جلسة «استثنائية» لمجلس الوزراء اللبناني.. و«كباش» الخلافات يعصف بالبلاد

بين البنود «الملحّة» والسجال حول الصلاحيات
الجلسة الاستثنائية لحكومة تصريف الأعمال

بيروت: تتوالى فصول الاشتباكات المستمرة بين مختلف الأفرقاء السياسيين مع دخول لبنان في الفراغ، فالصراع تحت «راية الصلاحيات»، مع عدم وجود رئيس للبلاد وفي ظل حكومة تصريف أعمال محدودة السلطات ومجلس نيابي منقسم بحكم التباينات، يشرع الأبواب حول تعطيل إضافي تجلّى بالتجاذبات التي عصفت بجلسة مجلس الوزراء الاستثنائية الأخيرة.
عقد المجلس جلسته برئاسة نجيب ميقاتي، بعد اكتمال النصاب وحضور17 وزيراً من أصل 24، في أول اجتماع لحكومة تصريف الأعمال بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون منذ شهرين، وسط اعتراض وزراء محسوبين على التيار الوطني الحر الذين «اعتبروا أن الدستور لا يسمح لحكومة تصريف الأعمال أن تستلم صلاحيّات رئيس الجمهورية، وهي فاقدة للصلاحيات الدستورية وللثقة البرلمانية».
وعلى الرغم من الجدل الحاد الذي سبقها حول دستورية انعقادها أو عدمه، فإن ما نتج عنها يؤشر إلى مواجهة محتدمة، ليس فقط بين الطرفين الأساسيين؛ أي ميقاتي، ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، بل أيضاً بين التيار وحلفائه، وخصوصاً حزب الله وحزب الطاشناق، فالجلسة التي التأمت بنصاب أمّنه حضور وزير الصناعة جورج بوشكيان (المحسوب على الطاشناق الذي برر ذلك لاعتبارات شخصية ثم تم فصله من كتلة نواب الأرمن) وبمشاركة وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار (المحسوب على التيار والذي شارك لتسجيل موقف فريقه الاعتراضي)، عمّقت من التوتر القائم، بين الفريق القائل بعدم جواز أن تقوم حكومة مقام رئيس الجمهورية وتمارس صلاحيات خلافاً للدستور، وبين الفريق المتمسّك بأن ضرورات الناس توجب انعقاد مجلس الوزراء، فيما يمارس الطرفان لعبة تسجيل النقاط سياسياً، مع الإمعان في التغاضي عن مسألة جوهرية تكمن في التوصل إلى توافق لانتخاب رئيس للبلاد ينقذها مع شعبها من أتون معاناة مرجحة بالاستمرار في خضم التجاذبات الحاصلة وتقاذف المسؤوليات.
كانت حكومة ميقاتي تقوم بمهامها على أنها حكومة تصريف بحكم كونها مستقيلة دون انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إليها جدياً عملاً بالمادة 62، إلا أنه باجتماعها الأول أضحت حكومة تمتلك القدرة في أن تجتمع في أي وقت وأن تتخذ قرارات تحكمها الضرورة، بشرط تأمين نصابها السياسي قبل الدستوري.
أعلن ميقاتي أن «مجلس الوزراء انعقد تحت سقف الدستور اللبناني، والنظام الداخلي لعمل مجلس الوزراء، وأقرّ معظم بنود جدول الاعمال»، وشدّد على أن «مجلس الوزراء قام بدوره كاملاً حسب الأصول، والمطلوب فصل السياسة عن العمل الحكومي لخدمة أمور الناس ومعالجة الملفات التي تهمّ المواطنين»، قائلاً: «كلنا في خدمة هذا البلد، ونتعاون لتمرير هذه المرحلة الصعبة جداً، نحن ماضون في تحمل مسؤولياتنا مهما كثرت والجلسة استثنائية والأكثر من استثناء هو الملف الطبي الذي كان شرارة عقدها، وهو المتعلق بحقوق مرضى السرطان وغسيل الكلى».
أنجزت الجلسة مهمتها بإقرار البنود الملحّة، فتمت الموافقة على طلب من مصرف لبنان بتسديد مبلغ 35 مليون دولار لشراء الأدوية وحليب الأطفال، كما أقر المجلس المساعدة الاجتماعية للعسكريين والمتقاعدين بما يقدر بضعفي الراتب، والموافقة على تحويل مبلغ 26 مليون دولار من حسابات وزارة الاتصالات لصالح هيئة «أوجيرو»، وسط تساؤلات عمّا ستحمله المرحلة المقبلة من تداعيات ناتجة عن تلك الخطوة التي أحدثت شرخاً إضافياً على الساحة الداخلية اللبنانية، خصوصاً بعد أن أعلن باسيل موقفاً تصعيدياً ضد الحلفاء قبل الخصوم، معتبراً أن الشراكة عندما تنكسر تصبح عرجاء سواء كانت وطنية أم حزبية.

كيدية سياسية.. و«لعب» على حافة الهاوية
توحي كل المؤشرات بأن ما بعد الجلسة ليس كما قبلها، إذ لم يتم التوقّف أمام البنود التي تمّ إقرارها، وكان التعامل معها على أنها خارطة طريق لمسار العلاقات السياسية بين المتنازعين على الاستحقاقين الرئاسي كما الحكومي، ما فتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات وخلط الأوراق، فبات البلد باصطفافاته وانقساماته في مهبّ أزمة أكبر، وفي الإطار اعتبر النائب في البرلمان اللبناني بلال عبد الله عبر «المجلة» أن «الموضوع أُعطي أبعاداً سياسية وأحياناً طائفية للأسف، في الوقت الذي هو مرتبط بأمور حياتية ملحّة»، مشيراً إلى أن «ميقاتي التزم بعدم اللجوء إلى مجلس الوزراء طالما هو قادر على تسيير الأمور عبر اللجان الوزارية واللقاءات، ولكن عندما طرأت بعض البنود التي تتطلّب انعقاد مجلس الوزراء وتحتاج إلى ترتيبات مالية، وخصوصاً الملف الصحي، ما اضطره إلى عقد جلسة».
وأوضح أن «الحملة على الجلسة والذهاب للدستور والصلاحيات أعطاها أبعاداً لم تكن في مكانها»، منوهاً «بالقرارات التي صدرت عن الجلسة لأنها تلبي حاجة اللبنانيين من ناحية الاستشفاء والأدوية وغيرها من المطالب الحياتية الضرورية».
وشدد عبد الله على أن «ما قام به مجلس الوزراء يندرج في الإطار الضيق لتصريف الأعمال، فهو لم يقم بتعيينات كبرى وبصفقات وتلزيمات، بل عمل على تسهيل أمور الناس الملحة».
وأشار إلى أن «الأفرقاء الذين حضروا الجلسة تعاطوا مع الدعوة باعتبار أنها لتأمين حاجات المواطنين الخدماتية والصحية والإنمائية الملحة، ولم يقوموا باللعب على حافة الهاوية كما فعل الفريق الذي قاطع الجلسة تحت شعار (أنا أو الفوضى)».
وعن تداعيات ما حصل على مسار الأمور في البلاد واتجاهها نحو مزيد من الانقسام والتعقيد، أعرب عبد الله عن أمله «في أن لا ينعكس ذلك بنشوب أزمات إضافية في البلد الذي يحتاج إلى تسويات وتوافق وإصلاحات لتخفيف الأعباء عن كاهل الناس».
وشدد على «ضرورة فصل الأمور الخدماتية والإنمائية وحاجات الناس الأساسية عن الكباش السياسي والكيدية السياسية»، لافتاً إلى أن «إنجاز الاستحقاق الأساسي أي رئاسة الجمهورية اليوم قبل الغد ينهي ما يحصل من اجتهادات وملاحظات وعقبات حول اتخاذ القرارات اللازمة من أجل تأمين احتياجات الناس، فانتخاب رئيس في القريب العاجل يضمن استمرار عمل المؤسسات الدستورية في الإطار القانوني الكامل».
وأكد عبد الله أن لا خيار أمام الجميع «إلا أن يكون طريق التفاهم والحل سالكاً من أجل إنجاز ذلك لأن البلد تحلل وتدمّر وهجرة الكفاءات تتزايد والبؤس يحاصر الناس والحياة باتت لا تُطاق»، داعياً إلى «ضرورة أن يترفع الجميع إلى مستوى المسؤولية الوطنية والحس الاجتماعي».

النائب بلال عبد الله

رفع الغطاء عن باسيل
سارت عجلة تصريف الأعمال في الإطار الضيق المتعلق بتصريف الأعمال، أي تأمين مصالح الناس، وبات عقد جلسات للمجلس تحت هذا العنوان قبلاً للتكرار كلما دعت الضرورة وفقاً لرئيس حكومة تصريف الأعمال، فيما التيار الوطني الحر مستمر في نهج التعطيل رئاسياً وحكومياً لأسباب معروفة وهو يحاول استرجاع بعض مما خسره على الصعيد الشعبي والسياسي بالعزف على وتر الدستور والميثاقية وإدارة الدولة بلا رئيس للجمهورية.
وقد نجح انعقاد الجلسة بحسب ما أكده الكاتب والمحلّل السياسي جوني منيّر لـ«المجلة» في «كسر التابو، وهناك رسائل عبر ذلك من حزب الله تجاه جبران باسيل، وذلك واضح من خلال حضور نواب ووزراء الحزب»، لافتاً إلى أن «ميقاتي ما كان ليقوم بالدعوة إلى الجلسة لو لم يكن والثنائي الشيعي قد اتفقا على الحضور، كما أن ممثل رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ومشاركة الوزير الأرمني جورج بوشكيان المحسوب على حزب الطاشناق على الرغم من تساؤلات عدّة رافقت هذه المشاركة وإعلان الأمين العام للطاشناق النائب هاغوب بقرادونيان أن مشاركة بوشكيان أتت مخالفة لتعليمات الحزب الذي وضعها تحت خانة اعتبارات شخصية، وهو أيضاً رسالة من الطاشناق لباسيل بطريقة غير مباشرة».
واعتبر منيّر أن «ما حصل يظهر أنه في النهاية لم يستطع باسيل الوقوف بوجه انعقاد الجلسة، وهو لمس للمرة الأولى من بعد خروج  الرئيس السابق ميشال عون من القصر الجمهوري، أن الأمور تغيّرت، وهناك مسار أقوى منه»، لافتاً إلى أن «حلفاءه وجهوا له رسائل انزعاج مفادها بأنك لا تريد السير بخيارنا (أي ترشيح فرنجية للرئاسة)، ولكن هذا الأمر لن يأتي بأي نتيجة».

الكاتب السياسي جوني منيّر


وأوضح أن «التطورات الأخيرة ستزيد الهوة بين مختلف الأطراف وسيكون هناك شد حبال أقوى بين الثنائي الشيعي وباسيل»، لافتاً إلى أن «الوضع سيستمر عل حاله في البلاد إلى ما بعد الأعياد».
 ورأى منيّر أن «ميقاتي تمكّن، ولو بصعوبة، من عقد جلسة للحكومة، وهذا مؤشر على أنه لا يستطيع عقد جلسة حكومية في كل مرة، فهو ربما يكون قادراً على عقدها مرة ثانية في حال وجود أمور ملحة تتلاقى مع ظروف سياسية مساعدة، من دون إغفال قدرته على استمالة الوزراء الذين امتنعوا عن  الحضور في الجلسة الأخيرة».
تتجّه الأمور في لبنان نحو مزيد من التعقيد، فيما الانهيار يتمدّد في ظل محاولات ترقيعيّة مصحوبة بمناكفات سياسية تطيح بالآمال في أن تكون المعاجة سريعة وقريبة، ووحده الشعب يدفع الثمن، بانتظار تسوية بين الفرقاء ينتج عنها كما العادة تقاسم للحصص على حساب مصالح الناس المثقلين بالهموم وبتأمين قوتهم اليومي بصعوبة.