إيران.. احتجاج وليس ثورة

مازالت الاحتجاجات الشعبية في إيران تتواصل منذ أكثر من شهرين وفي أكثر من منطقة. اللافت في أمر تلك الاحتجاجات الشعبية أنها بلا قيادة محددة وليس لديها برنامج سياسي أو آيديولوجيا تغذيها. هي تعبير عن غضب يتعلق أساسا بالأوضاع الاقتصادية للبلاد التي تندلع فيها الاحتجاجات أو لوضع الحريات العامة فيها.
هذه الاحتجاجات وإن كانت تحمّل بشكل أساسي الحكم القائم مسؤولية سوء الأوضاع الاقتصادية أو المعيشية أو الاجتماعية، وتدعو لـ«موت الديكتاتور» إنما ليس لديها حتى الساعة على الأقل الوسائل التي تمكن المعترضين من إسقاط النظام وقلب الحكم. بالمقارنة مع الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه مثلا، فكان للمعترضين- سواء كانوا من الحركات الدينية الموالية للإمام الخميني أو للأحزاب اليسارية كحزب توده- بنية تنظيمية وهيكلية سياسية وعسكرية لها أهدافها وآيديولوجيتها ورؤيتها لممارسة الحكم، بالإضافة إلى الجهوزية لاستلامه. وهذا تحديدا حسب ما نرى اليوم غير متوفر في إيران كما لم يكن متوفرا في أكثرية البلاد التي عرفت «ربيعا عربيا». لذا هذه الاحتجاجات حتى الساعة أقرب إلى تعبير عن غضب منها إلى ثورة لينينية مثلا.
ومن دون أي شك فإن هذه الاحتجاجات من شأنها زعزعة النظام القائم ولكن ليس إلى حد إسقاطه في المدى القريب، والأهم أنها تكسر حاجز الخوف وتؤثر على الوعي الفردي والجماعي للمجتمع. ما يعني أن تأثير النظام والبروباغندا التي يفرضها على الجماهير سيتلاشى بالشكل الذي يهيئ فيه إلى سقوطه. فالديكتاتورية تقوم على مبدأين: الأول يمعن في استعمال الإجرام بشكل يرعب الفرد والمجتمع ويخضعه لرغبة وأهواء الديكتاتور. والثاني يقوم على الأساطير المؤسسة لهذا النظام. وتطور الوعي الفردي والاجتماعي يساعد مع الوقت في التخلص من الأولى أي عقدة الخوف وتعرية الثانية أي الأساطير المؤسسة.
هذا ما يحصل اليوم في إيران على وجه التحديد، فحرق صور رموز النظام وإحراق مراكز قوى الأمن في بعض المناطق هو تعبير عن تطور هذا الوعي.
قد يكون سقوط النظام في إيران على الشكل الذي انتهى به الاتحاد السوفياتي من رأس الهرم الذي اعتقد أنه بالإمكان تطوير شيء فاشل- النظام- فكانت «البريسترويكا» وسياسة «الغلاسنوت» مع كل الأمل الذي بعثته سببا أساسيا في انهياره. وقد يكون السقوط على شكل ثورة منظمة لها هيكلها السياسي والعسكري يتيح لها استلام الحكم متى سقط كما حصل مع الإمام الخميني.
في نهاية المطاف، الأنظمة الديكتاتورية لها «تاريخ انتهاء صلاحية» يحين مع تطور الوعي الفردي والاجتماعي فيمكنه التخلص منه. وهذا ما نراه في إيران حيث هذا الوعي الذي بدأ أساسا مع الثورة الخضرا عام 2009 بات لا يخاف مواجهة إجرام النظام ويسخر من أساطيره التأسيسية.