جريمة «بالنسياغا» لا تغتفر

كثير من الأمور تخضع لوجهات نظر مختلفة، كثير من المواضيع يختلف النظر إليها وفقا لحضارات وثقافات مختلفة وبلدان عدة، ولكن هناك أمورا لا يمكن أن تقبل الاختلاف، امور أقله كنا نظن أنها من المسلمات، وإن كان هناك من ينتهكها إلا أن ثمة قانونا رادعا وحاسما مهما اختلفت التسميات والحضارات والثقافات.

 

أن يصبح أطفال بعمر 3 سنوات مادة إعلانية بإيحاءات جنسية أمر لم أكن أتخيل أن تراه عيني، ففي وقت تنشغل فيه جمعيات حقوق الإنسان وحقوق المرأة والمنادون بالمساواة بوقف تسليع المرأة وتنميطها، وهو ما تزايد مؤخرا بشكل كبير في زمن السوشيال ميديا، صعقنا بحملة إعلانية لماركة بالنسياغا الفرنسية يظهر فيها أطفال أصغرهم بعمر 3 سنوات مع إكسسوارات ذات إيحاءات جنسية وكؤوس كحول فارغة وأحزمة جلدية، أطفال على السرير مع دمى تبدو وكأنها ترتدي زي عبودية جنسية وأزياء «BDSM» بما في ذلك شبكة صيد السمك، وأحزمة جلدية مرصعة، وأطواق مزودة بأقفال، كل ما فيها يحوي التشجيع على ممارسة الجنس مع الأطفال.

حملة إعلانية مقززة ومثيرة للغثيان، لاقت ردود فعل شاجبة ليس فقط من مشاهير الموضة والسوشيال ميديا، ولكن من أي إنسان شاهد هذه الحملة الجريمة.

ماركة «بالنسياغا» المملوكة لمجموعة «كيرينغ» الفرنسية قامت بحذف صور الحملة وجميع صور حسابها على «إنستغرام»، وأصدرت لاحقا بيان اعتذار ذكرت فيه وفق تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية أن «البعض يعتبر أن هذه الأكسسوارات ذات دلالات جنسية، أو توحي بممارسات جنسية تنطوي على السادية المازوشية». البعض يعتبر؟ كؤوس نبيذ، أحزمة جلدية وأطفال ممددون على السرير، صورة تظهر حقيبة أُنتجت بالتعاون بين «بالنسياغا»، و«أديداس» موضوعة فوق وثائق عليها مقتطفات من قرار للمحكمة العليا الأميركية في شأن الاستغلال الجنسي للأطفال، كل هذا وأكثر لا يمكن أن يحتمل مصطلح «يعتبر»، والأهم أن ما حصل جريمة، والجريمة عقوبتها لا تكون ببيان اعتذار.

تنص اتفاقية حقوق الأطفال في المادة 19 أن على «الدول الأطراف اتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية والإهمال أو المعاملة المنطوية على إهمال، وإساءة المعاملة أو الاستغلال، بما في ذلك الإساءة الجنسية، وهو في رعاية الوالد (الوالدين) أو الوصي القانوني (الأوصياء القانونيين) عليه، أو أي شخص آخر يتعهد الطفل برعايته».

وتنص المادة 34 على أن «تتعهد الدول الأطراف بحماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال الجنسي والانتهاك الجنسي. ولهذه الأغراض تتخذ الدول الأطراف، بوجه خاص، جميع التدابير الملائمة الوطنية والثنائية والمتعددة الأطراف لمنع:

(أ) حمل أو إكراه الطفل على تعاطي أي نشاط جنسي غير مشروع.

(ب) الاستخدام الاستغلالي للأطفال في الدعارة أو غيرها من الممارسات الجنسية غير المشروعة.

(ج) الاستخدام الاستغلالي للأطفال في العروض والمواد الداعرة».

كل هذا وأكثر قامت به الماركة المذكورة، دون أن ننسى مسؤولية أولياء أمور الأطفال الضحايا الذين ظهروا في الإعلان، حملات المقاطعة التي انتشرت، المشاهير الذين ظهروا على صفحات التواصل الاجتماعي يعلنون مقاطعتهم لـ«بالنسياغا» ومنتجاتها، الدعاوى التي رفعت والتصريحات والاتهامات المتبادلة بين المصور الذي قام بتصوير هذه الصور الجريمة وبين المسؤولين عن الشركة، كلها لا تكفي، يجب أن يكون هناك فعل رادع، فمن يدري من ينتظر لتهدأ حالة الغضب من هذه الإعلانات فيكررها أملا أن تصبح مع التكرار أمرا مقبولا أو يحتمل وجهات نظر مختلفة كما بدأنا نسمع ولو بصوت خافت هذه المطالبات.

تجريم كل ما مثلته هذه الحملة الإعلانية واجب أخلاقي وقانوني، تماما كتجريم تزويج القاصرات، وتجريم كل ما من شأنه إفساد الطفولة تحت أي اسم، ليس مجرد ترف فكري أو محاولة لحماية الأطفال، إنه في جوهره حماية للإنسانية كلها، فهؤلاء الأطفال سيكبرون ويصبحون هم الجيل الذي يعمل وينتج ويقود العالم، ولذلك مستقبلنا كبشر وكحضارة إنسانية يعتمد على توفير حياة صحية ملائمة للأطفال من كل النواحي.

سمعنا وشاهدنا صور أطفال عذبوا واغتصبوا وقتلوا تحت التعذيب في سوريا، صمت العالم ووقف عاجزا أمام صورهم، لنرى صورا تحمل نفس المعاني والمآسي اليوم بصورة «إعلان».

المطلوب تحييد الأطفال عن كل ما له علاقة بقبح الكبار، قبل أن يتحول هذا العالم إلى غابة وحوش وباسم «الحرية» المزعومة نفقد كل معاني الإنسانية والآدمية.