دول الخليج وإعادة تأهيل النظام الإقليمي العربي

ظل العالم العربي كفضاء سياسي يعاني من غياب لافت لآليات فعالة للتضامن الجماعي نتيجة إخفاق مكوناته في تحقيق الحد الأدنى من التنسيق فيما بينها حتى حول أبسط القضايا، ناهيك بالقضايا المصيرية، ثم بسبب تفاقم الخلافات الثنائية بين العديد من دوله، الأمر الذي انعكس في شكل شلل تام أصاب معظم مؤسسات العمل العربي المشترك، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، التي تحولت إلى مجرد منتدى سياسي دوري لاستعراض المواقف.

 

وقد جاءت ثورات الربيع العربي واحتجاجاته لتعمق هوة هذا الغياب، ولتضيف إليه نشوب خلافات داخلية متعددة الأبعاد سياسية واجتماعية ومذهبية وعرقية في العديد من البلدان العربية وصل بعضها إلى اندلاع نزاعات أهلية استنزفت الإمكانيات المادية والبشرية للدول التي عانت منها وما تزال، نظرا لأن هذه النزاعات مستعرة لحد الآن في بعض الساحات، والخافت منها حاليا سهل تأجيجه في أي لحظة بسبب تواصل انعدام الثقة بين مختلف مكونات مجتمعات تلك الدول، واستمرار التدخلات الأجنبية فيها.

ومن الطبيعي أن يخلق تواصل الحراك الشعبي أزمة شرعية لأنظمة عربية عديدة وجدت نفسها تسود في أقطارها بقوة الأمر الواقع فقط، مما أغرى الكثير من القوى الدولية والإقليمية للبحث عن الاستفادة القصوى من هذا الوضع عبر تعميق اختراقها لمعظم بلدان العالم العربي، وذلك إما بالتدخل مباشرة في شؤونها واستباحة حدودها حيث كان ذلك ممكنا أو من خلال قوى سياسية داخلية مرتبطة بها مذهبيا ومرتهنة إليها ماديا.

في هذا السياق، قفزت عدة فروع محلية لتيارات الإسلام السياسي في عدة دول عربية إلى السلطة، إما بالاستحواذ عليها كلية أو بالمشاركة فيها، مستغلة عفوية الثورات والاحتجاجات، وغياب جهات منظمة تؤطرها، ومستفيدة من تسرع سلطات المراحل الانتقالية التي أعقبت انهيار بعض الأنظمة، التي اختزلت الديمقراطية في عملية الانتخابات فقط، متجاهلة أنها منظومة متكاملة من القيم والحقوق والواجبات، وغير آبهة بأن التيارات الإسلامية هي الأوفر حظا للفوز بالانتخابات، لأنها الأكثر تنظيما وانضباطا من غيرها من التيارات التي كان بعضها مجرد واجهات فارغة المحتوى.

وفيما يبدو، فإن شهية قوى الإسلام السياسي للسلطة وللتمدد قد انفتحت حتى قبل تثبيت أقدامها وترسخ وجودها في بلدانها، إذ انطلق بعضها إلى ممارسة الابتزاز بالتهديد والوعيد لعدد من الدول العربية في منطقة الخليج، التي أدركت واستوعبت، إثر فترة من الحذر والترقب بل والارتباك في متابعة الانتفاضات الجماعية التي كانت ترج محيطها العربي، بأنها لا تشكل حالة استثنائية في هذا المحيط، خاصة بعد أن وصلتها عدوى الانتفاضات ولو بنسب متفاوتة من دولة أخرى بين من تم تهديد كيانها، ومن أصابها رذاذها فقط.

وفور التأكد من أن القوى الدولية الكبرى التي يفترض أنها تشكل حليفا تقليديا وضامنا لأمن دول الخليج وسلامة أراضيها غير مكترثة بهواجس هذه الأخيرة وبعضها متواطئ في دعم الحركات الاحتجاجية، ومساعدة التيارات الإسلامية شمرت العواصم الخليجية مجتمعة عن ساعد الجد، غاضة الطرف عن الحزازات القائمة فيما بين بعض أعضائها، مستنفرة كافة قدراتها الذاتية الاقتصادية والمالية والأمنية والعسكرية لإخماد التحركات التي هددت بعضها في الصميم، ثم للذود عن كياناتها وخصوصية أنظمتها.

ورغم قوة التضامن الذي أبانت عنه دول الخليج فيما بينها، والذي تكلل بالنجاح في محاصرة تداعيات ثورات الربيع العربي واحتجاجاته داخل حدود بعض أعضائها، لم تستطع هذه الدول إخفاء تباين وتضارب مواقفها من تطورات هذا الربيع، إذ أدى استفحال هذا التضارب إلى اندلاع أزمة كبيرة معلنة داخل البيت الخليجي دامت لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، وكادت أن تتطور إلى ما لا تحمد عقباه لولا استيقاظ الحكمة الخليجية مرة أخرى، والتي تمكنت من تطويق الأزمة في قمة العلا بالمملكة العربية السعودية في يناير (كانون الثاني) سنة 2021؛ ثم إذابة جليد الخلافات بين معظم الأطراف فيما بعد.

إن استعادة الحد الأدنى من تضامن دول الخليج وتماسكها أتاحت لها مجددا اعتلاء مركز الريادة في النظام الرسمي العربي منفردة تقريبا، بشكل سمح لها ليس فقط بتأمين أقطارها من هذه الموجة العاتية، وإنما العمل على تدعيم مواقعها الدبلوماسية، وتوسيع دائرة انتشار إشعاعها الإعلامي والثقافي، فضلا عن تصفية حسابات قديمة كانت لبعضها مع أنظمة أو جماعات سياسية مناوئة لها، وكذا توسيع آفاق وإمكانيات الاستفادة اقتصاديا واستثماريا حيثما أمكن ذلك.

والواضح أن بعض دول الخليج مسلحة بالطفرة الهائلة في عائداتها النفطية لا تريد تفويت الفرصة المتمثلة في تولي زمام المبادرة في العمل العربي لإعادة توجيه بوصلته بعيدا عن الشعارات السياسية الفضفاضة، التي تدغدغ مشاعر الرأي العام العربي بلا أثر يذكر على أرض الواقع، وذلك من خلال التركيز على تحقيق هدفين رئيسيين تعتقد أنهما كفيلان بإعداد الأرضية اللازمة لتحقيق تطلعات الشعوب العربية لتطوير الأنشطة الاقتصادية ورفع المبادلات التجارية بغية توفير فرص عمل كافية للأجيال الصاعدة، وذلك بعيدا عن التشبث بموضوع التعديلات الشكلية للهياكل الإدارية لمؤسسات العمل العربي المشترك تفاديا لإثارة بعض الحساسيات.

ويتمثل الهدف الأول في السعي إلى تحفيز قوى الاعتدال في معظم المجتمعات العربية بغية تأمين الاستقرار السياسي والأمني اللازم لأي نهضة اقتصادية وعمرانية ولعملية إعادة الإعمار في البلدان التي دمرتها الحروب الأهلية، فيما يسعى الثاني إلى بناء علاقات سلام وتعاون بمنطق الاستفادة المتبادلة مع دول الجوار العربي بلا استثناء، ومعالجة القضايا السياسية العالقة معها في إطار هذه العلاقات، وليس بالمواجهة التي ثبت أنها تستنزف الطاقات، ولا تحسم في مصير الخلافات.