القطاع الخاص في لبنان يخوض معركة الاستمرار

الفراغ الرئاسي وحكومة تصريف الأعمال يزيدان الأوضاع تدهوراً
مجلس النواب اللبناني فشل في انتخاب رئيس

بيروت: يرى مراقبون أنّ الفراغ الرئاسي قد يؤثر بشكل متفاوت على الوضع الاقتصادي العام، لأن لبنان سبق وعاش هذه المرحلة من قبل، وشهد الجلسات الفلكلورية لمجلس النواب، إلا أنّ الاختلاف اليوم يكمن في أنّ لبنان يعيش أصعب أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية في تاريخه، وهو يتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرضٍ مالي، والجهات الدولية عادة تتفاوض مع سلطة كاملة وليس مع أحزاب او تجمعات سياسية ما يحتم وجود سلطة كاملة ومتكاملة.

ومع أن اجتماعات وفود صندوق النقد مع الحكومة مستمرة على الرغم من أنها حكومة تصريف أعمال، إلا أنّ المشكلة ستقع في حال توصل لبنان إلى اتفاق مع الصندوق في الوقت الضائع، أي في فترة الفراغ الرئاسي والحكومي حيث من المستبعد حينها أن يتم صرف الأموال لأنها تُسلّم إلى وزير أصيل للمال وليس إلى وزير مالية في حكومة تصريف أعمال، كما أن الدستور اللبناني يفرض على أي اتفاق مع جهات دولية أن يتم التوافق عليه من قبل مجلس النواب، ومع أن الجسم التشريعي حاليا في لبنان مكتمل ويمكنه سن القوانين، إلا أنّ الآلية التنفيذية وتوزيعها على الوزراء ستكون متعثرة في ظل وجود حكومة تصريف أعمال.

والمفارقة أن الخبراء يستبعدون أن يتأثر وضع القطاع الخاص بنسبة كبيرة بالفراغ، لأن هذا القطاع هو الذي يحمل الاقتصاد اللبناني، وقد أثبت قدرته على التأقلم وسيسير في هذا التوجه بغض النظرعن شكل السلطة السياسية، كما أثبت قدرته على الصمود والتأقلم مع المتغيرات الاقتصادية خصوصاً أن الجزء الأكبر من القطاع الخاص أصبح «مدولراً».

فكيف ترى القيادات القطاعية والخبراء الاقتصاديون واقع العجلة الاقتصادية في لبنان بعد مرور أكثر من شهر على الفراغ الرئاسي، ومرور ستة أشهر على وجود حكومة لتصريف الأعمال بعد فشل تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات النيابية التي جرت في شهر مايو (أيار) الماضي، بسبب فشل الأفرقاء السياسيين في الاتفاق على تقاسم الحصص.

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور بلال علامة

القطاع الخاص الخاسر الأكبر

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور بلال علامة يؤكد في حديثه لـ«المجلة» أنّ معظم دول العالم اعتمدت في  أنظمتها الاقتصادية خياراً من اثنين «إما النظام الاقتصادي الذي تلعب الدولة فيه الدور الرئيسي في ملكية وسائل الإنتاج والتحكم أي الاقتصاد الموجه، أو اقتصاد السوق أي الاقتصاد الحر المتفلت من القيود الحكومية مقابل تعزيز المنافسة الحرة مثل النظام اللبناني».

ويؤكد علامة أنّ ما بين النموذجين «من المهم التركيز على أن القرن الواحد والعشرين قد ركز على اعتبار القطاع الخاص ليس فقط قطاع أعمال، إنما أيضاً قطاع للتنمية المستدامة، لأن معظم الأدبيات المعاصرة تؤكد على أهمية القطاع الخاص في التنمية، كشريك تنموي أساسي يلعب أدواراً في تفعيل الاقتصاد الوطني والمحلي وتطوير إنتاجيته، وخلق فرص العمل وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين».

وبرأي علامة فإنّ «لبنان يمرّ منذ 4 أعوام، بانهيار اقتصادي غير مسبوق يبدو أن لا نهاية له. لكن القطاع الخاص، الذي لطالما اعتمد عليه البلد، قادر ومستعدّ لأخذ زمام المبادرة في إعادة لبنان إلى المسار الصحيح لتحقيق التعافي السريع والازدهار والتميّز والانفتاح على العالم. فالقطاع الخاص يشكّل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وأحد مصادر التمويل الأساسية لإيرادات الدولة، وهو طالب ويطالب بالأمن الاقتصادي، والعدالة، والاقتصاد الشرعي، والتعافي المالي، والدولة اللامركزية الحديثة، والأمن الغذائي، والمنتجات المحلية، والرعاية الصحية، وبناء القدرات، والاستدامة».

واعتبر أنّ «عجز الدولة المزمن عن تحمّل أعباء الإنفاق الاستثماري اللازم بسبب تراكم الدين العام، انعكس سلبًا على قدرة الدولة في تأمين الخدمات العامة ولا سيّما الأساسية منها، كالكهرباء والنقل العام، وهذه الحالة خبرتها دول عديدة واستطاعت تخطّيها من خلال اللجوء إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل مشاريع بنى تحتية ذات منفعة عامة، وتنفيذها وإدارتها، لأنّ نجاح أي رؤية استراتيجية على المستوى الاقتصادي العام تحتاج إلى ظروف وبيئة حاضنة وأدوات تساعد على تحقيق أهداف هذه الرؤية، لذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة لمتطلبات نجاح هذا الأسلوب».

وتابع علامة «من الطبيعي أن يكون القطاع الخاص الخاسر الأكبر في استمرار التدهور واستفحال الانهيار لا سيما وأن حجم التضخم قد أصاب في مقتل قدرة القطاع الخاص على الاستمرار والتقدم، في ظل ارتفاع الأكلاف بشكل كبير وانعدام التقديمات والمساعدة الحكومية وبأقل تقدير غياب الخدمات الأساسية المتوجبة على الدولة، وأولها الطاقة وسلة التحفيزات المتوجبة للقطاع الخاص وتطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي أقر عام 2018 وما زال حبراً على ورق».

ويشير علامة إلى أنّه «خلال العامين الأخيرين كان معظم القطاع الخاص يناضل ويكافح، في ظل ترقب القرارات الحكومية المتعلقة بكيفية مساعدة القطاع الخاص على الاستمرار وتحقيق التقدم. غابت القرارات الحكيمة وترك الأمر للقضاء والقدر وكانت النتائج والانعكاسات السلبية تفعل فعلها مزيداً من الانكماش والتدهور في حركة هذا القطاع، فكيف إذا وصل الأمر بالتركيبة السياسية في لبنان إلى شغور على مستوى الرئاسة الأولى وحكومة تصريف أعمال غير قادرة إذا لم نقل عاجزة كلياً عن اتخاذ القرارات الأساسية والضرورية لإنقاذ القطاع الخاص ونشاطه ولتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص» .

وسأل علامة عما سيحدث في حال طال عمر الشغور الرئاسي وانعدمت فرص تشكيل حكومة جديدة؟

فبرأيه أن الانكماش والتدهور سيتضاعفان بما يصيب القطاع الخاص بشكل مباشر فيؤدي هذا الى إقفال مزيد من الشركات والمؤسسات العاملة، وقد يؤدي هذا الاقفال الى أن تنخفض الإيرادات الحكومية إلى النصف تقريباً في 2022 لتصل إلى 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهي ثالث أقل نسبة على مستوى العالم بعد الصومال واليمن. وكان انكماش النفقات الاسثمارية أكثر وضوحاً، لا سيما في الإنفاق الأساسي التنموي الذي شهد تخفيضات جذرية، الأمر الذي عزَّز دوامة الانكماش الاقتصادي.

ويتساءل علامة ايضاً ما هو المصير الذي ينتظر منظمات القطاع الخاص في ظل الشلل السياسي الذي يصيب لبنان في هذه المرحلة؟ وأي مصير أسود ينتظر الاقتصاد اللبناني والمالية العامة في حال موت القطاع الخاص وانعدام فرص نهوضه من جديد؟

سؤال لا يمكن الإجابة عليه، إلا إذا أدركت السلطة السياسية أهمية القطاع الخاص ودوره في التنمية المستدامة وفي تعزيز إيرادات الدولة وفي تنشيط الاقتصاد بشكل عام عبر الذهاب إلى قرارت ضرورية جريئة وإصلاحات فورية وإلى وضع قانون الشراكة مع القطاع الخاص موضع التنفيذ فوراً ولكن قد تبدو السلطة بكل مكوناتها الرئاسية والتنفيذية والتشريعية عاجزة عن اتخاذها خاصة أن تركيبة السلطة السياسية باتت بحاجة إلى قرارات ضرورية إنقاذية هي بمثابة المعجزة في زمن انتفت فيه المعجزات.

ويختم قائلاً: «هذا هو التحليل الاقتصادي للمشكلة، فكيف تنظر القيادات الإنتاجية اللبنانية إلى الواقع الحالي؟».

رئيس نقابة المقاولين والبناء المهندس مارون الحلو

الشلل السياسي يحول دون التعافي الاقتصادي

من جانبه رئيس نقابة المقاولين والبناء المهندس مارون الحلو يقول لـ«المجلة»: «لا شك أن الشغور أو الفراغ في المنصب الرئاسي بات أمراً عادياً وليس استثنائياً في لبنان، فمنذ الاستقلال ولغاية اليوم شهدت البلاد 13 عملية انتخابية للمنصب الرئاسي؛ واجه لبنان خلالها ثلاث مرات تجربة الفراغ في أعلى منصب في الدولة اللبنانية، وكان أطولها الفترة الممتدة من العام 2014 حتى 2016».

ويضيف: «لكن النظام اللبناني الذي تمكن بكافة قطاعاته الاقتصادية والمالية والاجتماعية من التعايش سابقاً مع حالات الفراغ الرئاسي وعدم وجود حكومات مسؤولة، يواجه اليوم شللاً سياسياً مع حكومة تصريف أعمال مقيدة الصلاحيات، وانهيار اقتصادي ومالي هو الأكبر في زمن السلم، فيما الإصلاحات الاقتصادية التي يشترطها صندوق النقد الدولي مقابل المساعدات، يتطلب موافقة غالبية أعضاء حكومة أصيلة، ما يعني بروز عقبات في طريق التعافي الاقتصادي، وبالتالي التسبب في مزيد من الانهيار الاقتصادي خصوصاً بعدما تجاوزت نسبة تدهور قيمة العملة اللبنانية اليوم 90 في المائة، وبات معها الحد الأدنى للأجورلا يتعدى 65 دولاراً بحسب سعر السوق السوداء، الأمر الذي خلق ضغوطاً كبيرة على القطاع الخاص والقطاعات الإنتاجية لمواكبة التدهور الاجتماعي وغياب الطبقة الوسطى مع تخطي نسبة الفقر وفق أرقام البنك الدولي الـ80 في المائة من عدد السكان ما جعل حركة الهجرة هي السمة البارزة في توجه اللبنانيين».

ويتابع: «لهذا أصبح الواقع المالي والاقتصادي يشكل خطراً كبيراً على إمكانية عودة الاستثمارات إلى لبنان، ما يعني زيادة كلفة التعافي وإضاعة الفرص والوقت للنهوض من الانهيار الذي ضرب مفاصل الإقتصاد العام».

وعن الحديث عن رفع الحد الأدنى للأجور ما بين 15ــ20 مليون ليرة وفق الاتحاد العمالي العام، يقول الحلو إنّ ذلك سيؤدي بالتزامن مع تباطؤ إنتاجية الشركات في القطاع الخاص إلى مزيد من البطالة.

نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين جورج نصراوي

الحلول تحتاج إلى توافق سياسي

بدوره نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين جورج نصراوي يعتبر أنّ «تاثير الشغور الرئاسي وحكومة تصريف الأعمال صعب من دون شك بالنسبة إلى قطاع الإنتاج أي الصناعة، إذ إن لدينا كلفة إنتاج مرتفعة من جراء سعر الطاقة وهذا ينعكس علينا بالتصدير حيث المنافسة شديدة من بعض الدول التي تدعم إنتاجها، خاصةً الدول المحيطة بنا مثل سوريا والأردن ومصر وتركيا، كما أن تسعيرة الكهرباء الجديدة التي وضعتها مؤسسة كهرباء لبنان، وموضوع صندوق الضمان الاجتماعي والجمارك وتجهيزاتها وغيرها من القرارات التي لا يمكن حلها إلا بوجود هيكلية كاملة من رئاسة الجمهورية إلى مجلس وزراء إلى مجلس نواب لتحديد تشريع القوانين، والأهم وضع المصارف هذا جزء من المعوقات التي يمر بها لبنان والتي يصعب حلها لعدم التوافق السياسي».

وعن الحلول يقول: «المطلوب رئيس بتوافق أكثرية الأطراف بمساعدة دولية وإلا الفراغ طويل».

ويختم نصراوي: «طبعًا ما ذكرته هو ملخص للمشاكل الموجودة إنما من الضروري انتخاب رئيس لتنفيذ الإصلاحات، ولا ننسى أن لبنان أصبح على خريطة الدول المنتجة للنفط، الأمر الذي يعطي الثقة إلى صندوق النقد الدولي وغيره من الدول التي بمكنها تقديم الدعم والقروض إلى لبنان».

رئيسة جمعية السيدات القياديات مديحة رسلان

القطاع الخاص يعاني من هجرة الخبرات

أما رئيسة جمعية السيدات القياديات مديحة رسلان فتعتبر أنّ «عدم وجود رئيس جمهورية أمر غير طبيعي، ومن المؤسف أن يفشل النواب في اختيار رئيس جديد لأن هذا الواقع يضر البلد بأسره والقطاع الخاص بشكل مباشر، ويؤثر على سمعة لبنان أمام المجتمع الدولي والعالم العربي، ويعطي انطباعاً بأن الثقة مفقودة كما وينعكس سلباً على القطاع السياحي ويؤثر على حركة التصدير البطيئة أصلاً».

وتضيف: «لا يكفي أن يكون هناك استقرار أمني فقط، بل يجب أن يصحبه استقرار سياسي لما له من تأثير على الأعمال والاستثمارات، خاصة أن عملية الإصلاحات التي كنا ننتظرها منذ قبل الأزمة التي تأججت عام 2019 مجمدة. فعدم تطبيق تلك الإصلاحات يؤثر على صورة مؤسسات الدولة ويؤخر وصولنا إلى بر الأمان ويربك القطاع الخاص لناحية القيام بعمليات استثمارية في لبنان أو الخارج».

وتتابع رسلان: «أما فيما يخص الوضع الحكومي وبعد فشل السياسيين بتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات النيابية، أصبح الواقع مربكاً وهو ينذر بكارثة. تقوم حكومة تصريف الأعمال ببعض المهام الملحة لكن قدراتها التنفيذية الفعلية مكبلة. لنأخذ موضوع بث المونديال مثالاً، إذ سعى وزير الإعلام لنقل مباريات كأس العالم لكن هذه المساعي تجمدت لأن الحكومة غير قادرة على الاجتماع لاتخاذ القرار بشأن المبلغ المطلوب لعملية النقل».

وتختم قائلة: «نعتبر البلد مشلولاً بالكامل وهذا ما دفع بالكثير من سيدات ورجال الأعمال إلى التوجه نحو الخارج للعمل مع تجميد مشاريعهم الداخلية. وبالرغم من هذه المصائب، قام القطاع الخاص بتعديل أجور عماله وموظفيه فهو ليس بحاجة لقرار من الدولة. ومع ذلك لقد خسر الكثير من اليد العاملة المميزة التي غادرت البلد بعد حصولها على فرص عمل أفضل، فهذه خسارة كبيرة للقطاع الخاص وللبلد برمته».


مقالات ذات صلة