طهران من خلال تعاونها مع جماعات كردية للقيام بأنشطة مسلّحة داخل أراضيها، والعكس صحيح بالطبع، ورأينا مثلاً جدارا عازلا يتم بناؤه منذ سنوات بين إيران وتركيا لأن كلا الطرفين يعرف أن الطرف الآخر يستخدم الأكراد ضده كأداة عقابية».
وأوضح أنه «رغم وجود تقارير تتحدّث عن دعمٍ تركي وإيراني لأحزابٍ كردية، لكن التنسيق التركي- الإيراني أمر محتمل لتقويض المقومات الكردية وهي مسألة معروفة منذ ما قبل استفتاء إقليم كردستان العراق في العام 2017 عندما رفضته كل من طهران وأنقرة معاً».
وتابع الأكاديمي أن «إيران تناقض أيضاً رغبتها بتقويض المكوّن الكردي في سوريا رغم أن من شأن أي توغل تركي جديد إضعاف حليفها بشار الأسد، لا سيما أن مثلث سوريا المفيدة التي دشنتها إيران مع الأسد كانت تستهدف أن يتوسع هذا المثلث ليشمل أجزاء أخرى من البلاد حتى تعود سوريا بكاملها تنضوي تحت رئاسة الأسد، لكن على ما يبدو أن تقويض لاعب كردي مسلح مثل (قسد) أهم بالنسبة لطهران من بسط الأسد لنفوذه على كامل مساحة الأراضي السورية».
كما أشار أبو النور إلى أن «استراتيجية إيران المعلنة حيال التوغل التركي في سوريا لا تبدو واضحة»، ملمّحاً إلى أن «الغارات الجوية التركية على أهدافٍ في سوريا تؤثر بشكلٍ كبير على مسار آستانة، فالروس والإيرانيون والأتراك قسّموا مناطق النفوذ السورية حسب مصالحهم، وهذا يعني أن تمدد تركيا أكثر من المسموح به بموجب اتفاقيات آستانة، قد يعني رفضا إيرانيا للتوغل التركي وربما تلجأ طهران لاستخدام أدوات صلبة لمنع أنقرة من ذلك».

عدة أرتال عسكرية تركية وصلت إلى شمال سوريا (أرشيف)

«الإدارة» كثّفت اتصالاتها مع واشنطن وموسكو
وحصلت «المجلة» على تسريبات من «الإدارة الذاتية» تفيد بتكثيف التواصل مع الولايات المتحدة وروسيا والنظام السوري، لمنع أي توغلّ تركي جديد وذلك على خلفية استمرار الجيش التركي شنّ غاراتٍ جوية على مناطقها والتي بدأتها منذ مطلع الأسبوع الجاري، حيث استهدفت أنقرة منشآت عسكرية وأخرى مدنية وأدى ذلك إلى سقوط قتلى وجرحى.
وكشفت مصادر من «الإدارة» أن «واشنطن وموسكو تتمسكّان حتى الآن برفض التوغل التركي البري»، لكن هذا لا يعني إيقاف الغارات الجوية التركية أو القصف المدفعي «على الفور»، على حدّ تعبّيرها.
وحتى الآن، لم تثمر اتصالات «الإدارة الذاتية» مع نظام الأسد عن اتفاقٍ شاملٍ بين الجانبين رغم المحاولات المستمرة برعايةٍ روسية، وفق ما أفاد لـ«المجلة» مصدر من «الإدارة» والذي شدد على أن «أي توغل بري تركي قد يعني دفع النظام للمزيد من قواته نحو مناطق قسد».
وإلى جانب المحاولات الإيرانية في إضعاف «قسد» من خلال تجنيد أبناء العشائر في مناطقها، تحاول شبكاتٍ من تنظيم داعش استغلال انشغال قوات سوريا الديمقراطية بالغارات التركية، حيث استهدف التنظيم المتطرّف عدّة نقاطٍ مدنية للإدارة الذاتية في ريف دير الزور.
وذكر عناصر من قوى الأمن الداخلي في مناطق الإدارة الذاتية أنهم شددوا الحراسة على مراكز احتجاز عناصر تنظيم داعش والمخيمات التي تقطن فيها أسرهم والواقعة في ريف محافظة الحسكة مثل مخيمي الهول وروج.
وأدت الغارات الجوية التركية، لحركة نزوح السكان من البلدات والقرى السورية الواقعة على الشريط الحدودي مع تركيا، إذ توجه معظمهم باتجاه مدينتي الرقة والحسكة جنوباً.
وقال شاب يعيش في قرية حدودية تقع على ضواحي مدينة تل أبيض إنه استعد للنزوح، لكنه لن يغادر المنطقة إن لم يحدث توغلٌ تركيّ بريّ فيها.
وأضاف لـ«المجلة»: «لقد اعتدنا على الغارات الجوية التي تستهدف قرانا وبلداتنا، فهي لم تتوقف منذ أواخر العام 2019».
وتابع: «لقد تعبت من النزوح ولم يعد بمقدوري البحث عن مكانٍ بديل، فقد كنت أقيم في دمشق قبل سنوات وغادرتها إلى مسقط رأسي هنا نتيجة الحرب، لكنني اليوم لا أجد مكاناً آخر أنزح إليه مع عائلتي»، مشدداً على أن «المجتمع الدولي عليه إيقاف الحرب السورية التي طال أمدها»، على حدّ وصفه.

شنّت أنقرة ثلاث عمليات ضد «قسد» سابقاً
وكان قد سبق للجيش التركي أن شنّ ثلاث عمليات عسكرية منفصلة على الأراضي السورية، وسيطر من خلالها في المرة الأولى على بلدتي جرابلس والباب في العام 2016. ومن ثم على مدينة عفرين في العام 2018، ومدينتي رأس العين (سري كانييه) وتل أبيض عند الهجوم الثالث واسع النطاق في العام 2019.
وخلال العمليات العسكرية الثلاث، قاتل مسلّحون ينتمون لجماعاتٍ سورية مدعّومة من أنقرة ومعارضة للأسد، إلى جانب الجيش التركي.
ورغم أن تركيا أبرمت على نحو منفصل اتفاقيتين مع الولايات المتّحدة وروسيا في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2019، وتعهّدت بموجبها بوقف إطلاق النار بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من بلداتٍ سورية تقع على الحدود مع تركيا، إلا أنها تواصل هجماتها العسكرية في تلك المنطقة منذ ذلك الحين باستخدام الطيران المسيّر والقصف المدفعي.
وساهم آخر هجومٍ تركي على شمال شرقي سوريا، بدخول قوات النظام السوري إليها مع الشرطة العسكرية الروسية بعد حصول اتفاقٍ عسكري بين «قسد» والنظام، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب السورية التي دخلت عقدها الثاني هذا العام.
ونزح في ذلك الحين مئات الآلاف من مدينتي تل أبيض ورأس العين عقب سيطرة الجيش التركي عليها رفقة فصائل سورية مسلّحة موالية لأنقرة، على غرار ما جرى في عفرين التي نزح منها حوالي 300 ألف من سكانها الأصليين في العام 2018.
وتعتبر تركيا، أن «وحدات حماية الشعب» وهي جماعة مسلّحة كردية سورية تعد من أبرز مكونات قوات سوريا الديمقراطية، امتداداً لحزب العمال الكردستاني المحظور لديها، لكن «قسد» تنفي ذلك باستمرار وتؤكد أنها لا تشكل تهديداً على أمن أي من دول الجوار السوري.