كأس العالم في سوريا.. المباريات لمن استطاع

محاولات وتحديات من أجل المشاهدة فقط
المقاهي تستقبل المشجعين لحضور المباريات
يدفع السوريون مبالغ كبيرة لمشاهدة المباريات في المقاهي
أطفال سوريون من مخيمات الشمال السوري
طابع من وحي المونديال
المقاهي استعدت لاستقبال محبي كرة القدم

دمشق: من يستطيع تخيُّل أن يكون الشعب السوري خارج أجواء كأس العالم، ذلك الشعب الذي دوماً ما يكون خارج دائرة الأحداث العالمية، تحديداً في ظل الظروف التي تعيشها البلاد اليوم، فإذا أراد أن يكون شاهداً على مونديال 2022، فما عليه إلا أن يشاهد تسلل مباريات الكأس من خلال ما تتيحه القنوات الرياضية للمشاهدين مجاناً مبدئياً، أو المكوث جلسة ركنيّة في أحد المقاهي، ودفع مبالغ باهظة لقاء مشاهدة مباريات المجموعات الأولى نظراً لتوفر الكهرباء فيها، وما عليه إلا الدفع لـ«السورية للاتصالات» اشتراك شهري كضربة جزاء لها على تقديمها لخدمة المشاهدة المباشرة، للمواطنين مقابل اشتراكهم في خدماتها.

 

ذكريات مونديالية

«لا يمكنني نسيان مباراة ألمانيا والبرازيل في نصف نهائي كأس العالم 2014»، هكذا بدأ أمجد صالح حديثه عن كأس العالم لـ«المجلة»، فيروي أحد ذكرياته مع كأس العالم إذ يقول: «حينها كانت الكهرباء معدومة في المنطقة التي تهجرنا إليها، ولم يكن الإنترنت والهواتف الذكية منتشرة آنذاك، أو حتى متاحة لنا كاليوم، فإذا لم تتوفر الكهرباء، تكون أنت خارج أحداث المونديال، ويوم مباراة ألمانيا والبرازيل في الثامن من يوليو (تموز) عام 2014، أذكر أننا كنا وإخوتي على أحر من الجمر لمشاهدة المباراة الملحمية، فهي التي ستحدد من سوف يتأهل للمباراة النهائية، حينها حاول أحد الجيران في الساحة المقابلة لمنزلنا سرقة خط كهرباء من أحد الأحياء التي كان دورها في مخصصات الكهرباء، وأخرج تلفازه للشارع، وما كان بحاجة إلا لقليل من الوقت حتى تتحول الساحة إلى تجمع جماهيري من شباب المنطقة،  ورأينا ملعبا آخر غير ملعب مينيراو، وشاهدنا الأهداف السبع لألمانيا حينها، أما اليوم فقد جلسنا لنشاهد مباراة فرنسا وأستراليا عبر الإنترنت الذي لا يتوفر في سوريا بشكل جيد، فلم نستطع مشاهدة أهداف فرنسا الأربعة إلا عن طريق تطبيق التلغرام الذي ينقل لنا فقط مشاهدة الأهداف، لأن الكهرباء فقط ساعة وصل مقابل خمس ساعات قطع، والمستحيل مشاهدة مباراة واحدة عبر التلفاز، وذلك فقط في المباريات التي تسمح بها قناة (Bein Sports)، أما عما تبقى من كأس العالم، فلا أدري كيف سنتمكن من المشاهدة، ربما سوف نتابعها كأخبار عاجلة».

 

ضريبة مونديال

بعض الشباب في سوريا لا يستطيعون الخروج من أحداث المونديال، أو تجاهل كأس العالم نتيجة ظروفهم، مما دفعهم للجوء إلى المقاهي، والمطاعم التي تنقل المباريات، والتي ارتفعت أسعارها خلال الأسبوع الأول من المونديال تجاوباً مع هذا الحدث العالمي، واستغلالاً لحاجة الشباب السوري لهم اليوم، حيث الجلوس ليوم واحد في مقهى ومشاهدة المباريات الأربع تصل تكلفتها إلى 100 ألف ليرة سورية، مقسمة بين رسوم حضور المباراة، وفتح الطاولة، وطلب مشروب واحد على الأقل يتوجب على المشاهد طلبه أثناء مشاهدة المباراة، ويتحدث عصام أبو رافع البالغ من العمر 18 عاما، لـ«المجلة» عن معاناته من حضور مباريات كأس العالم «لا يمكنني تحمل نفقة المقاهي، وفي المقابل لا يمكنني الجلوس ومشاهدة مباراة عبر الإنترنت السيئ، فأشاهد دائرة التحميل أكثر من المباراة ذاتها، مما يدفعني إلى اختيار مباراة واحدة فقط، لأشاهدها في أحد المقاهي الدمشقية، التي باتت تخلو اليوم من أي أجواء مونديالية كالتي كنا نشهدها في السابق بسوريا، إلا أن كأس العالم، وكرة القدم بالنسبة لي ليست فقط أجواء حماسية، بل هي حلم، وهواية، وغاية أتمنى أن أصل لها ذات يوم».

 

مونديال مجاني

في محافظة اللاذقية كان الأمر مختلفاً عن العاصمة دمشق، حيث أطلقت بعض المقاهي عروضها التي تلغي رسم حضور المباراة في المقهى، وتواصلت «المجلة» مع معين علي صاحب مقهى (SEGARA) الواقع عند دوار الزراعة في اللاذقية، للتحدث عن أجواء المونديال لديه، يقول: «لا نتقاضى أي رسوم حضور للمباريات، ولا يمكننا فعلها حتى، فنحن نعرف أوضاع البلاد اليوم، فكيف لنا فرض ذلك على أي شاب يريد حضور مباراة فقط في ظل الظروف التي يعيشها»، وأضاف معين لـ«المجلة»: «أي شاب يريد مشاهدة مباراة، ولا يستطيع من أجل الرسوم التي تطلبها المقاهي اليوم لقاء ذلك، بالإضافة إلى الطلب وفتح الطاولة، أقول له يمكنك القدوم إلى (SEGARA)، ومشاهدة أي مباراة دون أن تطلب أو تدفع أية رسوم، فالظروف والغلاء نعايشهما نحن أيضاً كما يعايشهما أي مواطن سوري اليوم، ونحن نعلم ماذا يعني المونديال لأي شاب سوري، وعن نفسي أرى أن ما أقدمه هو أقل ما يمكن لشباب فقد أحلامه، وطموحاته اليوم، ويرى في مشاهدة مباراة لكأس العالم متعة وتسلية، ربما تعوضه قليلاً عما أراد أن يكون عليه في سوريا ولم يكن».

بطاقة بريدية بطابع قطري

لم يكن مركز البريد في سوريا بمنأى عن أحداث كأس العالم، حيث سبق افتتاح كأس العالم في قطر، إصدار طابع بريدي تذكاري في سوريا بمناسبة «مونديال كأس العالم»، مما أشعل مواقع التواصل الاجتماعي، بين تأييد ورفض، نتيجة الوضع السياسي بين البلدين، والذي يتمثل في القطيعة منذ عام 2011، وحددت المؤسسة قيمة الطابع بألف ليرة سورية، والبطاقة البريدية بـ1500 ليرة، إلا أن ما حدث بين المواطنين أخرج المؤسسة عن صمتها، لتقول إن «إصدار طابع تذكاري خاص بالمونديال هو للتوثيق لا أكثر، وهو غير متداول ولا مطبوع أو متوفّر فيزيائياً، وإصدار طابع خاص بمونديال قطر هو للتأكيد على تشاركية الوحدة المصيرية بين الدول العربية، ومشاركتها فعالياتها ونجاحها فيما بينها، لا سيما استضافة دولة عربية لمثل هذا الحدث العالمي»، وتلا ذلك التصريح بحذف خبر الطابع من كافة حساباتها الرسمية، وبرر رأفت النايف مدير بريد دمشق ما حدث بقوله: «إن طابع المونديال جاء بعيداً عن السياسة، والمواقف، وقطر تبقى بلداً عربياً كأي بلد عربي، والمؤسسة العامة للبريد تحرص على إصدار الطوابع التذكارية للأحداث المهمة في التاريخ»، وعن شكل الطابع تضمن شعار كأس العالم 2022، بخلفية لنواعير حماة، واسم الجمهورية العربية السورية باللغتين العربية، والإنجليزية.

 

حلول سورية ولكن!

أزمة الكهرباء في سوريا، جعلت للشعب السوري واجباً عليه أن يحل تلك المشكلة، وكل شخص يبدأ من نفسه، حيث انتشرت الألواح الشمسية التي وفّرت الكهرباء للعديد من العائلات القادرة على جلب هذه الألواح المكلفة نوعاً ما نسبة للموظف السوري، إلا أن هذه الألواح لم تقدم الحل لمشاهدي كأس العالم، لأن قضية المونديال، لا تحتاج فقط للكهرباء، بل إلى كروت يتم شراؤها لفتح القنوات المشفرة، والذي يبلغ سعره مليون ليرة سورية، أو شراء رسيفرات معينة تكون القنوات المشفرة في سوريا، مفتوحة من خلاله، وذلك أيضاً مكلف في سوريا مقارنة بالحل الذي أوجدته «السورية للاتصالات»، التي أطلقت خدمة «تراسل TV» التي توفر خدمة مشاهدة قنوات البث التفزيوني عبر اتصال منفصل عن خدمة الإنترنت، وتتضمن قنوات مجانية، ومأجورة موزعة على باقات يحدد قيمتها المشترك، وتقدم هذه الخدمة البث المباشر للقنوات التلفزيونية التي يشترك بها المواطن الذي يمتلك بوابة (ADSL) بأي سرعة كانت، لكن في المقابل يجب أن تتوفر لديه شاشة ذكية تدعم (IPTV)، أما إذا كانت الشاشة ذات نوع قديم، أو تلفاز قديم، حينها يحتاج المشترك إلى (STBOX) يتم الحصول عليه من قبل مقدم الخدمة، أو من الأسواق المحلية، ومن خلال هذا الحل السوري يتمكن أي مواطن سوري من مشاهدة المونديال، لكن شريطة أن يمتلك ألواحاً شمسية، وشاشة ذكية، لتأتي الكهرباء، ويشترك بخدمة «تراسل»، أو هاتف محمول، أو جهاز لوحي (TAP).

 

مونديال سوري

انطلاقاً من بطولة كأس العالم، وتقليداً لها، أحدث أطفال مخيمات الشمال السوري، والغربي، مونديالهم الخاص، وذلك دعماً من منظمة «بنفسج» الإنسانية، التي نظمت هذه الفعالية، بمشاركة 32 فريقا من الأطفال النازحين، من 25 مخيما في ريف إدلب، وسبعة مناطق أخرى مختلفة في الشمال السوري، حيث ستكون هذه الفرق ممثلة للدول المشاركة بكأس العالم في قطر، بلباسهم، وأسمائهم، وأرقامهم حتى، وبدأت بطولة المخيمات السورية بمباراة افتتاحية لمنتخبي قطر، والإكوادور، على ملعب إدلب الرياضي، فيما ستجري باقي المباريات على أرض ملعب «الشمال الأولمبي» في بلدة حزانو بريف إدلب شمالي سوريا، وضمن هذه المبادرة تم تخصيص العديد من صالات العرض التي تتيح للعديد من المواطنين مشاهدة مباريات كأس العالم بشكل مجاني، نظراً لعدم قدرتهم على متابعتها في منازلهم للأسباب ذاتها التي تمنع سكان باقي المناطق السورية من مشاهدة مباريات كأس العالم.

قليل من الإنترنت الجيد

أعلنت مجموعة (beIN) الإعلامية عن خطتها لبث 22 مباراة من كأس العالم لكرة القدم لعام 2022، والذي تستضيفه دولة قطر العربية، على قناة (beIN sports) المجانية في منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، مما أثار مشاعر الاطمئنان لدى الشعب السوري، حيث أصبح باستطاعته مشاهدة 22 مباراة لكأس العالم دون اللجوء للمقاهي، أو الخدمات السورية، أو حتى كروت فك التشفير للقنوات، فجل ما يحتاج له قليل من الإنترنت الجيد فقط تبقيه على اطلاع لهذا الحدث العالمي.