التشخيص الذي يهابه الجميع

إنه مرض لا يعلن عن ذاته، بل ربما يعيش المرء حياة طبيعية صحية وحافلة عند بداية الإصابة. كل ما في الأمر أنه يبدأ بنسيان بسيط، وعدم القدرة على تذكر بعض الكلمات والأشخاص والأماكن. حينها قد يقول المرء مازحاً: «بدأت أتقدم في السن».

 

ولكن الأمر لا يتوقف هنا. سريعاً ما تصبح الأعمال الروتينية في حياة المرء اليومية أصعب. ويبدأ العالم من حوله في التسارع، ويبدو أكثر تعقيداً. يشعر حينها الشخص بالإحباط والقلق أكثر من ذي قبل. ثم يسقط. فيمزح ثانية: «ساقاي لا تحملاني».

ويزداد النسيان، ويصاب الشخص بالتشويش من أقل شيء. والعالم من حوله يقترب ويبتعد في نفس اللحظة. ويبدأ المحيطون بملاحظة نوبات الغضب التي يصاب بها. وبعد أن كان الإدراك والاستيعاب ملازمين للمرء، أصبحا أعداء له. وقبل أن يدرك الشخص حقيقة ما يحدث بالكامل، تتبدل صورة حياته التي يعرفها.

أحياناً ما يأتي التشخيص بالزهايمر صادماً، ولكنه نتيجة لعملية طويلة من التدهور البطيء الخفي، فتصبح أسوأ المخاوف حقيقة. يراه المقربون بالفعل قبل أن يلاحظه صاحبه، وقليلاً ما يفاجئهم الرأي الطبي. بل هو ببساطة يؤكد مخاوفهم، التي كانوا يأملون أن لا تصح.

يمكن أن يكون التشخيص بالمرض أشبه بالحكم بالموت في نظر  كل من المريض والشخص الذي سيقوم على رعايته. فالزهايمر مرض تصاعدي ليس له علاج حتى الآن، ويسلب من الإنسان قدرته على الاعتماد على نفسه كما يفقده شخصيته.

ومع أن هذا المرض غالباً ما يصيب كبار السن، كانت صدمة كبيرة أن يكتشف ممثل هوليوود الشهير كريس هيمسوورث، وعمره 39 عاماً فقط، أنه يحمل جينات تشير إلى ارتفاع احتمالات إصابته بأكثر الأمراض بُغضاً. وهو ما أدى إلى تغيير حياته.

وكان نجم فيلم «ثور»، و«إكستراكشن» يقدم فيلماً وثائقياً عن التقدم في العمر عندما اكتشف أن حمضه النووي يحمل نسختين وليس نسخة واحدة من الجين المسؤول عن احتمالات الإصابة بخرف الزهايمر، ويرمز إليه بـ«APOE4». وهناك واحد من كل أربعة أشخاص يحملون نسخة واحدة من هذا الجين، ولكن واحدا من كل خمسين شخصاً يحمل نسختين منه. ولا يعني وجود نسختين منه أن الشخص سوف يصاب بالزهايمر، ولكنه يشير إلى ارتفاع احتمالات الإصابة إلى أقصاها.

لمعرفة ما هو الخرف، الذي يُعد الزهايمر أشهر أنواعه، نحتاج أن ننظر إلى المخ عبر ميكروسكوب بالغ الدقة لنرى ناقلات المعلومات في المخ وهي الخلايا العصبية التي تؤدي دوراً شديد الأهمية. تستخدم هذه الخلايا نبضات كهربائية وإشارات كيميائية لنقل المعلومات بين مختلف أجزاء المخ، وبين المخ وبقية الجهاز العصبي.

إذا رأيت رواسب أميلويد (لويحات الشيخوخة) ملتصقة بهذه الخلايا، فقد وجدت العلامة المميزة لمرض الزهايمر. ويبقى سؤال كيفية تكون هذه الرواسب- وكيف منعها من التراكم- هو الأهم؟ يعتقد كثيرون أن للأمر علاقة ببروتين «APOE» الذي يساعد على حمل الكوليسترول وغيره من أنواع الدهون في مجرى الدم.

يعتقد العلماء أن المشاكل المتعلقة بقدرة خلايا المخ على معالجة الدهون قد يكون لها دور مهم في الإصابة بالخرف. كما يمكن لأي خلل في الدهون أن يضعف العمليات الأساسية التي تقوم بها الخلية. ويشمل ذلك تكوين أغشية الخلايا، وحركة الجزيئات داخل الخلية، وتوليد الطاقة.

إن العمل في هذا الجزء من الجسد معقد ومذهل. لذلك يعمل الباحثون على خلايا مخ (بإعادة برمجة خلايا الجلد من حاملات بروتين APOE4) ثم يختبرون نظرياتهم والمعالجات المحتملة على خلايا الخميرة.  وفي الفترة الأخيرة، اتضح أن مكملات الكولين تعيد مستوى التمثيل الغذائي للدهون إلى طبيعته، مما حفز على إجراء مزيد من الدراسات. وهذا هو أحدث علاج وصل إليه الباحثون.

يظل كل هذا بعيداً تماماً عن المريض الذي يعاني، وليس لأفكاره صلة بخلل الدهون أو بروتينات «APOE»، بل تنصب فكرته على الشخص الماثل أمامه، الذي كان يتحدث معه منذ ساعة ويبدو له مألوفاً.

أما عائلة المريض، فهذا المرض من أقسى الأمراض التي تزداد ضراوة مع مرور الوقت، حيث يغادرهم أحباؤهم رغم استمرار الحياة في أجسادهم. في بعض الأحيان يقتنصون لمحات من «شخصياتهم الماضية»، ولكن تندر هذه اللمحات مع مرور الوقت قبل أن تتوقف تماماً. فالرواسب الأميلويدية تسلب من المريض شخصيته، تنزعها منه وتترك جسده خاوياً. حينها يمضي المريض أغلب وقته مشوشاً، مما يضاعف من الألم الذي تشعر به عائلته.

لا تعد شبكة الدعم في هذه الظروف من الرفاهية، بل هي عنصر ضروري. يستطيع الشخص في بداية إصابته بالخرف أن يعيش في بيته ولكن لا يمكن أن يُترك بمفرده، مما يحد كثيراً من حرية القائم على رعايته. ومع مرور الوقت، يصبح المنزل خطراً، وتتحول الأجهزة المنزلية التي تستخدم يومياً (مثل مُحمِّص الخبز والموقد) مصدراً للخطر. ومن دون قصد، يمكن أن يصبح المريض مصدر خطر على نفسه وعلى الآخرين.

وفي مرحلة ما، سوف تزداد المتطلبات على القائم بالرعاية حتى تفوق احتماله. حينها من الضروري اللجوء إلى مساعدة خارجية. وفي هذه المرحلة، إن لم يكن قبلها، عادةً ما تساعد الخدمات الاجتماعية و/أو الفريق الطبي للعائلة على وضع خطة للسيطرة على تدهور حالة المريض. قد تتضمن مثل تلك الخطة طلباً بـ«عدم الإنعاش».

وكثيراً ما ينتقل المريض في المرحلة الأخيرة إلى دار رعاية متخصصة. ومع ما يسببه ذلك من ألم عاطفي، فإنه ب أيضاً صعوبة عملية حيث يقلب نظام حياة المريض. بين عشية وضحاها، يختفي الإطار الذي عرفه المريض واعتمد عليه، ويجد نفسه فجأة في مكان جديد وسط وجوه جديدة جميعها غير مألوف له. يمكن أن تسبب هذه الخطوة في حد ذاتها، على الرغم من أهميتها، تسارعا في تدهور الحالة.

في حديثه مع مجلة «فانيتي فير»، قال هيمسوورث إن اكتشاف حمله لنسختين من جين «APOE4» حفزه على أن يبدأ سريعاً في كل ما يحتاج إلى فعله سواء من أجل الوقاية أو من أجل السيطرة على المرض. وأضاف أنه بدأ يتابع التشخيص عن كثب كما يتابع الأخبار.

كما قال: «أغلبنا يتجنب الحديث عن الموت، أملاً في أن هذا سوف يجعلنا نتجنبه بطريقة ما. ونعتقد جميعاً أننا سوف نكتشف طريقة، ولكن فجأة تظهر بعض المؤشرات الكبرى التي  تذكرنا بالمسار الذي تتخذه الحياة، فترسخ الحقيقة في الذهن بأننا غير مخلدين».