الشتاء في سوريا.. توقعات ببردٍ قاسٍ في ظل بدائل وقود خطرة

نصف الشعب السوري معرّض للخطر بسبب الصقيع
أطفال سوريا يعانون الصقيع وسط انعدام وسائل التدفئة

دمشق: «لا جديد، والوضع يزداد سوءاً، ولم يحقق شيئاً للمواطن ومعيشته، وبالتالي يجب أن يعطي الفرصة للآخرين»، تلك كانت أحد مطالبات النائب البرلماني ناصر يوسف الناصر، عضو مجلس الشعب السوري في بداية العام الجاري باستقالة رئيس الوزراء، فما يزال الوضع في سوريا يزداد سوءاً دون وجود أي حلول حكومية، لا سيما مع بداية فصل الشتاء الذي توقعت الأمم المتحدة أن يكون الأقسى على الشعب السوري منذ سنوات، ومع غياب الوقود عن البلاد، تبدأ معاناة الشعب السوري في البحث عن حلول بدلاً من الحكومة ليعبروا هذا الفصل بسلام، حتى لو كانت تلك الحلول لا تسمن، ولا تغني من جوع.

شح في المشتقات النفطية
أعلنت وزارة النفط والثروة المعدنية في سوريا عن بدء التسجيل على مادة المازوت يوم 14 سبتمبر (أيلول) الماضي، من العام الجاري، بسعر 500 ليرة سورية للتر الواحد، بحيث لا تتجاوز الكمية 50 لترا للأسرة الواحدة، بعد أن كانت المخصصات للعائلة الواحدة 200 لتر، حيث وصل سعر اللتر الواحد من المازوت في السوق السوداء 8000 ليرة سورية أي ما يقارب الدولار ونصف الدولار للتر الواحد، وتحتاج العائلة الواحدة إلى 400 لتر مازوت كحد أدنى للخروج من فصل الشتاء دون التفكير في وسيلة تدفئة أخرى، أي يحتاج المواطن إلى مليونين و800 ألف ليرة سورية ثمناً للمازوت الشتوي الحر، فيما أوضح خبير النفط السوري عبد القادر عبد الحميد أن «سوريا تعاني من شحّ في المشتقات النفطية، وذلك بعد انخفاض إمدادات إيران للبلاد»، وحسب عبد الحميد فإن استهلاك سوريا للنفط يومياً لا يقل عن 150 ألف برميل، في حين يتم إنتاج 30 ألف برميل، ويتم استيراد 20 ألف برميل، أي إن العجز يصل إلى 100 ألف برميل.

مدافئ ذاتية
عز الدين البوشي أحد المواطنين في سوريا، يتحدث لـ«المجلة» عن معاناته مع فصل الشتاء ومتطلباته في سوريا، يقول: «مخصصات المازوت الحكومي للعائلة لا تكفي تدفئة عائلتي لشهر واحد على الأقل، حيث أصبحت الـ50 لترا لا تعني شيئاً، نحن بـ200 لتر وكنا نحتاج لشراء الحر، فكيف إذا كانت ربع الكمية فقط، مما دفعني للتفكير بمدافئ الحطب التي باتت تكلف اليوم ما يقارب مليون ليرة للطن الواحد من خشب الكينا، وهو الأرخص سعراً في السوق، هذا إن وجد، فصرفت تفكيري بهذا البديل فوراً لأنه غير متوفر بشكل مستمر، ويحتاج البحث، وليس لدي الوقت الكافي لذلك»، وعن البدائل الأخرى يقول البوشي: «انتشرت في الآونة الأخيرة بسوريا مدفأة تعمل على السبيرتو، وتكلفتها منخفضة حيث تتوفر بسعر 100 ألف ليرة سورية، إلا أنها خطرة، ربما ألجأ للمدافئ الذاتية والتي تتمثل في الجري، أو البقاء تحت كومة من الحرامات ريثما ينتهي الشتاء، ونستيقظ من السبات الشتوي».

توقعات بأن يكون الشتاء الحالي الأقسى على الإطلاق

عجز بـ200 مليون دولار
أعلن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (أوتشا) عن قلقه حول الشتاء في سوريا، حيث أوضح أنه سيكون أقسى فصل يمر على سوريا منذ سنوات، نسبة لانقطاع الكهرباء، وشح الوقود في المنطقة، مما قد يعرّض نصف الشعب السوري للخطر، وأشار المكتب إلى احتياج ما يقارب 6 ملايين من السوريين إلى المساعدات في الشتاء، ليستطيعوا تجاوز قساوة البرد، وخصوصاً في المناطق المرتفعة في سوريا، لا سيما بعد انقطاع التمويل في وجه المساعدات الإنسانية من أجل سوريا، والتي لم يخصص لها سوى 26.6 في المائة من المال اللازم، وعبر مؤتمر صحافي في نيويورك صرّح ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بأن: «هناك حاجة ماسة لـ200 مليون دولار من أجل سد فجوة التمويل، والسماح للشركاء بتلبية الاحتياجات المتعلقة بفصل الشتاء».

التوقيت الصيفي أحد الحلول
من تداعيات نقص الوقود في سوريا، ولأول مرّة منذ عقود، اعتمدت الدولة في بداية شهر أكتوبر من العام الجاري التوقيت الصيفي بشكل دائم كحل استباقي، وذلك من أجل الاستفادة من ضوء النهار للعمل بالطاقة الشمسية بأكبر قدر ممكن، والتقليل من استهلاك الطاقة، حيث أوضح الباحث الاقتصادي مناف قومان وهو باحث في مركو عمران للدراسات أن «فكرة اعتماد التوقيت الصيفي ليست بفكرة جديدة، فهناك العديد من الدول التي اعتمدتها في السابق، وذلك من أجل تقليل استهلاك الطاقة، وتقليص استخدام التدفئة في المؤسسات الحكومية، للحد من النفقات، حيث إن الدولة تعاني من عجز في تأمين الطاقة، مما سيسهم في تقليص الأعباء على الحكومة، إلا أن الشعب السوري يعاني من انعدام الكهرباء في البلاد بشكل شبه كامل، حيث تتم تغذية المناطق بالكهرباء لمدة ساعتين فقط في اليوم الواحد، مما دفع المواطنين للاستغناء بشكل كامل عن المدافئ الكهربائية، واعتبار حل التوقيت الصيفي لا يستفيد منه سوى المؤسسات الحكومية.

في المخيمات كما في المنازل يعاني السوريون من إيجاد وسائل التدفئة

خريطة لسعر مادة المازوت
مع حلول منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الجاري، أصدر برنامج الأغذية العالمي (WEP) نشرة أسعار لمادة المازوت في الأسواق السورية السوداء، وكان السعر الأعلى حسب الخريطة لصالح محافظة السويداء جنوب سوريا، حيث بلغ سعر اللتر الواحد 6886 ليرة سورية، أما العاصمة فقد وصل سعر اللتر فيها حسب برنامج الأغذية 6681 ليرة، وفي الريف 6412 ليرة سورية، أما محافظة الحسكة فكانت الحائزة على أدنى سعر للتر المازوت والذي وصل إلى 950 ليرة سورية مما يعني أنها ستنعم بشتاء دافئ بخلاف العاصمة وباقي المحافظات، إلا أن ربة المنزل لينا كلال في ريف دمشق كان حديثها لـ«المجلة» مخالفاً لخريطة برنامج الأغذية العالمي حيث أفصحت لـ«المجلة» عن سعر المازوت المتداول في السوق الحرة، قائلة: «لقد وصل سعر اللتر الواحد 8000 ليرة سورية، أي 160 ألف ليرة سورية لكل 20 لتر مازوت والذي يكفي لأسبوع فقط مع التقنين، مما دفعني لأن أستغني عن مدفأة المازوت هذا العام واستبدالها بمدفأة الغاز، فتكلفتها كتكلفة المازوت إلا أن إشعالها أسهل بكثير من مدفأة المازوت التي ينهمك زوجي كل شتاء في إعداد مدخنتها العاطلة عن العمل، ناهيك عن سعرها الذي يتراوح  بين 120 و300 ألف ليرة».
وعن أسعار الغاز في السوق تقول لينا: «سعر اسطوانة الغاز في السوق الحرة وصل إلى 150 ألف ليرة سورية، حصلنا عليها بكل يسر وسهولة، والأسطوانة الواحدة تكفي لمدة أسبوع وتصل إلى 10 أيام إذا كان البرد ليس بشديد جداً، أما عن سعر مدفأة الغاز فقد حصلنا على واحدة من النوع المتوسط بسعر 500 ألف ليرة سورية، هي أيضاً مرتفعة الثمن لكن وقودها متوفر، وسهل المنال، وآمن بعض الشيء، بخلاف مدافئ السبيرتو الحديثة التي تغزو السوق دون معرفة مدى أمانها».

آلية جديدة للتوزيع
اتبعت الحكومة السورية هذا العام آلية جديدة في توزيع المازوت حيث وصلت نسبة التوزيع حتى الآن إلى 43 في المائة من المناطق حسب تصريح عضو المكتب التنفيذي لقطاع التموين، والتجارة الداخلية، والصناعة في محافظة دمشق، قيس رمضان، وتتمثل هذه الآلية بتوزيع مادة المازوت على المناطق بشكل كامل، حيث يتم اختيار منطقة معينة، تُرسل إليها سيارات التعبئة، وتستمر في عملها حتى الانتهاء من المنطقة وهكذا حتى تنتهي، مما انعكس بشكل إيجابي على سرعة التوزيع، وضمان وصول المادة للعائلات قبل اشتداد فصل الشتاء عليهم، إلا أن شركة المحروقات أوضحت أن 37 في المائة فقط من العائلات التي حصلت على المازوت حتى منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الجاري، وتأتي هذه الآلية رداً عما حصل في العام الماضي من نقص في توزيع المخصصات على كثير من العائلات السورية، حيث أوضح الخبير الاقتصادي عبد القادر حصرية لـ«المجلة»: «إن مشكلة توزيع المخصصات ليست فيمن حصل عليها أم لا، فخروج المخصصات من شركة المحروقات ذلك لا يعني أنها وصلت لأصحابها، فتجار الحرب في سوريا كثر، لا سيما في هذا المجال، والذي ينشط بكثرة خلال فصل الشتاء من أجل بيعه للأسواق الحرة، وليعود المواطن ويشتري المخصصات التي لم يأخذها من تلك الأسواق، بالتالي المشكلة في القائمين على التوزيع وليس في التوزيع فقط، بالإضافة إلى أن المخصصات قليلة جداً، وليس من مهام المواطن التفكير في الحلول البديلة، كالمدافئ الحديثة والخطرة اليوم في سوريا، وإنما ذلك من مهام المسؤول الذي تم وضعه لإيجاد الحل لا العكس»، بينما طالب أحد أعضاء مجلس محافظ دمشق (لم يتم الإفصاح عن اسمه) بإقالة مدير المحروقات نظراً لتقصيره، حيث اعتبر أنه من المعيب بداية الشتاء ولم تنفذ خطة توزيع مادة المازوت بشكل كامل.

التدفئة بوسائل تقليدية

بدائل خطيرة
لم ينتظر التجار في سوريا أن تبدأ حرب وقود الشتاء في البلاد، حتى يخرجوا ببديل يختلف عما هو متداول في الأسواق، حيث انتشرت في الأسواق (صوبيا السبيرتو) والتي وقودها الكحول سريعة الاشتعال على الرغم من مخاطرها الكبيرة والواضحة، أحد أصحاب المحال التي تبيع هذا النوع من المدافئ في سوريا يقول لـ«المجلة»: «ليس صحيحا ما يتم تداوله حول مخاطر هذه المدفأة فهي آمنة، وتتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن، ويتراوح سعرها بين 100 و200 الف ليرة سورية، فيما يصل سعر اللتر الواحد من الكحول 6000 آلاف ليرة سورية قابلا للزيادة إذا زاد الطلب عليها»، إلا أنه في منتصف شهر نوفمبر من العام الجاري انتشر خبر وفاة شاب حديث الزواج وزوجته نتيجة احتراق منزلهم في منطقة عقربا بريف دمشق، والسبب في الحريق استعمال صوبيا الكحول (السبيرتو)، إلا أن الخبر بقي طي الكتمان، وما تزال هذه المدافئ تنتشر بقوة في سوريا، وما تزال الحلول السورية ذاتية يخلقها المواطن، وتغيب عنها الحكومة».