من التحرّش إلى القتل.. أرقام مرعبة للمعنفات في مصر

استنفار مؤسسي لمكافحة ظاهرة العنف ضد النساء
الختان يعتبر أحد أشكال العنف في مصر

القاهرة: في إطار حملة مناهضة العنف ضد المرأة بكل أنواعه وأشكاله، أطلقت مصر برنامجاً لتنفيذ خطط ورؤى توعوية، تساهم في وقف العنف ضد نساء مصر، حيث يعتبر العنف ضد المرأة أحد أكثر الجرائم التي تحاول الدولة، وكافة المنظمات الحقوقية والنسوية التصدي لها، لا سيما أنها أصبحت ظاهرة تتزايد، إلى أن وصلت إلى جرائم قتل هزت المجتمع المصري.

وتأتي هذه الحملة ضمن الحملة الدولية السنوية التي تمتد لمدة 16 يوما، والتي انطلقت في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) في اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، وتستمر حتى 10 ديسمبر (كانون الأول)، حيث الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان.

 

ثلث النساء معنفات

بحسب البيان الذي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، فإنّ 736 مليون امرأة في كافة أنحاء العالم تعرضن في حياتهن للعنف البدني أو العنف الجنسي أو الاثنين على يد الزوج أو غيره، أي بواقع امرأة من كل ثلاث نساء.

وأوضح البيان أن واحدة من كل 4 نساء شابات تتراوح أعمارهن بين 15 و24 عاما قد تعرضت بالفعل للعنف ببلوغها منتصف العشرينات من عمرها، وأن 27 في المائة من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاما واللواتي سبق لهن الزواج يفدن بأنهن يتعرضن لشكل معين من أشكال العنف البدني أو الجنسي أو الاثنين معا على يد الزوج أو غيره.

كما أن 71 في المائة من جميع ضحايا الإتجار بالبشر في العالم هن من النساء والفتيات، و3 من كل 4 من هؤلاء النساء والفتيات يتعرضن للعنف الجنسي، وأن 6  في المائة من نساء العالم يبلغن عن تعرضهن للعنف الجنسي من قبل شخص آخر غير الزوج، ونظرا إلى ارتفاع مستوى عدم الإبلاغ المرتبط بالعنف الجنسي، فمن المرجح أن يكون الرقم الحقيقي أكبر بكثير.

 

مؤشرات التعبئة العامة والإحصاء

كان من ضمن المؤشرات التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مجموعة من المؤشرات الإحصائية للعنف ضد المرأة وفقا لنتائج مسح صحة الأسرة المصرية عام 2021. 

وجاءت أهم مؤشرات العنف من قبل الزوج للسيدات المتزوجات حاليا والسابق لهن الزواج في الفئة العمرية (15- 49 سنة) وفقا لما يلي:

 - 31 في المائة من النساء المتزوجات حاليا والسابق لهن الزواج تعرضن لنوع من أنواع العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي على يد أزواجهن خلال عام 2021. 

 -  22.3 في المائة من النساء المتزوجات حاليا والسابق لهن الزواج تعرضن للعنف النفسي من قبل الزوج خلال عام 2021. 

- حوالي ربع النساء (25.5 في المائة) من المتزوجات حاليا والسابق لهن الزواج تعرضن للعنف الجسدي من قبل الزوج خلال عام 2021. 

- 14.2 في المائة نسبة البنات في الفئة العمرية (0 - 19 سنة) اللواتي تم ختانهن. 

- تنخفض نسبة المختتنات عام 2021 مقارنة بعام 2014 بحوالي 7 نقاط مئوية.

 -  27 في المائة فقط نسبة البنات المتوقع ختانهن في الفئة العمرية (0 -19 سنة) عام 2021، مقارنة 56.3 في المائة عام 2014.

 

جهود حكومية لحماية النساء

وبحسب الخبراء الذين تحدثوا لـ«المجلة» فإنهم أجمعوا على إدانة العنف ضد المرأة وأشادوا بمجهودات الدولة في مواجهة قضايا العنف ضد المرأة، الذي يعد آفة مجتمعية وسمة من سمات العنصرية والتمييز.

الدكتور فؤاد بدراوي أستاذ علم النفس والصحة الأسرية في جامعة قناة السويس، يدين في تصريح خاص لـ«المجلة»، كل أنواع العنف ضد المرأة، مشيرا إلى أن المرأة أكثر تحضراً وإنسانية من الرجل، رغم النظرة الدونية لبعض الرجال إليها، وأوضح أن العنف ضد المرأة يتخذ 3 صور وأخطرها العنف النفسي، وأن إيذاء الإنسان أو الحيوان هو سلوك غير إنساني ويصل فى بعض الأحيان إلى السلوك الإجرامي، حيث وصلت إلى حد نسب هذا السلوك إلى العنصرية.

وأضاف بدراوي، أن كثيرين ممن يمارسون العنف ضد المرأة يمارسونه من قاعدة عنصرية، موضحاً أن من يقوم بضرب امرأة سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ينظر إلى المرأة على أنها أدنى وأقل من الرجل، وأنها كائن منحرف السلوك.

ولفت أستاذ علم النفس والصحة الأسرية، إلى أن هناك عنصرية واحتقارا للمرأة، وهو أهم سبب يؤدي إلى ضرب المرأة، والذين ينظرون إلى المرأة نظرة دونية إنما ينظرون نظرة مخالفة تماما لحقيقة المرأة، لأن المرأة أكثر تحضرا وأكثر إنسانية من الرجل فهي من تعتني بالكائن البشري.

وتابع بدراوي أن الدولة المصرية تؤمن بدور المرأة وحقها في أن تحيا بسلامة وكرامة، ولهذا خصصت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، محورها الرابع للقضاء على الظواهر السلبية التي تهدد حياة المرأة وتؤثر عليها في المشاركة الفعالة في جميع المجالات، كما قامت بتعزيز حماية المرأة من العنف والتمييز من خلال عدد من الإجراءات والمبادرات حيث قامت الدولة المصرية بجهود حقيقية ترجمت إلى واقع ملموس على الأرض، كان منها:

- إنشاء 27 وحدة  لمناهضة العنف والتحرش في الجامعات المصرية، بهدف زيادة توعية الفتيات بأهمية عدم السكوت عن أي تحرش أو عنف يتعرضن له، بجانب 8 وحدات استجابة طبية بعدد من المستشفيات الجامعية، للتعامل مع سيدات تعرضن للعنف.

- إطلاق خطة وطنية للقضاء على تشويه الأعضاء التناسلية (2022-2026) والتي تهدف إلى خفض معدلات الختان وتفعيل التشريعات التي تجرمه، وتشديد العقوبات الخاصة بختان الإناث ورفعها من جنحة إلى جناية، كما إطلاق الحملـة الوطنيـة لمناهضـة ختـان الإناث كحملـة توعويـة مسـتمرة.

- استهداف النساء المعنفات في الريف من خلال توفير الإقراض عبر بنك ناصر الاجتماعي، وتدريب النساء على الشمول المالي، والاهتمام بالأسر المنتجة.

- إطلاق حملة في جميع المحافظات المصرية بمشاركة الجمعيات النسوية ومنظمات المجتمع المدني للتعريف بمخاطر العنف ضد المرأة ولدعم مناهضة العنف ضدها.

تعالج بعض الفتيات من آثار الختان

الختان شكل من أشكال العنف

وتابع بدراوي مشيراً إلى دور وزارة التضامن الاجتماعي، في تخصيص مراكز متكاملة لاستضافة المرأة التي تعرضت لأي من أنواع العنف الأسري، لحماية النساء من ضحايا العنف، من خلال توفير الإيواء والرعاية والتأهيل والتمكين لدعم أي امرأة تمر بظروف اجتماعية أو عائلية صعبة، وتحتاج إلى دعم ومساندة وتمكين نفسي واجتماعي وثقافي ومهني، كما جرى رفع سن الذكور في اللائحة التنفيذية لمراكز استضافة المرأة المعنفة من 10 سنوات مع أمهاتهم إلى 12 عاما ليحصل الطفل على كفايته من الرعاية.

وأضاف أستاذ علم النفس والصحة الأسرية موضحا أن الممارسات التقليدية الضارة ضد الفتاة، أمر بالغ الضرر، حيث يعد ختان الإناث أحد أنواع العنف، وهو من العادات المنتشرة بصورة كبيرة في مصر بالرغم من الجهود المبذولة منذ التسعينات إلا أن تلك الظاهرة ما زالت مستمرة. وأشار بدراوي إلى أنه وفقا لمسح صحة الأسرة المصرية 2021 أظهر انخفاض نسبة الختان بشكل كبير بين الفتيات، حيث انخفضت نسبة المختتنات عام 2021 مقارنة بعام 2014 بحوالي 7 نقاط مئوية.

 

مبادرة قومية لمواجهة العنف ضد المرأة

وعن مختلف المبادرات التي تبنتها الحكومة المصرية بالمشاركة مع كافة المنظمات الحقوقية والمدنية أوضحت المحامية والحقوقية نورا نبيل في تصريح لـ«المجلة» أنه تم إصدار أول كود إعلامي لتناول قضايا المرأة في وسائل الإعلام، وإطلاق حملة «ما تسكتيش» بالطرق السريعة وإعلانات مسموعة ومرئية، لتشجيع الإبلاغ عن التحرش.

وأضافت نبيل إلى أنه بالتوازي مع ذلك تم إطلاق حملة «حياتك محطات.. ماتخليش محطة توقفك»، برسائل عن تنظيم الأسرة، والتحرش، والزواج المبكر، وحملة "السكة أمان" بعدد من محطات السكك الحديد، بفيديوهات وفرق ميدانية من المتطوعين، للتوعية بأشكال العنف ضد المرأة، بجانب حملة «اتكلمي..احمي نفسك وغيرك»، لزيادة الوعي بالمخاطر الإلكترونية، وسبل الإبلاغ عن العنف الرقمي، ومبادرة «كوني» لمواجهة ظاهرة العنف ضد المرأة ورفع الوعي، وخلق رأي عام مساند في كل مكان، لإحداث التغيير ومناهضة كل أشكال العنف الموجهة ضد المرأة.

وأشارت نبيل إلى مبادرة أخرى أطلقتها وزارة الاستثمار والتعاون الدولي، وهي مبادرة قومية لمواجهة العنف ضد المرأة في المواصلات العامة، وكانت أول وأكبر مبادرة من نوعها في مصر والمنطقة العربية تجمع شركاء محليين ودوليين.

 

أكثر من 5 ملايين معنفة سنوياً

وعن الجرائم وأشكال العنف المرتكبة ضد المرأة، قال المحامي والحقوقي محمد أبو ضيف في تصريح خاص لـ«المجلة» إن حالات العنف الموجهة ضد النساء موزعة على معظم محافظات الجمهورية، وهو ما يعني انتشارها جغرافيا، حيث انقسمت ممارسات العنف ضد المرأة وفقا لنوعية الجريمة.

وتابع أبو ضيف أن حالات القتل والشروع في القتل تأتي في مقدمة القائمة، تليها جرائم الضرب والتحرش والابتزاز والاغتصاب، كما وجد ان الاتجاه السائد نحو ممارسات أكثر عنفا ودموية تجاه المرأة يوجد في الجرائم الناجمة عن الخلافات الأسرية.

وأضاف المحامي والحقوقي أبو ضيف لـ«المجلة» أن هناك  حوالي 5 ملايين و600 ألف امرأة يعانين من العنف على يد الزوج أو الخطيب سنويا، وهناك مليون و400 ألف امرأة أصبن بنوع واحد أو أكثر من الإصابات نتيجة للعنف على يد الزوج أو الخطيب، وأن مليون امرأة يتركن منزل الزوجية نتيجة العنف على يد الزوج، وذلك بحسب البيان الرسمي الذي أصدره المجلس القومي للمرأة بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وبالإشارة إلى مجهودات الدولة نحو حماية المرأة المصرية، فإنه فيما يتعلق بختان الإناث تم إصدار قانون بتغليظ عقوبات (مواد جريمة ختان الإناث) واستحداث عقوبات مستقلة للأطباء ومزاولي مهنة التمريض وعقوبات أخرى بالمنشأة كما استحدث ووسع نطاق التأثيم ليشمل صورا جديدة لتجريم كل أشكال التحريض أو التشجيع أو الدعوة لارتكاب الجريمة.

استحدثت الكثير من المراكز لإيواء الناجيات من العنف

وزارة التضامن الاجتماعي ودعم المرأة

دشنت نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي حملة الـ16 يوما لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، والتي تقام هذا العام تحت شعار «امسكوا طرف الخيط.. وشاركوا في القرار»، وتستمر الحملة حتى العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، تزامنا مع اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة.

وتأتي الحملة في إطار أنشطة برنامج «وعي للتنمية المجتمعية»، وتتم بالتعاون والتنسيق مع برنامج «تكافؤ الفرص» الممول من الحكومة الألمانية وينفذ بالتعاون مع وكالة التنمية الألمانية، وكذلك مشروع تعزيز القدرات المؤسسية لوزارة التضامن الاجتماعي والذي ينفذ بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.

وتستهدف الحملة قطاعات مختلفة، منها المواطنون الأكثر استخداما لمواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك الفئات الأولى بالرعاية من خلال تعريفهم بمنظومة الخدمات التي تقدمها الوزارة واستعراض قصص سيدات نجحن في التغلب على التحديات الاجتماعية والاقتصادية، خاصة أن الحملة تتضمن عرض مجموعة من الرسائل والمعلومات الموثقة، حول اتجاهات وممارسات العنف في المجتمع المصري والدولي والتي قام بإصدارها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.

وتقام الحملة هذا العام تحت شعار «امسكوا طرف الخيط.. وشاركوا في القرار» لتؤكد على أنه بمقدور أي فتاة أو سيدة أن تواجه العنف بكافة أشكاله الاجتماعية والاقتصادية، إذا عرفت حقوقها وعرفت كيف يمكنها التغلب على العقبات التي تواجهها، ووقتها يمكنها أن تبدأ في الإمساك بالحل، وأن تساعد غيرها في النجاة من العنف، والمشاركة في اتخاذ القرارات التي تخصها، ومن ثم المشاركة في كل مناحي الحياة.

وأكدت وزيرة التضامن الاجتماعي أن الوزارة تدعم سيدات مصر البطلات والمثابرات، خاصة أن المرأة المصرية تعد حجر الأساس لاستقرار الأسرة في كافة الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة سواء كانت امرأة ريفية أو حضرية أو بدوية، مشيرة إلي أن حملة وزارة التضامن الاجتماعي تركز علي قضايا السيدات الأولى بالرعاية مثل العنف ضد الفتيات اليتيمات وضد السيدات اللاتي يعانين من مستوى تعليمي واقتصادي محدود، والسيدات المطلقات، والمرأة ذات الإعاقة، وكبار السن، خاصة أن الوزارة تقدم خدماتها لأكثر من 60 في المائة من تلك الفئات تحت مظلة برامج الرعاية والحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي للمرأة.

وأضافت القباج أن العنف ضد المرأة له وجوه متعددة، بما يشمل ختان الإناث والزواج المبكر والاتجار بالبشر ومواجهة الاستغلال الاقتصادي للمرأة والعنف ضد السيدة المسنة، وكذلك حرمان الطفلة من حقها في التعليم والصحة.

وأفادت وزيرة التضامن الاجتماعي بأن الرائدات الاجتماعيات هن سفيرات وجنود الوزارة في الميدان وفي جميع أنحاء الجمهورية بما يشمل القرى والنجوع والمناطق الحضرية والنائية وأنهن شريكات في مكافحة جميع أشكال العنف ونقص الوعي بكثير من القضايا التي يؤدي التصدي لها إلى نهضة المجتمعات المحلية، ومن المخطط أن تقوم الرائدات بعقد ندوات للتوعية بأهداف الحملة على مدار شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول)، داعية كافة الفئات لتطبيق السلوكيات الإيجابية بعد المشاركة في الحملة، من أجل تكوين مناخ ثقافي واجتماعي داعم لقضايا مناهضة العنف ضد الفتاة والمرأة.

 

 


مقالات ذات صلة