حملة «لا عرض ولا عار» في لبنان.. انتفاضة ناجيات وتعويل على التشريع

خرقٌ لجدار الصمت تحت شعار «بدنا عقوبة بحجم الجريمة»
من شعارات حملة «بدنا عقوبة بحجم الجريمة»

بيروت: خلف جدران تحكمها التقاليد والخوف من «فضيحة» تجعل الضحية أسيرة جلّاديها الذين يمعنون في قتلها نفسياً، بعد أن يتم ذبحها جسدياً تحت خانة العار والعيب، تتوالى جرائم الاغتصاب والتحرّش في بلد يجاهر بصون حقوق المرأة وحريتها المكبّلة جزئياً بقيود «التستير» على مجرمين بحجة صون الشرف، في ظل عقوبات لم تُشكّل رادعاً للمرتكبين، مصحوبة بتعاطٍ مجتمعي نمطي، مما يحول دون التعامل مع ما يحصل بحزم.
عمّقت الأزمة الاجتماعية كما الاقتصادية والسياسية خلال السنوات الثلاث الأخيرة من معاناة شريحة من النساء اختارت الصمت تجاه ما تتعرّض له من تعنيف جسدي ومعنوي، فيما بيّنت أرقام القوى الأمنية حول جرائم الاعتداء الجنسي المبلّغ عنها في لبنان عام 2022 تسجيل 37 حالة تحرّش جنسي (حوالي 4 جرائم شهرياً)، و20 حالة اغتصاب جنسي (جريمتا اغتصاب شهرياً)، و57 حالة اعتداء جنسي (حوالي 6 اعتداءات يبلّغ عنها شهرياً).
هذا الواقع دفع العديد من الضحايا والناجيات إلى كسر جدار الصمت ورفع الصوت تحفيزاّ للنساء القابعات خلف قضبان السكوت، عبر عرض قصصهنّ أمام مدخل مجلس النواب على قطع قماش ونشرها على «منشر غسيل» في إشارة رمزية إلى أن مثل هذه الجرائم ليست تابوهاً ولا مسّاً بالعرض والشرف العائلي، بل جريمة تستهدف جسد المرأة قبل أي شيء آخر، واخترنّ كتابة مواقفهن باللون الأحمر على ثياب وقطع قماش بيضاء تم تعليقها قرب البرلمان وبينها شعارات: «أريد قانوناً يأخذ لي حقي ويعاقب المغتصب»، و«العدالة للناجيات»، ضمن حملة بعنوان «لا عرض ولا عار» التي أطلقتها منظّمة أبعاد بمناسبة حملة الـ16 يوماً العالمية التي تهدف إلى إنهاء العنف ضد النساء والفتيات.

من تحركات حملة «أبعاد»

تعديل النصوص.. وتغيير في النفوس!
«بدنا عقوبة بحجم الجريمة»، عبارة تختصر مطلب الحملة ومنظمتها التي تعمل على أن يكون مقترح التعديل منصفاً لكل ضحيّة وناجية، مع التسليم بأن الاعتداء الجنسي ليس اعتداء على عرض أو شرف أحد، وإنما على الضحية وحريتها وإرادتها، ومن الضروري أن تتبدّل تلك النظرية، فتعديل النصوص أساسي، ويجب أن يترافق مع تغيير في النفوس.
وسط تعويل على السلطة التشريعية لإنصاف النساء والموافقة على التعديلات المقترحة تطالب الحملة والمنضويات فيها بتعديل الفصل السابع من قانون العقوبات اللبناني الخاص بجرائم الاعتداء الجنسي وتشديد العقوبات عليها، لتشكّل رادعاً لمنع حدوث مثل هذه الجرائم ورفع عدد سنوات السجن من 5 سنوات لعقوبة الاغتصاب إلى ما لا يقلّ عن 20 سنة، وقد تصل إلى 30 وحتّى السجن المؤبّد، بحسب حجم الجريمة.
تُطلق «أبعاد» سنوياً حملات ضد العنف تجاه المرأة، فيما لا تزال جرائم الاعتداء الجنسي في لبنان تُربط بموضوع العرض والشرف والعار، ووفق ما أكدته مديرة منظمة أبعاد، غيدا عناني، لـ«المجلة» فإنه «يتم التواصل بشكل دائم مع السادة المشرعين بمعزل عن التوجهات السياسية لأننا نؤمن بالإنسان ولأن المُشرّع هو المدخل لأي تعديل قانوني أو اقتراح قانون يصب في مصلحة حماية النساء وإنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي»، وقالت: «نحن على ثقة بأن هذا الملف بعيد كل البعد عن التجاذب السياسي، وبالتالي سيحصل على الدعم اللازم لتعديل القانون وتشديد العقوبة في حالات الاعتداء الجنسي والاغتصاب».
 أتمت «أبعاد» إعداد المقترح القانوني، وتم توزيعه على الكتل النيابية في مجلس النواب اللبناني، للحصول على أكبر عدد من التواقيع لكي يسلك المسار التشريعي لإقراره والحدّ من التعامل مع هذه الجرائم بخفّة واستهتار، كما تواصل الحملة مسيرة بدأتها منذ العام 2017، حين عملت على إلغاء المادة 522 التي تعفي المغتصب من العقاب في حال تزوج من الضحية، بغية تغيير الثقافة السائدة.

غيدا عناني

شهادات موجعة لناجيات
انتفضت الناجيات على أوجاعهن، وقرّرن بإرادة صلبة أن يُشكّلن بتجاربهنّ جسر عبور للمترددات من أجل كشف النقاب عن ممارسات مجرمين والهروب نحو برّ المحاسبة عبر فكّ أغلال فرضها المجتمع، والتسلّح بإرادة المواجهة والكشف عن المستور علّ ذلك يُسرّع في إيصال صوتهن ويُقلق مضاجع من يعتقدون أن السكوت سيستمر كما ارتكاباتهم المشينة والمخالفة للقوانين والتعاليم.
«تعرّضت للاغتصاب، وعلمت بحملي بعد خمسة أشهر من الجريمة. منعتني عائلتي من التبليغ عن المجرم بسبب خوفهم من المجتمع وتعرضت للتهديد بالقتل من شقيقي. تسبّبت هذه الحادثة لي بصدمة كبيرة، ومررت بالكثير من العوارض النفسيّة إضافة إلى الخوف والقلق الدائمين والرغبة في العزلة»، هكذا اختصرت إحدى الناجيات روايتها مع توجيهها رسالة خطّتها بوجع التجربة قائلة: «أنا اليوم أفضل، وأقول للناجيات من الاعتداء الجنسي إن التبليغ الفوري ينقذ الحياة ولو أنّني أبلغت السلطات أو الجمعيات فور حصول الاعتداء عليّ لربّما تعافيت أسرع ولكان المجرم نال العقاب الذي يستحقّه».
تحدّت ناجية أخرى وجعها، وأرادت أن تحثّ الناجيات من الاعتداء الجنسي على تبليغ السلطات المعنية وأن لا يسمحن للمرتكبين بابتزازهنّ أو تهديدهنّ، عبر قولها: «كانت لي سوابق مع المعتدي حيث قام بابتزازها إلكترونيّاً سابقاً قبل أن يقوم بالاعتداء عليها جنسيّاً»، مضيفة: «قمت بالتبليغ عنه، ولكن للأسف لم أصل إلى نتيجة لأنه شخص ذو معارف وعلاقات وقد قام أيضًا بتهديد زوجي بإيذائه حينها، لقد أثرت هذه الجريمة بشكل كبير على حياتي، وسببت لي صدمة كبيرة، وخوفا شديدا وعدم الرغبة في الحياة، حتى إنني في  بعض الأحيان كنت أفكر في إنهاء حياتي»، داعية «الناجيات من الاعتداء الجنسي إلى القيام بتبليغ السلطات المعنية فوراً وعدم السماح للمرتكبين بتهديدهنّ وابتزازهنّ وأن لا يخفن من المجتمع».
«الذنب ليس ذنبك، حاولي أن تكوني قويّة وأبلغي من تثقين بهم لمساعدتك»، بهذه النصيحة التحفيزية توجهّت ناجية من العنف الجنسي إلى اللواتي يتردّدن في التبليغ بالقول: «لم يكن لديّ أو لدى والدتي الجرأة للتبليغ عن الاعتداء، وقد أجبرتني عائلتي على الزواج من رجل يكبرني سنًّا للتستير على عرضهم، أشعر بالانزعاج عند الحديث عمّا تعرضت له ولكنني ممتنّة أن هناك من يسمعني ويدعمني وهذا مهمّ جدّاً بالنسبة لي».
في حنايا قصّة ناجية أخرى، إرادة في المواجهة وتخطي مرارة ظلم مجتمع ينبذ ضحية لا ذنب لها بما تعرّضت له، فهي لم تقم بالتبليغ عن الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له إلا بعد فترة طويلة بعد انتقالها من منطقة إلى أخرى، قائلة: «لم يكن لديّ الجرأة سابقًا  فقد كنت أخاف منه كثيراً، محيطي لم يكن داعماً وهم دائماً ما يضعون اللوم على النساء عند وقوعهنّ ضحايا لهذه الجرائم لا أتمنّى أن تواجه أية امرأة ما اضطررت لمواجهته».
تتنوّع فصول المعاناة، إلا أن مرارة الندم على التلطي خلف الخوف شكّلت دافعاً لناجية قررت أن تُسدي نصيحة قبل فوات الأوان لكل امرأة عاشت ما عاشته، فقالت: «تعرّضتُ للاغتصاب، ولم أبلّغ القوى الأمنيّة بسبب عدم امتلاكي أوراقًا قانونية، فأنا لاجئة في لبنان منذ سنين. وقد كنت أخاف من أن يتمّ توقيفي في حال توجهت إلى القوى الأمنيّة، لم أخبر أحدًا بالجريمة وأكثر ما يعذبني إلى اليوم أن الجاني لم ينل عقابه».

من تحركات حملة «أبعاد»

55 في المائة من نساء لبنان لا يُبلّغن عن الاعتداءات!
 1800 سيدة وفتاة، تراوحت أعمارهن بين 18 و50 سنة شملتهم دراسة إحصائية قامت بها «أبعاد» لتسليط الضوء على جرائم الاعتداء الجنسي في لبنان ومدى لجوء النساء اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي للتبليغ عن هذا العنف وأسباب الامتناع عن التبليغ.
شكّل «العرض والشرف» عائقاً منع 6 من أصل 10 نساء تعّرضن للاعتداء الجنسي في لبنان من التبليغ عن الجريمة، واعتبر 71 في المائة أن المجتمع يُصنّف الجريمة على أنها اعتداء على عرض العائلة، فيما رأى 74 في المائة أن الاعتداء الجنسي هو بالدرجة الأولى اعتداء جسدي ونفسي على المرأة.
وقد بيّنت الدراسة أن 5 من أصل 10 نساء تعرضن للاعتداء الجنسي لم يبلغن عن هذا الاعتداء لأن عائلاتهن رفضت بسبب العرض والشرف، فيما 6 من أصل 10 نساء تعرضت بناتهن للاعتداء الجنسي، لم يبلغن عن هذا الاعتداء بسبب العرض والشرف، و3 من أصل 10 نساء تعرضت بناتهن للاعتداء الجنسي لم يبلغن لأنه لا أحد سيصدقهن.
أكثر من 55 في المائة من اللواتي تعرضن لاعتداء جنسي لم يبلغن عنه، فيما أعلنت 84 في المائة من اللواتي لم يتعرضن لاعتداء جنسي أنهن سيُبلّغن في حال لو تعرّضن لهذا الاعتداء.
أيّدت 60 في المائة من المشاركات في الدراسة تشديد العقوبة على من يكره غير زوجه بالعنف والتهديد على الجماع  ورفعها إلى السجن المؤبد، فيما 56 في المائة اعتبرن أن عقوبة من أكره آخر بالعنف والتهديد على مكابدة أو إجراء فعل مناف للحشمة غير عادلة وأيدن رفعها إلى السجن المؤبد، أما 65 في المائة منهنّ فاعتبرن أن عقوبة من ارتكب بقاصر دون الخامسة عشرة من عمرها فعلاً منافياً للحشمة غير عادلة وأيدن رفعها إلى السجن المؤبد.
في رحلة النضال النسوي جولة معارك تتخطاها السيدات الواحدة تلو الأخرى، والرهان يبقى على وعي وتشريع يتلاقيان معاً لتخطي الحواجز وصولاً إلى مساواة عادلة في الحقوق والواجبات تماماً كما المحاسبة.